كنتُ أرغب في الهروب من غرفة ملابس السيدة السرية في أسرع وقت ممكن، لكن يدي كانت تنزلق فلم أستطع فتح الباب ذي المرآة.
تصاعدت القشعريرة في ظهري، واستمر العرق يتصبب من يدي التي تقبض على مقبض الباب.
ولأن يدي كانت تنزلق مرارًا، مسحتها بطرف فستاني.
في تلك اللحظة، انبعثت رائحة عطر قوية من خلفي، وامتدت ذراع من فوق كتفي لتفتح باب المرآة.
دون أن ألتفت، كنتُ أعلم أن السيدة كولين كانت تحدق فيّ عن قرب شديد وهي تفتح الباب.
تحركتُ بحذر محاولة ألا أظهر توتري.
لم تلحق بي السيدة كولين إلى الخارج، يبدو أن لديها مزيدًا من الأعمال لتنجزها في الداخل.
أُغلق الباب بدويّ قوي.
التفتُّ خلفي دون وعي، فرأيت انعكاس صورتي في المرآة.
كان وجه داناي، الذي يبدو حادًا بطبيعته، لا يزال خاليًا من التعابير.
شعرتُ أن هذا الأمر كان لحسن حظي.
***
“ما خطب ملابسكِ؟”
استعدتُ وعيي فجأة على صوت رينولد.
كان رينولد قد انتهى للتو من تدريباته واستحم، فكان شعره لا يزال مبللاً.
بدأ وجهه، الذي أصبح جاداً وهو يتفحص الثياب التي ألبستني إياها السيدة، يتجهم تدريجياً فور رؤيته لتعبيرات وجهي.
“…… هل حدث شيء ما؟”
“……”
“هل ضايقكِ أحد؟”
اقترب مني رينولد مسرعاً وأخذ يتفحص وجهي بدقة برؤية وجهه، شعرتُ بجسدي المتصلب يسترخي قليلاً، لكن لم يكن بإمكاني إخباره بأن والدته مخيفة.
تفحصني رينولد من رأسي حتى قدمي، ثم قطب حاجبيه حين وقع نظره على الحذاء الذي كنتُ أرتديه.
“لقد أخبرتكِ ألا ترتدي أحذية كهذه.”
وبّخني بصوت خفيض، ثم أجلسني على الأريكة وخلع الحذاء عن قدمي ليقوم بإلباسي حذاءً مريحاً بدلاً منه.
بعد ذلك، بدا أن فستاني بدأ يزعجه أيضاً، فضاقت عيناه وهو ينظر إليه.
“أليست الملابس غير مريحة؟ إن كنتِ لا ترغبين في فعل أشياء كهذه فأخبريني، وسأقوم أنا بالتحدث مع والدتي.”
“سأكون شاكرة لك إن فعلت ذلك……”
ابتسمتُ له بينما كنتُ أبذل قصارى جهدي ألا أنسى الأرقام التي رأيتها في حذائي قبل قليل.
“لقد وصلت العربة أيضاً، سأرافقكِ إليها.”
داناي، استجمعي قواكِ.
لا يجب أن تنسي الأرقام.
مشيتُ مع رينولد وأنا أردد الأرقام مراراً وتكراراً في ذهني.
“يبدو أن إيدين مشتت الذهن تماماً هذه الأيام، هل هو بخير حقاً؟”
“أوه، أجل……”
استمر رينولد في الحديث، لكن لم يدخل أي من كلامه إلى مسمعي.
وفجأة، توقف رينولد عن السير تماماً.
حينها فقط انتبهتُ وتوقفتُ أنا أيضاً.
إنه ليس من النوع الذي يتوقف عن المسير حتى لو انهمرت عليه السهام، لذا نظرتُ بتعجب إلى حيث تتجه نظراته، وحينها أدركتُ السبب.
عادةً ما يرسل منزل ليردونيا سائقًا وفارساً حين تأتي العربة، ولكن لسبب ما، كان ريان يقف بجانب العربة.
وفور أن التقت عيناي بعيني ريان، أدار وجهه بسرعة وصعد إلى العربة أولاً.
…… هل بدأتُ أتخيل أشياءً لا وجود لها؟
سألتُ رينولد بصوت خافت دون أن يلحظ ريان ذلك
“…… هل جُننتُ أخيراً؟”
“على الإطلاق.”
أجاب رينولد بنبرة جادة ومقتضبة.
****
ساد الصمت التام داخل العربة.
لم أستطع فهم السبب الذي جعله يأتي لاصطحابي إن كان سيلزم الصمت هكذا كان الهدوء شديداً لدرجة شعرتُ معها أنني قد أنسى تلك الأرقام التي حفظتها بصعوبة في غرفة الملابس.
لا، لا يجب أن أنساها.
لا بد أن هناك خطباً ما خلف تلك الأرقام، وإلا لما تصرفت السيدة بتلك الطريقة نظرتُ إلى ريان الجالس أمامي وسألته بحذر
“هل لديك ورقة وقلم؟”
بالطبع، لم أكن أتوقع منه رداً.
“……”
حدق ريان فيّ بصمت، ثم عبث بملابسه بخشونة وأخرج لي مفكرة وقلماً.
“شكراً لك.”
سارعتُ بتدوين الأرقام ثم غرقتُ في التفكير للحظة.
بما أن ريان عاش خارج القصر لفترة، فلا بد أنه رأى وسمع أكثر مني، ربما يعرف ما تعنيه هذه الأرقام لكن السؤال هو: هل سيجيبني حتى لو كان يعرف؟
كان ترددي قصيراً، فقررتُ المحاولة
“أخي، هل تعرف ما هذا؟”
مددتُ له الورقة وصوتي يقطر رقة، فتوقف ريان للحظة.
لكنه سرعان ما أبعد ظهره الذي كان ملتصقاً بمسند المقعد كالمغناطيس، وضيق عينيه ليتفحص الورقة ثم أجاب بنبرة هادئة وكأنه يذكر حقيقة بديهية
“أليس هذا رقم ماشية؟”
“……”
عندما لم يجد مني رداً، أضاف موضحاً
“إنه الرقم الذي يُكتب على علامة الأذن.”
نقر ريان على أذنه بأصبعه ثم عاد ليتكئ بوضعية مريحة مرة أخرى.
“الأرقام الثلاثة الأولى ترمز لنوع الماشية، والأرقام التي تليها ترمز لتاريخ ذبحها.”
“…… علامة أذن الماشية؟”
“أجل ولكن من أين لآنسة نبيلة مثلكِ أن ترى شيئاً كهذا؟”
ضاقت مابينا عينيّ لا شعورياً بسبب نبرة ريان المليئة بالسخرية، لكن بمراقبة تعابير وجهه، لم يبدُ أنه يقصد الإساءة فعلاً.
“فقط، رأيتُه مكتوباً على حذائي فتملكني الفضول.”
“إذن لا بد أن هذا هو تاريخ ذبح الحيوان الذي صُنع منه حذاؤكِ.”
“…… آه، حقاً؟”
كان حذائي مصنوعاً من الجلد بالفعل.
هل كلام ريان صحيح؟ بسماع تفسيره، شعرتُ أنني ربما بالغتُ في تضخيم الأمر.
“وكيف تعرف أنت هذه الأشياء؟”
“لأنني كنتُ أعمل في المسلخ قبل أن ألتقي بوالدتي.”
كانت هذه معلومة أسمعها لأول مرة وبسماع ذلك، خطرت لي فكرة أن ريان ربما عاش حياة أقسى مما كنتُ أتخيل.
“…… لا بد أن الأمر كان شاقاً.”
فجأة، استشاط ريان غضباً وسألني بحدة
“هل تسخرين مني؟”
“لم أقصد ذلك، أنا آسفة إن بدا لك الأمر هكذا.”
لم تعد لدي طاقة لمجاراته في العناد.
ولحسن الحظ، بدا أن اعتذاري قد جعله يهدأ، فساد الصمت مجدداً، لكن الجو أصبح غريباً أكثر من ذي قبل.
غير أن ذلك كان ظني أنا فقط، فقد فتح ريان فمه وتحدث وكأن شيئاً لم يكن
“بالمناسبة، كنتُ أتساءل منذ قليل…… ما خطب ملابسكِ حقاً؟”
قالها بنبرة جادة للغاية، ثم طقطق بلسانه ساخراً
“تملكين الكثير من المال، فلماذا تتجولين وأنتِ ترتدين ثياباً تشبه الخنفساء؟”
ثم عبس بوجهه تماماً حين نظر إلى الخُف الذي كنتُ أرتديه.
“والحذاء أيضاً كارثي.”
أعترف تماماً بأن ملابسي كانت غريبة، لكن سماع ذلك من ريان جعلني أشعر بالحنق.
“وما شأنك أنت؟”
كنتُ قد قررتُ قبل خمس دقائق فقط ألا أهدر طاقتي في مشاجرته، لذا سحبتُ كلامي بسرعة.
“أنا أمزح فقط.”
“…… تجاوزي الأمر، فأنا لم أحسن التصرف معكِ أنا الآخر.”
بعد ذلك، لم ينطق بكلمة.
رحتُ أنظر من النافذة بشرود، ومر وقت طويل قبل أن يبدأ ريان بالتمتمة وهو يخفض رأسه.
التفتُّ نحوه بسبب صوته الخافت، بدا وكأنه يوجه كلامه لي.
ما خطب هذا الفتى؟ هل أكل شيئاً فاسداً؟ هو الذي اعتاد على الصراخ دائماً، لماذا يتصرف هكذا الآن؟
قربتُ أذني منه وسألت
“ماذا تقول؟ لا أسمعك جيداً.”
بمجرد أن أنهيتُ جملتي، رفع ريان رأسه فجأة وصرخ
“قلتُ لكِ شُكراًااااااا!!!”
…… شكراً على ماذا بالضبط؟
علاوة على ذلك، لم أستطع تمييز ما إذا كان يسخر أم يعبر عن امتنانه بصدق بدأ ريان يزفر بغضب، بينما شعرتُ بقلبي يخفق بشدة بسبب صراخه المفاجئ.
بدا أن ريان يشعر بحرج شديد من قول كلمة شكر، فقد اصطبغ جسده باللون الأحمر من رقبتي وحتى قمة رأسه.
وفي تلك اللحظة، وصلت العربة إلى منزل ليردونيا، وبمجرد أن فتح بول الباب، ترجل ريان بخطوات ثقيلة كادت تحطم العربة.
“هل تشاجرتما؟”
سأل بول بحذر وهو يسترق النظر داخل العربة التي غادرها ريان.
“…… لا؟”
كان صراخ ريان قوياً لدرجة أن قلبي لا يزال يرتجف، بل إن ساقي بدأت تترنح نزلتُ من العربة وأنا أجر قدماي بصعوبة.
“أختي!”
ما إن رآني سيلفستر، الذي كان ينتظرني أمام القصر، حتى ركض نحوي مسرعاً لكنه توقف فجأة وقطب وجهه بامتعاض.
“…… ما خطب ملابسكِ؟”
كان وجه سيلفستر وهو ينظر إليّ يفيض بالارتباك، وبسببه شعرتُ أنا أيضاً بالارتباك يجب أن أحرق هذه الملابس في أقرب وقت.
“هل هي غريبة إلى هذا الحد؟”
“ليست غريبة تماماً…… لكنها تبدو وكأن من يرتديها سيُقتل.”
كان لدى سيلفستر موهبة فذة في الشتم بطرق مبتكرة
“حبذا لو قلتَ أنها غريبة فقط.”
ومع ذلك، أمسك سيلفستر بيدي بشكل طبيعي وقادني نحو القصر.
“هناك شيء أريد أن أريكِ إياه فور عودتكِ، تعالي بسرعة.”
كانت هذه حيلته ليدعوني للعب معه.
انقدتُ خلفه بضعف، وبينما كنتُ أسير، نظرتُ إلى ظهر ريان الذي كان يسير أمامي كانت أذناه لا تزالان تشتعلان حماراً.
ريان غريب الأطوار اليوم.
…… هل يعقل أن سبب شكره لي هو ما حدث في منزل تشيستا؟ مهما فكرتُ، بدا هذا الاحتمال هو الأقرب للمنطق، خاصة وأنه جاء لاصطحابي على غير عادته.
بقيتُ أراقب ظهره لبرهة ثم ناديت
“أخيييييييي!!!”
ناديتُه بصوت أعلى بمرتين من صوته في العربة، مما جعل سيلفستر يترك يدي بسرعة ويسد أذنيه توقف ريان لبرهة ثم التفت خلفه.
هززتُ كتفي بخفة وقلتُ له
“تعال معنا.”
اقترحتُ ذلك بينما كان سيلفستر مشغولاً بسد أذنيه، فبدا الذهول على وجه ريان.
لم يكن لدي سبب محدد، لكنني شعرتُ أن ريان ليس شخصاً سيئاً كما ظننت، وكما قال رينولد، من الأفضل الحفاظ على علاقة طيبة.
أمسكتُ بذراع سيلفستر ومشيتُ باتجاه ريان.
****
في البداية، كان سيلفستر يشعر بعدم الارتياح تجاه ريان، لكن يبدو أن توتره بدأ يتبدد تدريجياً، وسرعان ما شرع يتبادل معه أطراف الحديث شيئاً فشيئاً.
حسناً، لا يمكنني القول بأن شخصية ريان جيدة حتى من باب المجاملة، لكن كان من الواضح أنه يبذل جهداً لتغيير سلوكه تدريجياً.
أما المشكلة الحقيقية، فكانت في إيدين.
“داناي، أريد التحدث معكِ قليلاً.”
لم أكن أنا أو سيلفستر مهتمين بمنصب الوريث منذ البداية، وبما أننا لسنا الأبناء الأكبر، لم نكن حتى مستوفين للشروط التي تسمح لنا بوراثة المنصب، لكن الوضع كان مختلفاً تماماً بالنسبة لإيدين.
علاوة على ذلك، كان إيدين يؤمن بشدة بأن عليه انتزاع منصب الوريث وتأمينه لنفسه من أجل حمايتي وحماية سيلفستر.
“هااااا……”
تنهد إيدين تنهيدة طويلة وعميقة.
راقبتُ ملامحه بحذر قبل أن أفتح فمي للحديث
“بما أننا سنراه طوال حياتنا، أليس من الأفضل أن نكون على علاقة طيبة بدلاً من أن تستمر علاقتنا كعداوة مريرة؟”
“على أية حال، علاقتنا مع ريان محكومة بأن تنتهي كعداوة.”
التعليقات لهذا الفصل " 23"