2
أطلق رينولد ضحكة فاترة ساخرة ثم سألني
” وهل تعتقدين أن هذا الأمر سيتم كما نشاء ؟ “
” بالطبع . أليس من المفترض أنني لا أعجبك أنت أيضاً ؟ “
أومأ رينولد برأسه قليلاً كأنه لا يستطيع إنكار كلماتي حينها عرضتُ عليه أفضل حل يمكننا اتخاذه
” ألن يكون كافياً إذا بذلنا قصارى جهدنا ليرفض كل منا الآخر ؟ “
” وهل تظنين حقاً أن الأمور ستسير وفق هوانا ؟ “
بقي رينولد يستمع إلى حديثي بصمت ، ثم ارتسمت على وجهه تعابير تشير إلى أنني مثيرة للشفقة وبما أنه يملك وجهاً مخيفاً كهذا ، فقد جعلتني تلك النظرة أشعر وكأنني أصبحتُ أكثر إنسانة عديمة الفائدة في التاريخ .
” لا يوجد شيء لا يمكن تحقيقه إذا أردنا ذلك . “
ففي النهاية ، لا يوجد والدان يجبران طفلهما على فعل شيء يكرهه لكن ملامح رينولد لم تظهر أي علامة على الارتياح ، بل ظل ينظر إليّ
” أنتِ … لستِ مقربة من والدتكِ ، أليس كذلك ؟ “
” ……. “
لقد أصاب الحقيقة تماماً فالسيدة لوت لم تكن والدتي الحقيقية لم أكن الطفلة التي أنجبتها من أحشائها ، بل كنتُ ببساطة ابنة غير شرعية للدوق وقد سمعتُ أن والدتي توفيت أثناء ولادتي .
لماذا يسأل عن أمر كهذا وهو يعلم ظروف عائلتي جيداً ؟ مهما فكرتُ في الأمر ، كان من الواضح أنني ورينولد لن نتفق أبداً .
وبما أنني شعرتُ وكأنه كشف نقطة ضعفي ، سارعتُ بالإجابة
” ……. بل نحن مقربتان جداً . “
” توقفي عن الكذب . “
هذا الفتى متخصص حقاً في جرح مشاعر الآخرين حدقتُ فيه بنظرات مليئة بالاستياء ، لكنه تجاهل نظرتي بخفة
” اتبعييني . “
ثم بدأ بالمشي .
هل يستمع رينولد لكلام والدته بهذا الشكل لأنه مقرب منها جداً ؟ تبعتُ خطواته بجهد ، وسرعان ما وصلنا إلى حديقة عائلة كولين ، فقد زدتُ من سرعة مشيي رغبة مني في إنهاء هذا الموقف المزعج .
كان يُقال إن حديقة عائلة كولين هي الأجمل بعد الحديقة الإمبراطورية ، ويبدو أن تلك الشائعة كانت حقيقية .
كنتُ أظن أن حديقة عائلة لردونيا رائعة ، لكن ظني لم يكن سوى تفكير ضفدع في بئر لا يعرف عن العالم الخارجي شيئاً.
كانت حديقة كولين مقسمة إلى مناطق ، ولكل منطقة جوها الخاص وفي المكان الذي كنا نسير فيه ، كانت أغصان الأشجار تغطي السماء فوق رؤوسنا ، وعلى أطراف تلك الأغصان تفتحت زهور أرجوانية تتدلى نحو الأرض لو كنتُ أطول قليلاً ، لتمكنتُ من لمس تلك الزهور بيدي .
لمحني رينولد وأنا أسير وعيناي معلقتان بالأعلى
” هذه الزهور تبدو جميلة جداً في الليل . “
” في الليل ؟ “
” أجل عندما يحل الليل ، تضيء الزهور كأنها مصابيح . “
فكرتُ أنها لا بد وأن تكون جميلة حقاً .
فإذا كانت بهذا الجمال في وضح النهار ، فكيف سيكون حالها وهي تتوهج باللون الأرجواني ليلاً ؟ أردتُ أن أسأل رينولد بمزيد من التفصيل عن تلك الزهور ، لكنني تراجعتُ خوفاً من أن نصبح أصدقاء دون قصد .
يمكنني دائماً البحث عن المعلومات التي تثير فضولي في الكتب لاحقاً .
وفي وسط الحديقة ، كان هناك جناح يقف شامخاً بجانب بحيرة ورغم أن حجم الجناح كان كبيراً ، إلا أنه لم يبدُ كذلك بجانب البحيرة التي كانت تفوقه ضخامة بدأ رينولد يمشي نحو البحيرة ونزل باتجاه حافة الماء .
……. لماذا ينزل إلى هناك ؟ إنه أمر خطر .
راودني شعور سيء ، لكنني استبعدتُ فكرة أن يؤذيني رينولد داخل القصر تبعته بحذر حتى اقتربتُ من البحيرة كانت نظرات رينولد مثبتة بالفعل على الماء حافظتُ على حذري وتركتُ مسافة قصيرة بيننا .
ولكن سرعان ما فهمتُ لماذا أحضرني إلى هنا ؛ فقد كانت مياه البحيرة تتلألأ تحت أشعة الشمس بجمال أخاذ ، وكأن أسراباً من اليرقات المضيئة قد حُبست داخل الماء لم أتمكن من منع نفسي من إطلاق صيحة إعجاب ، لكنني سرعان ما تراجعتُ .
هذا نذير شؤم ، نذير شؤم أنا أرفض تماماً أن تسير الأمور وفق أحداث الرواية شعرتُ بقلق مفاجئ ، فالتفتُ إلى رينولد وسألتُه بحذر
” ولكن أنت … لا تخبرني أنك تريد مصادقتي ؟ “
عندما سمع رينولد سؤالي ، ردّ عليّ دون أن يظهر أي انزعاج
” آه ، لقد أخبرتُكِ بالفعل أن رغبتنا لن تهم في شيء . “
” ما هذا الهراء الذي تواصل قوله منذ قليل ؟ “
حقاً ، لا أفهم ما الذي يرمي إليه رينولد بكلامه المستمر هذا التفت إليّ رينولد وتنهد بعمق
” إذاً ، جربي واختبري الأمر بنفسكِ . “
وقبل أن أفهم قصده من هذا الاقتراح ، دفع رينولد كتفي فجأة بينما كنتُ واقفة بجانب البحيرة ثم قال بابتسامة خبيثة
” وداعاً . “
يا لك من وغد !
مددتُ يدي بكل ما أوتيتُ من قوة وأمسكتُ بيد رينولد التي كانت تبتعد بدا الذهول على وجه رينولد ، وكأنه لم يتوقع أبداً أنني سأتشبث به .
كنتُ أتأرجح في وضع خطر للغاية عند الحد الفاصل بين اليابسة والبحيرة ، معتمدة فقط على قبضتي على يده .
صرخ رينولد بصوت حاد وغاضب
” ألن تتركي يدي ؟! “
” لن أموت وحدي أبداً ، حتى لو اضطررتُ للموت . “
قلتُ ذلك وأنا أبتسم في وجهه ابتسامة عريضة ، فبدأت ملامح وجهه تُصبغ بالرعب تدريجياً سألني رينولد وهو يحاول الحفاظ على هدوء صوته
” هل جننتِ ؟ “
” ليس بقدر جنونك . “
أجبتُه وأنا أبتسمُ ببرودٍ لأثيرَ غيظَه فحسب، وبدا أنَّ قواه بدأت تخورُ تدريجياً، فصرخَ رينولد بذعر
” اتركي يدي الآن! “
كان يهزُّ يدَه بعنفٍ ليحررَها من قبضتي، لكنني شددتُ عليها بقوةٍ أكبر، ثم أرجعتُ رأسي إلى الخلفِ بكلِّ ما أوتيتُ من عزم.
مهما بلغت القوة التي يمنحُها دعم البطل لهذا الفتى، فإنه لا يزالُ في النهاية طفلاً غريراً كان طولُه يقاربُ طولي، ولا بدَّ أنَّ وزنَه يماثلُ وزني، لذا إن تمسكتُ به بكلِّ عنادي، فستكونُ لي الغلبة.
وبالفعل، شعرتُ برينولد ينجرفُ نحو البحيرة شيئاً فشيئاً.
” آآآخ! “
أطلق رينولد صرخةً مدويةً وهو يُسحبُ نحو الماء، أما أنا فابتسمتُ بصفاءٍ وأغمضتُ عينيَّ بشدة خلتُ أنني سأموتُ هكذا، لكن سرعان ما شعرتُ بيدٍ صغيرةٍ تمسكُ بي من قفاي وتسحبُني للأعلى وبمجرد أن أخرجتُ وجهي فوق سطح الماء، شعرتُ بحرقةٍ لاذعةٍ في أنفي.
” كح، كح… “
بينما كنتُ أسعلُ بجنون، شعرتُ بنظرةٍ تراقبني من جانبٍ واحد وحين التفتُّ، وجدتُ رينولد ينظرُ إليَّ بتعابيرَ تنضحُ بالاشمئزاز.
” لماذا تفتعلين أموراً لا تطيقين تحمّلَ عواقبِها؟ “
” وأنت، ما الذي تظنُّ نفسكَ فاعلاً؟ “
” فعلتُ ما قلتُه؛ ألم أقل إننا سنختبرُ إن كان كلامي هراءً أم لا؟ “
” ……. “
لم أستطع حتى التخمينَ فيما كان يحاولُ إظهارَه لي الشيء الوحيد المؤكد هو أنَّ طريقةَ تفكيرِ هذا الوغدِ تتجاوزُ قدرتي على الاستيعاب؛ وإن كنتُ أعترفُ بأنني لستُ طبيعيةً أيضاً لأنني تشبثتُ به وسحبتُه معي إلى البحيرة.
لحسن الحظ، لم تكن البحيرةُ عميقة كان طرفُ قدمي يلامسُ القاعَ بالكاد، لذا لم يكن عمقاً خطيراً، لكنه لم يكن ضحلاً بما يكفي ليسمحَ لي بالخروجِ وحدي وأنا لا أُجيد السباحة وهكذا بَقِينا نطفو ووجوهُنا فقط هي البارزةُ فوق الماء.
لا أدري كم مرَّ من الوقتِ ونحن نتبادلُ النظراتِ الحادة ووجوهُنا تتقاذفُها الأمواجُ الصغيرة، حتى بدأ يترددُ من بعيدٍ صدى أصواتٍ مضطربة.
” يا إلهي، يا إلهي! يا صغيرتي! “
” آنستي! “
من الصوتِ فقط، عرفتُ أنهما السيدة كولين وبول ركضت السيدة كولين نحو البحيرة بجنون وارتمت في الماء دون تردد ويا للدهشة، لم تتجه نحو ابنها، بل كانت تشقُّ طريقَها نحوي أنا!
” يا صغيرتي! “
وصلت السيدةُ إليَّ في لمح البصر ورفعتني بين ذراعيها بصراحة، شعرتُ بالارتباك لأنني لم أتوقع أبداً أن تقفزَ السيدةُ في البحيرة لتنقذني.
حاولتُ أن أنطقَ بأن رينولد سقطَ في الماء أيضاً، لكنَّ صوتي خانني ولم يخرج برغم أنَّ الماء كان دافئاً نسبياً، إلا أنَّ جسدي تيبسَ من شدة التوتر.
لمحتُ رينولد دون وعي، فوجدتُه هو الآخر ينظرُ إليّ وبعد أن تلاقت أعينُنا، تمكنتُ أخيراً من إخراج صوتٍ مبحوحٍ من حنجرتي
” ورينولد أيضاً… “
كان صوتي واهناً كهمس النمل، لكنه كان كافياً ليصلَ إلى أذن السيدة كولين القريبة من فمي.
” هيا لنخرجَ أولاً. “
ومع ذلك، لم تلتفت السيدة كولين نحو رينولد ولو لنظرةٍ واحدة، بل احتضنتني وخرجت من البحيرة بخطواتٍ واسعة.
أما بول، الذي قفز خلفها، فقد تولى أمرَ رينولد.
… يبدو أنَّ الأدوارَ قد اختلطت قليلاً فيمَن يجبُ على كلٍّ منهما إنقاذه.
” أ… أنا بخير. “
كانت قوة السيدة النحيلة مذهلةً أكثر مما تبدو فبالرغم من أنَّ الفستانَ قد امتصَّ الكثير من الماء وزاد وزنُه، إلا أنها لم تظهر أي علامةٍ على التعب ولم تضعني أرضاً إلا بعد أن رأت الخادماتِ يركضنَ من بعيدٍ وهنَّ يحملنَ المناشف.
” هل تأذيتِ في مكانٍ ما؟ “
” … لا. “
كانت نظراتُها وهي تتفقدني بسرعةٍ مخيفةً بعض الشيء لكن بمجرد أن اطمأنت إلى أنني لستُ مصابة، تلاشت تلك التعابير وحلت محلها الرقة، فخطفت المناشف من أيدي الخادمات وبدأت تجففُ جسدي، ثم أمسكت بيدي لتقودني.
” لنذهب للداخل بسرعة. “
في تلك اللحظة، التقت عيناي بعيني رينولد مرةً أخرى.
” أرأيتِ؟ “
حرك رينولد شفتيه بتلك الكلمة وهو ينظرُ إليّ، دون أن يصدرَ صوتاً.
****
بعد أن جففتُ شعري تماماً وارتشفتُ الكاكاو الساخن، شعرتُ أن حالتي قد تحسنت قليلاً.
فبالرغم من أن الماء كان دافئاً بعض الشيء، إلا أن برودة الجو في الخارج كانت حقيقية ولا يمكن إنكارها.
كان اهتمام السيدة بي أكثر من اهتمامها بابنها رينولد أمراً غير متوقع، لكنني شعرتُ في زاوية من قلبي أن هذا قد يكون في مصلحتي.
فالأطفال عادةً ما يرغبون في الاستحواذ على حب والديهم لأنفسهم؛ وبما أن السيدة كولين بدت وكأنها تولي اهتماماً أكبر لي، فقد يزداد كره رينولد لي، وهذا بالتأكيد ما أصبو إليه.
لكن الأمر الغريب هو أن هذا بالتحديد ما أراد رينولد إظهاره لي حين دفعني في الماء.
ما المعنى الذي أراد إيصاله من خلال تفضيل السيدة لي عليه؟ هل أراد أن يقول إن السيدة تهتم بي كثيراً؟ وهل لأنها تهتم بي، ترغب بشدة في أن أصبح صديقة لابنها؟ لم أستطع فهم مغزى ذلك على الإطلاق.
بينما كنتُ غارقة في أفكاري، اقتربت مني خادمة بحذر، وهي التي قدمت نفسها لي سابقاً باسم ماري وكانت تحمل بجانبها صندوق هدايا كبيراً.
” لقد أعدت السيدة هدية لكِ. “
كان حجم الصندوق كبيراً جداً، وخمنتُ أنه قد يحتوي على فستان.
” لقد كانت السيدة تتطلع بلهفة لوصولكِ حتى إنها اختارت هذا الفستان بنفسها، قائلة إنه سيكون جميلاً جداً عليكِ. “
” لم أتوقع الحصول على هدية… “
شعرتُ ببعض الحماس تجاه هذه المفاجأة غير المتوقعة.
وبقلب يخفق بالترقب، فتحتُ الصندوق، لأجد بداخله فستاناً أحمر قانياً.
التعليقات لهذا الفصل " 2"