تلاقت عيناي مع وجه السيدة كولين المنعكس في المرآة حين التقت نظراتنا، رفعت السيدة طرف فمها بابتسامة رقيقة.
ثم بدأت ترجع شعري إلى الوراء وتمشطه خصلة خصلة.
سألتني السيدة بنبرة خفيفة وهي تبتسم كطفلة بريئة
“كيف حال سيادة الدوق هذه الأيام؟”
“ممم…… لا أعلم حقًا، فأنا لست مهتمة بوالدي إلى هذا الحد.”
“هذا لا يجوز يا داناي، عليكِ أن تعتني بوالدكِ جيدًا.”
“لكن والدي شخص بالغ، وأنا لا أزال طفلة.”
“هذا صحيح أيضًا.”
ثم أردفت السيدة قائلة إن الأطفال يكبرون سريعًا.
“لوت أيضًا هكذا…… كان يجب عليها القيام بواجباتها كربة لمنزل الدوق، لكنها لا تفعل شيئًا أبدًا، وهذا أمر مقلق.”
“أمي بالتأكيد تعرف كيف تدبر أمورها بطريقتها الخاصة.”
“أتمنى لو تتعلم لىت مني قليلًا…… لو كنتُ أنا ربة منزل ليردونيا، لكنتُ أحببتكِ كابنتي تمامًا.”
تتعلم منها……؟ توقفتُ عن الحركة دون وعي عند سماع كلماتها.
كانت كلمات السيدة كولين تجعلني دائمًا أشعر بالاضطراب، ولكن بعيدًا عن ذلك الشعور، كانت لمساتها تحمل عاطفة صادقة حقًا.
وكأنها حقًا أمي.
ربطت السيدة كولين شعري على شكل ضفيرتين وهي تترنم بكلماتها ثم فتحت صندوق المجوهرات بسعادة وهي تـدندن بلحن ما.
كان بداخل الصندوق أحجار حمراء زاهية لدرجة تؤلم العين.
أخرجت السيدة كولين من بينها طوق شعر رفيعًا مرصعًا بعدة أحجار حمراء صغيرة، وثبتته فوق رأسي.
“ما رأيكِ؟”
سألت السيدة وهي تقرب المرآة التي كانت أمامي أكثر.
نظرتُ إلى وجهي وأومأت برأسي كإجابة عابرة انعكست صورة السيدة الواقفة خلفي في المرآة أيضًا بدت السيدة في المرآة سعيدة للغاية، وهمست في أذني وهي تدلك كتفي برفق
“داناي، لو كنتِ فردًا من عائلتنا، لكنتُ أقضي كل يوم في سعادة غامرة.”
كان صوتها عذبًا كحبات اللؤلؤ وهي تتدحرج.
في لحظات كهذه، كانت السيدة كولين تبدو طفولية للغاية.
“صحيح يا داناي! لدي شيء أريد أن أريكِ إياه.”
جعلتني السيدة أنهض، ثم أمسكت بيدي وتعبير وجهها يوحي وكأنها تحلم.
قادتني السيدة بعد ذلك نحو غرفة الملابس المرتبطة بغرفتها.
كانت الغرفة مليئة بفساتين تناسب ذوقها تمامًا وبينما كانت تدندن، قامت بسحب المرآة المعلقة على الحائط وكأنها تفتح بابًا.
كان هناك باب آخر خلف المرآة، وحين فتحته، ظهرت غرفة مليئة بفساتين حمراء فاقعة فقط.
حاولت جاهدة إخفاء تعابير وجهي التي كادت أن تنقبض أمام هذا المشهد الغريب والمريب.
لحسن الحظ، كانت السيدة سعيدة جدًا لمجرد إدخالي إلى هذه الغرفة لدرجة أنها لم تلاحظ تعابير وجهي.
أمسكت بكتفي بكلتا يديها
“هل هناك شيء يعجبكِ هنا؟”
“…… لا أدري.”
“تعلمين يا داناي، كنتُ أرغب بشدة في رؤيتكِ وأنتِ ترتدين هذا الفستان.”
أمسكت السيدة فستانًا كان بجانب الباب وأحضرته لي وهي تدندن سألتها بتردد وأنا أنظر إلى الفستان الذي قدمته لي
“…… يبدو أنكِ تحبين اللون الأحمر كثيرًا؟”
“كثيرًا جدًا.”
احمرت وجنتا السيدة وهي تقودني للداخل.
في تلك اللحظة، وقعت عيناي على شيء ما.
كان هناك حذاء صغير موضوع هناك.
استغرق الأمر مني وقتًا للتعرف عليه لأنها كانت ذكرى منسية بالنسبة لي.
إنه الحذاء الذي كنت أرتديه عندما زرت قصر الدوق كولين لأول مرة…… في ذلك الوقت، كنت قد سقطت في الماء، فعدت إلى منزلي مرتدية حذاءً جهزته لي السيدة.
لكن، لماذا الحذاء الذي جئتُ به في ذلك اليوم موجود هنا؟
أردتُ أن أسألها عن سبب وجود الحذاء هنا، لكنني شعرت بغرابة الموقف لدرجة أن الكلمات لم تخرج من فمي.
علاوة على ذلك، كانت السيدة كولين تراقب رد فعلي بعناية وكأنها تركتني أكتشف الحذاء عمدًا بالطبع، قد يكون كل هذا مجرد وهم من حساسييتي المفرطة.
أخذت نفسًا عميقًا وأبعدت نظري عن الحذاء بصعوبة.
كان قلبي ينبض بجنون، ولم أفكر إلا في الهروب من هذا المكان.
هل يجب أن أسأل رينولد إن كان يعلم بوجود هذا الحذاء هنا؟ خطرت ببالي أفكار شتى، لكن لحسن الحظ، كان وجهي متمرسًا جدًا على أجواء المجتمع الراقي.
رسمتُ ابتسامة مشرقة كعادتي، فابتسمت السيدة كولين أيضًا وكأن شيئًا لم يكن.
“داناي، تبدين جميلة للغاية اليوم.”
“…… شكرًا لكِ.”
كان هذا العالم مشوهًا بشكل ما.
في الأصل، كان انتقالي إلى هذا العالم أمرًا لا يمكن لعقل بشري استيعابه.
ولكن بعيدًا عن ذلك، كان الناس الذين يعيشون هنا غريبي الأطوار ليس الأمر وكأن لديهم خللًا بسيطًا، بل يبدو أن تفكيرهم يختلف تمامًا عن البشر الطبيعيين.
ومن بينهم، كانت السيدة كولين هي الأكثر غرابة على الإطلاق.
‘هذه المرأة، ماذا تريد مني حقًا؟’
إنها تحب اللون الأحمر.
وهي تحب الأشياء الجميلة.
في شبابها، كانت تتربع على عرش المجتمع المخملي، ولا تزال تتمتع بتلك المكانة حتى الآن.
كان هذا كل ما أعرفه عنها تقريباً.
‘لحسن الحظ… أن السيدة تتعامل معي بود.’
كانت تعاملني وكأنني ابنتها الحقيقية ربما أكثر مما تعامل رينولد حتى لكن هذا الواقع كان يخنقني، ولم أستطع أن أثق بها تماماً.
أبعدتُ نظري عن الحذاء وثبّتُّه على السيدة كولين وبينما كانت تبتسم بإشراق، فتحتُ فمي بحذر
“سيدتي، هل يمكنني أن أسألكِ لماذا أرسلتِ سيريك إلى رينوار؟”
في الحقيقة، كنتُ أعرف الإجابة بالفعل لكنني كنتُ فضولية لرؤية رد فعلها.
“يا إلهي… يا عزيزتي!”
بدا وكأنها كانت تتوقع معرفتي بهذا الأمر أجابت السيدة بتفاعل مبالغ فيه
“لقد كان ذلك كله من أجلكِ لا فائدة تُرجى من بناء علاقة مع عائلة بلا أصل كهذه.”
“سيريك كان من مقربيّ، وأنا من يقرر شأن من يخصني.”
“أنتِ لا تزالين صغيرة على اتخاذ مثل هذا القرار.”
تابعت السيدة حديثها وكأن الأمر لا يعنيها
“سيريك ديتوين كان فتىً ماكراً كالثعلب هل تظنين أنني لا أعرف أنه كان يحاول الوقيعة بينكِ وبين ابني؟”
كيف عرفت ذلك أيضاً؟ …… بطبيعة رينولد، لا أظنه سيحكي لها كل صغيرة وكبيرة.
“ارتدي هذا.”
كان الفستان الذي قدمته السيدة أحمر اللون مع دوائر سوداء تخفف من حدة وهجه.
رغم أنه ذكرني بالدعسوقة، إلا أنه كان أفضل بكثير من تلك الفساتين اللعينة التي تبدو وكأنها ستشتعل ناراً.
خلعت السيدة فستاني بمهارة وبدأت تلبسني الفستان الذي اختارته بلمسات تفيض حناناً.
لم يكن من المعتاد أبداً أن تقوم سيدة نبيلة بخدمة شخص ما بنفسها خاصة إذا كان هذا الشخص غريباً وليس ابناً لها.
راقبتُ السيدة التي تبدو في غاية السعادة، وحركتُ شفتي بتردد.
…… هل أسألها ببساطة؟ ربما أكون أنا من يبالغ في رد الفعل؟ سألتها بصوت طبيعي كالعادة
“بالمناسبة، ما قصة ذلك الحذاء؟”
“الحذاء؟”
أجابت السيدة وهي تخرج شعري العالق داخل الفستان
“إنه ملككِ.”
“لماذا تحتفظين به؟”
“لماذا؟ لأنه لطيف بكل بساطة.”
كان رداً عادياً لا شائبة فيه.
ربما احتفظت به كذكرى……. هل بالغتُ في الحساسية؟ ابتسمت السيدة بخفة وأحضرت الحذاء إليّ.
ربما لأن قدمي أصغر من المعدل، بدا الحذاء الذي كنت أرتديه في الثامنة من عمري صغيراً جداً.
“أليس لطيفاً؟”
بصراحة، كان الحذاء الموضوع بأناقة فوق يد السيدة لطيفاً.
سلمتني الحذاء
“صحيح، لقد اشتريتُ لكِ بضعة فساتين ظننتُ أنها ستعجبكِ.”
بدأت السيدة تدندن وهي تبحث بين الفساتين الحمراء الكثيرة.
بالنسبة لي، بدت كلها متشابهة، ولم أفهم ما الذي كانت تحاول اختياره بالضبط.
أبعدت نظري عنها ونظرتُ إلى يدي.
كان الحذاء سليماً نسبياً بالنسبة لشيء ارتديته منذ زمن طويل تعجبتُ كيف كبرتُ بكل هذا القدر منذ ذلك الحين.
وبينما كنتُ أتأمل نموي، لاحظتُ شيئاً مكتوباً داخل الحذاء الأيمن.
「121-8-21」
في العادة، لم أكن لأهتم لمثل هذه الأرقام، لكن بما أن الحذاء يخص السيدة كولين، شعرتُ بالريبة.
‘…… هل هو تاريخ؟’
لكن لكي يكون تاريخاً، فإن رقم 121 لا يتناسب مع التقويم.
فالسنة الحالية هي 568 حسب تقويم أورفيديا…… يجب أن أبحث في كتب التاريخ.
أو ربما هو رقم المنتج؟ كان الحبر ملطخاً كثيراً.
أو ربما كانت هذه الكتابة موجودة منذ شراء الحذاء.
لكن بما أن الأمر مر عليه زمن طويل، لم يكن من السهل تذكر التفاصيل، فلم أكن من النوع الذي يفحص حذاءه بدقة في ذلك الوقت.
فحصت الحذاء الأيسر لأرى إن كان عليه شيء، لكن الرقم وجد في الأيمن فقط.
هل من الطبيعي وجود أرقام كهذه على الأحذية؟
‘بما أنني فتحتُ الموضوع، سأسألها ببساطة عن ماهية هذا الرقم.’
استدرتُ لأسأل السيدة كولين عن الأرقام.
لكن السيدة التي كانت تبحث عن الفساتين، كانت تثبت نظراتها عليّ منذ مدة غير معروفة.
كانت تنظر إليّ وهي تحبس أنفاسها.
بدا الأمر وكأن عينيها تطفوان في الهواء بمفردهما.
توقفتُ أنا أيضاً عن التنفس من شدة التوتر.
بدأت دقات قلبي، التي كانت هادئة، تتسارع فجأة وشحبت يدي التي تمسك بالحذاء تظاهرتُ بأن كل شيء طبيعي، وبأنني لا أعرف شيئاً.
“…… هل وجدتِ الفستان؟”
“بالتأكيد.”
عند سؤالي، ذاب الجمود عن وجه السيدة وعادت لتبتسم برقة كأن شيئاً لم يكن.
“سأرسل هذه الفساتين إلى القصر.”
“شكراً لكِ.”
كان قلبي لا يزال يخفق بقوة.
في تلك اللحظة، سُمِع صوت رينولد بعد انتهائه من التدريب، وصوت فتح باب غرفة السيدة.
لم أشعر يوماً بجمال وقع صوت رينولد كما شعرتُ به الآن وقبل أن أتحجج برغبتي في اللعب معه، بادرت السيدة كولين بالحديث
“اذهبي والعبي مع رينولد.”
“حاضر.”
وما إن أنهت كلامها، حتى أسرعتُ نحو باب المرآة محاولة فتحه.
التعليقات لهذا الفصل " 22"