في البداية، إذا كان لي و لرينولد أن نتزوج… فسيتعين علينا مواجهة معارضة الإمبراطورية بأي ثمن.
فلو اتحدت أقوى عائلتين دوقيتين في الإمبراطورية عبر الزواج، فلن تقف العائلة الإمبراطورية مكتوفة الأيدي أبداً.
وبالطبع، حتى قبل الوصول إلى تلك النقطة، كنت أنا ورينولد سنبدي مقاومة شديدة أولاً.
لقد مر وقت طويل منذ أن انفردت بسيريك.
ولم يكن لقاؤنا في المنزل، بل كان خروجاً حقيقياً كما ينبغي.
ورغم أن بول كان معنا، إلا أن بقاء السيدة كولين هادئة كان أمراً يدعو للدهشة.
ففي الأيام التي كنت أنفرد فيها بسيريك، كانت السيدة كولين معتادة على إرسال رسائل إلى لوت.
لم أكن أعرف التفاصيل، لكن رؤية تعابير لوت المظلمة جعلتني أجزم بأنها تتعلق بعلاقتي مع سيريك.
أسرعت بالخطى نحو سيريك الجالس على المقعد.
كنت أنوي الاقتراب منه خفية لمفاجأته، لكن سيريك سريع البديهة التفت للخلف حتى قبل أن أقترب منه.
وعندما التقت أعيننا، ابتسمت بإحراج.
” … كيف كان حالك طوال هذه الفترة؟ “
” كنت بخير. “
اكتفى سيريك بالابتسام بلطف كما يفعل دائماً.
لكن اليوم، بدت ابتسامته مختلفة لسبب ما.
لقد كانت الابتسامة التي أراها يومياً قبل أن نصبح غريبين عن بعضنا، ومع ذلك، لم أظهر شعوري بهذا التناقض، فاللعب مع سيريك كان فرصة نادرة.
” … هل يمكنني الجلوس بجانبك؟ “
” بالطبع. “
من المقعد الذي يجلس عليه سيريك، كان تمثال الأسد يظهر بوضوح شديد.
يبدو أن سيريك كان يتأمل تمثال الأسد قبل وصولي.
ما يميز ذلك التمثال هو أن أفعى تعض ذيل الأسد أظن… أنني سمعت أن ذلك الأسد يرمز إلى هارتشين.
ربما لو حطمت ذلك التمثال، سيبدأ في الاستماع إلي.
تخبرنا الأساطير أن هناك حاكم تنزل العقاب المقدس بمن يحطم معابدها.
لعل تفكيري الكافر هذا هو السبب في أن الحاكن لا يستجيب لكلماتي وحدي.
لكنني كنت في وضع يستحيل معه أن يتولد لدي أي وازع ديني.
فمهما فكرت، لا يمكن تفسير دخولي إلى هذا العالم إلا بقوة الحاكن والحاكم الوحيد الذي تراءى أمامي هو هارتشين.
” وأين رينولد؟ “
أيقظني صوت سيريك من أفكاري.
” … لا أدري، ألا يتدرب كعادته؟ “
تمتم سيريك ببرود
” إنه يعيش حياته بجدية. “
نظرت إلى جانب وجه سيريك بحذر ثم فتحت فمي
” سيريك، أليس لديك رغبة في الذهاب إلى الأكاديمية؟ “
” … أنا؟ “
” نعم، والدي ينظر إليك نظرة طيبة إذا كنت ترغب في ذلك، فوالدي سيدعمك بالتأكيد. “
بدا سيريك وكأنه يفكر في عرضي للحظة
” وماذا عنكِ يا داناي؟ “
” أنا؟ “
بالطبع لن أذهب! فمن المستحيل أن أجتاز امتحان القبول في الأكاديمية التي لا يدخلها إلا العباقرة.
ربما كانت داناي الأصلية تستطيع، لكن ليس أنا.
ومع ذلك، لو أجبته بأنني لن أذهب، فمن المؤكد أن سيريك سيشعر بعبء دعم والدي له.
” سأذهب أنا أيضاً. “
” حقاً؟ إذاً سأفعل ذلك. “
سيريك ذكي، لذا سيتخطى الامتحان بسهولة وبمجرد تخرجه من الأكاديمية، سيكون مستقبله مضموناً.
” … هل أنتِ سعيدة؟ ”
سأل سيريك بحذر.
” بالطبع! “
عند سماع إجابتي، ضحك سيريك ضحكة خفيفة.
نظرت إلى ضحكته وفكرت لبرهة.
في الواقع… لست جاهلة تماماً بالسبب الذي يجعل رينولد يكره سيريك فالنموذج الذي يكرهه رينولد أكثر من أي شيء هو السيدة ديتوين.
كان مجتمع النبلاء أكثر تعقيداً مما ظننت، وكان الجميع مرتبطين ببعضهم عبر المصالح.
في كل مرة أتجاوز فيها أنا – أو بالأحرى الاسم الذي أحمله، ليردونيا – عتبة قصر عائلة ديتوين، يتغير عدد بطاقات الدعوة التي تتلقاها السيدة ديتوين.
” لا تعيشي بضعف. “
كان رينولد يحذرني دائماً بذلك.
” … خاصة مع عائلة سيريك ديتوين. “
لكنني لم أكن ضعيفة كما يعتقد، ولم أكن بتلك الطيبة.
هو فقط من كان يتصرف كالثعلب تماماً.
علاوة على ذلك، لم أكن أنا نفسي في موقف يسمح لي بالفخر أمام سيريك.
بفضل وجود سيريك، بدأت أعترف أخيراً بأن هذا العالم حقيقي.
سيريك هو من أثبت لي أن الناس الذين يشكلون هذا العالم يتنفسون ويعيشون، وأن هذا المكان مجرد عالم جديد لم أكن أعرفه.
عندما لم أكن قادرة على تقبل هذا المكان، كان سيريك هو المتنفس الوحيد لي.
أنا أيضاً استغللته، تماماً كما استغل سيريك ما أملكه.
قبضت يدي وبسطتها مراراً، ثم قلت بصعوبة
” سيريك، أنا آسفة. “
توقف سيريك للحظة عند اعتذاري.
” … داناي؟ “
” فقط، لأنك ربما عانيت كثيراً لبقائك بجانب فتاة مثلي طوال هذا الوقت. “
عند سماع كلماتي، بدا على وجه سيريك تعبير كمن تلقى ضربة مفاجئة.
لكن سرعان ما تلاشى ذلك، وحاول الابتسام.
” لا، أنا لم أفعل شيئاً. “
تمتم بذلك، وبدا وكأن لديه المزيد ليقوله.
” سيريك؟ “
” … “
” … سيريك! “
أفاق سيريك من شروده ونظر مباشرة في عيني.
” هل هناك خطب ما؟ “
” لا، أي خطب… “
رغم قوله إن لا شيء يحدث، إلا أن وجهه كان مظلماً.
لم ألاحظ ذلك منذ قليل، لكن بمجرد أن فكرت في أن وجهه شاحب، بدا لي غارقاً في الظلمة.
يبدو أن سيريك لاحظ ذلك فحاول الابتسام لي جاهداً.
وبما أن سؤاله عما يزعجه وهو ينفي ذلك قد يبدو تجاوزاً للحدود، قررت الانتظار بصمت.
” وأنا أيضاً… “
حينها، فتح سيريك فمه بحذر.
كان ذلك في اللحظة التي فكرت فيها أن عينيه اللتين تشبهان الربيع تبدوان حزينتين.
” شكراً لكِ. “
كانت كلماته لا تتناسب أبداً مع اعتذاري له.
أردت أن أسأله عن سبب شكره، لكنني لم أستطع العثور على الكلمات المناسبة بسهولة.
****
هل لأنني كنت منشغلة بما حدث مع سيريك في ذلك اليوم؟ لم أستطع التوقف عن التفكير فيه حتى حان موعد لقائي مع رينولد .
لم أكن أرغب في فتح سيرة سيريك أمام رينولد بعد طول غياب، لكن لم يكن لدي أحد غيره لأستشيره في مثل هذه الأمور.
في النهاية، باحت بما في صدري لرينولد.
” … هل قال ذلك اللعين هذا حقاً؟ “
تمتم رينولد بملامح متجهمة.
تنهدتُ تنهيدة خفيفة وأومأت برأسي. وسرعان ما تحدث رينولد ببرود
” الأمر واضح، أليس كذلك؟ “
” هل تعرف السبب؟ “
هز رينولد كتفيه بخفة
” أليس لأنه حصل منكِ على الكثير؟ “
” لكن اعتبار الأمر مجرد رد للجميل… يبدو مريباً نوعاً ما. “
” لعلها مجرد كلمات عابرة. “
على عكس قلقي من حالة سيريك التي لم تكن كالعادة، لم يبدِ رينولد أي اهتمام يذكر.
لم يكن رد فعله هذا غير متوقع، لكنني طرحت الموضوع ظناً مني أن رينولد قد يعرف شيئاً، ويبدو أن فكرتي لم تكن جيدة بما يكفي.
” أو ربما حدث معه شيء ما قبل أن يلتقي بكِ؟ “
حينها، أدلى رينولد الذي كان غير مبالٍ طوال الوقت باستنتاج منطقي للغاية.
” المكان الذي يوجد فيه تمثال هارتشين هو منطقة مزدحمة لذا ليس من المستبعد أن يكون قد وقع معه أمر ما هناك. “
عندما تحدث رينولد بجدية، بدا كلامه مقنعاً بشكل غريب.
أومأت برأسي بهدوء وأنا أستمع إليه.
حينها ابتسم رينولد ابتسامة خفيفة
” للتحقيق في الحادثة، لا بد من جمع المعلومات لنذهب الآن. “
” ماذا؟ “
لم أفهم كيف سار مجرى الحديث إلى هذا الحد لكن رينولد جعلني انهض من مكاني وكأنه لا يحتاج إلى ردي أصلاً.
” هيي! “
وعندما استعدت وعي، وجدت نفسي أمام تمثال هارتشين.
كانت زوايا فم رينولد ترتفع بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
نظرت إليه جانبًا
” أنت في الحقيقة جعلت جمع المعلومات حجة لأنك أردت الخروج للعب فقط، أليس كذلك؟ “
” صحيح. “
… لم أجد ما أقوله أمام صراحته هذه.
” إذا كنتُ معكِ، فبالتأكيد سأحصل على ثناء والدتي. “
” ثم إنني أحب اللعب معكِ أكثر من أي شيء آخر. “
ما باله يتصرف هكذا؟ إنه أمر مخيف.
” … هل فعلت شيئاً خاطئاً بحقي؟ “
حرك رينولذ عينيه ببطء ثم ابتسم ابتسامة باهتة
” إن كان هناك شيء، فربما هو جركِ إلى هنا بحجة جمع المعلومات؟ “
كانت الابتسامة المرتسمة على وجه جميلة حقاً يبدو وكأنه سن الثامنة، بدا وكأن ضحكات رينولد و سيريك قد تبادلت الأدوار تماماً.
ارتجفت زوايا فم بول الذي كان يرافقنا، ثم سعل سعلة مصطنعة لإخفاء ضحكته وتحدث
” يسعدني أن أرى كلاً منكما في حالة مزاجية جيدة. “
” ربما لأن الطقس جميل. “
عند سماع كلماتي، رفع بول نظره إلى السماء الصافية، ثم التفت إلى الزحام من حولنا.
” لهذا السبب ربما يزداد الزحام اليوم للاحتياط، سأربطكما معاً بحبل. “
قام بول بربط طرفي ملابسي وملابس رينولد بحبل، وبسبب ذلك، أصبح عليّ الالتصاق برينولد أينما ذهب.
” سأضحي بحياتي لحمايتكما، ولكن لو حدث وفقدتكما… فلنلتقِ عند تمثال هارتشين رغم أن ذلك لن يحدث بالطبع. “
” فهمت. “
مد بول يده لي، فأمسكت بيده الكبيرة.
” على أي حال، يبدو أن الآنسة تحب الحاكم حقاً. “
” أنا؟ “
” نعم. حتى عندما قابلتِ السيد سيريك، كنتِ أمام تمثال هارتشين. “
بناءً على وجهة نظر بول، لم يكن أمامه بد من التفكير هكذا.
” لا أظن أنني أحبه… أنا فقط أؤمن بوجوده. “
” … هل تؤمن الآنسة حقاً بوجود الحاكم؟ “
أومأت برأسي خفة
” وماذا عن السيد رينولد ؟ “
” لا أؤمن. “
كان صوته قاطعاً.
نعم، من المستحيل أن يؤمن رينولد بوجود حاكن…
” أنا أتفق مع رأي السيد رينولد لو كان موجوداً، لما كان العالم بمثل هذه الفوضى. “
” قد يكون ذلك صحيحاً. “
” انظري رغم أننا نهين الحاكم الا أن ، لا يحدث أي شيء، أليس كذلك؟ “
قال بول ذلك وهو ينظر إلى السماء التي لا تزال صافية.
وبسماعه، شعرت أن كلامه منطقي.
فكم من مرة شتمت هارتشين في سري؟ ليس ذلك فحسب، بل إن صلواتي كانت سيئة للغاية، ومع ذلك لم أتلقَ عقاباً بل لم يحدث شيء على الإطلاق.
مع أنني سمعت أن هارتشين حساس جداً تجاه الاهانه.
” أريد أن آكل ذلك. “
حينها سحب رينولد طرف ملابسي كان يشير إلى أسياخ اللحم والخضروات المرتبة بالتناوب.
” حسناً. “
” سأذهب لشرائها. “
ولكن بمجرد أن خطى خطوة، سُحبتُ معه، مما جعل كلماته تذهب هباءً نظر رينولد إليّ وأنا أنسحب خلفه، ثم ابتسم بإحراج.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"