تحدث ريان وهو يضغط بأسنانِه على شفتيهِ بقوة.
جعلت كلماتُه وجهي ينقبضُ من شدةِ الانزعاج.
“هل هذه هي المشكلةُ الآن؟ وفوق ذلك، هل تعتقدُ حقاً أنَّ حقيقةً كهذه يمكن إخفاؤها مهما حاولت؟ ماذا ستقولُ لـرينولد عندما يستيقظ؟ وهل تظنُّ حقاً أنَّ بإمكانك إخفاءَ رائحةِ الخمرِ الفواحةِ منه؟”
“حسناً، تباً!”
صرخ ريان فجأة.
يا للهول، كان صوتُه جهورياً بشكلٍ لا يُصدق.
بدأ ريان يتمتمُ كالمجنون
“لن يعرفَ أحدٌ طالما التزمنا الصمتَ جميعاً أما رينولد فأنتِ مقربةٌ منه ويمكنكِ إقناعُه.”
هل يدركُ حقاً حماقةَ الكلامِ الذي يتفوهُ به؟
تنهدتُ في سري ثم قلت
“اذهب وأخبر والدتي بالحقيقة؛ قل لها إنني سرقتُ الخمرَ لأنني أردتُ تذوقه سراً، وأنَّ رينولد شرب منه عن طريق الخطأ.”
“… ماذا؟”
“بالمقابل، عليكَ يا أخي أن تعتذرَ لـرينولد اعتذاراً صادقاً من كل قلبك.”
عند سماعِ كلماتي، بدت على وجه ريان علاماتُ الذهول.
وبغض النظر عن كرهي لريان، إلا أنَّ رؤيته يرتعدُ خوفاً من والدته بهذا الشكل أثارت في نفسي ذرةً من الشفقة أما أنا، فلم يكن يهمني إن كرهتني والدتي أم لا.
“داناي.”
أمسك بي سيريك بلهفة.
“اخرج بسرعة.”
عند سماعِ أمري، رَمش ريان بعينيهِ لبرهة، ثم انتفضَ فجأة وخرج مُسرعاً من الدفيئة.
التفتُّ خلفي، فإذا برينولد قد فتح عينيهِ وينظرُ إليَّ، ويبدو أنَّ صراخ ريان قد أيقظه.
“أنتَ…!”
لاحظ سيريك ذلك أيضاً، فتقدم نحو رينولد بخطواتٍ واسعة وأمسك بتلابيبِ قميصه.
“هل فقدتَ عقلك؟”
ارتفع صوت سيريك على غير عادته.
“بسببك أنت، أوشكت داناي على تحملِ مسؤوليةِ كلِ شيء.”
رد رينولد ببرودٍ دون أن يرمشَ له جفن
“لقد كان ذلك اختيارَها هي.”
أطلق سيريك ضحكةً ساخرة من شدةِ الذهول، ثم أفلتَ قميصَه وكأنه سئم منه.
نظرتُ إلى وجه رينولد وأدركتُ حينها أنَّ كلَّ ما حدث كان هو ما خطط له رينولد تماماً.
مستحيلٌ على شخصٍ مثل رينولد ألا يميزَ بين الخمرِ والشرابِ العادي…
قال ريان إنه أحضر الشرابَ بمحضِ إرادته، والسببُ غالباً هو سماعُه للحوارِ بين رينولد ولوت
وبما أنَّ ريان يتوقُ لنيلِ حبِ لوت ، أراد إظهارَ طاعته لأوامرِها بمراقبتنا، فأحضر شرابَ الـميو-أ الذي يحبه رينولد.
لكن يبدو أنه ارتبك بسبب تشابهِ الألوانِ وأحضر الخمرَ بالخطأ.
لا، الأهمُ من ذلك، لماذا أقدم رينولد على فعلةٍ كهذه أصلاً؟
مهما كان السبب، فقد كان الأمرُ مستفزاً حقاً.
لكن قبل أن أبحثَ عن الأسباب، كان عليَّ حلُّ المشكلةِ المتبقية.
تحركتُ بسرعةٍ للذهابِ إلى لوت والسيدة كولين.
وبمجردِ أن فتحتُ بابَ الدفيئة، وجدتُ السيدة كولين تركضُ نحونا.
ما إن رأتني السيدةُ حتى قالت بذعرٍ شديد
“داناي! هل أنتِ بخير؟”
ارتبكتُ قليلاً من سؤالِها الملح، ثم هززتُ رأسي ببطء
“… نعم.”
“يا إلهي، لا بد أنكِ كنتِ خائفةً جداً!”
احتضنتني السيدة كولين بقوة.
ثم بدأت تمسحُ على ظهري برفقٍ لتهدئتي.
.. في الحقيقة، أعتقدُ أنَّ السيدةَ هي من تحتاجُ للهدوءِ أكثر مني.
ومن فوقِ كتفِها، لمحتُ لوت وريان الذي بدا في غايةِ التوتر.
“لا يجبُ شربُ الخمرِ إلا بعد أن تصبحي بالغةً، مفهوم؟ قد يتسببُ ذلك بمشاكلَ كبيرة يا صغيرتي.”
“… أنا آسفة.”
“لا داعي للاعتذار! من الطبيعي أن يكون الأطفالُ فضوليين في هذا السن.”
قالت السيدة كولين ذلك، ثم حذرتني ألا أكررَ ذلك مجدداً.
ثم التفتت إلى لوت التي كانت تبدو غاضبةً جداً
“لا تقسي على داناي كثيراً، فالأطفالُ يتعلمون من أخطائهم وهم يكبرون.”
“… أنا أعتذرُ حقاً عن هذا الإزعاج ماذا عن رينولد هل هو بخير؟”
“سيكون بخير، لذا لا تقلقي يا سيدة من الأفضلِ أن يرتكبَ الأطفالُ الأخطاءَ الآن كي يصبحوا أكثرَ رزانةً عندما يكبرون.”
رغم كلماتِ السيدة كولين الدافئة، إلا أنَّ ريان الواقفَ في الخلفِ كان يراقبُ رداتِ فعلي بقلقٍ واضطرابٍ شديد.
برؤيةِ حالِ ريان، راودني شعورٌ غريبٌ بأنَّه لن يجرؤَ على مضايقتي بعد اليوم أبداً.
وحينها فقط، بدأتُ أفهمُ قليلاً السببَ الذي دفع رينولد للقيامِ بكلِ هذا.
***
مَرَّت الفوضى التي حَدثت في الدفيئةِ بِسلامٍ هدوءٍ نسبي، على عَكسِ ما كنتُ أخشاهُ أنا وريان.
فالسيدةُ كولين لم تكن تَرغبُ في عِقابي، كما أنَّ لوت خَشيت أن يؤثِّر هذا الأمرُ سَلباً على سُمعتي وأنا لم أَخطُ بَعد خُطواتي الأولى في المُجتمع، لذا اكتفَت بالقول إننا سَنتحدثُ عِند العودةِ إلى المنزل.
أما رينولد فكان يَرتاحُ في غرفةِ الضُّيوفِ في قصرِ تشيستاين بِحجةِ أنَّه ليسَ بِخير.
تَسللتُ بَعيداً عن أعينِ الكِبار ودَخلتُ الغرفةَ التي يَرتاحُ فيها.
“هل أنتَ بِخير؟”
التفتَ رينولد نَحوي عِند سَماعِ صوتي، وعندما التقت أعينُنا، هَزَّ كتفيهِ بِخفة.
“.. ألم تَشرب الخمر؟”
عندما مَددتُ له كوبَ الماءِ الذي أحضرتُه، هَزَّ رينولد رأسَه نَفياً.
“لم أشرب.”
.. أَجل، كان مِنَ المُستحيلِ أن يَشربَ هذا الفتى الخَمرَ حقاً.
تنهدتُ بِخفة، فردَّ رينولد وكأنَّه يُبررُ فِعلتَه
“أليست النتيجةُ جيدةً على أيِّ حال؟ لن تضطرِّي للبقاءِ في حالةِ عداءٍ مع ريان بَعد الآن.”
“.. هل تَعتقدُ ذلك؟”
“مِنَ الأفضلِ عدمُ صُنعِ الأعداءِ قَدرَ الإمكان، أليس كذلِك؟”
“.. لا تُكرر هذا مُجدداً لقد كُنَّا مَحظوظين هذهِ المَرَّة، ماذا لو كُشفت كِذبتُنا؟”
بَدلاً مِنَ الرَّد، سَحبني رينولد وأَجلسني على الكُرسي.
وبِسببِ تَجوُّلي دُون حِذاء بَعد أن خَلعتُ الذي ألبَسني إيَّاهُ رينولد سابِقاً، كانَ جَوربي قد اتَّسخَ تَماماً.
بَدأ رينولد بِخلعِ جَوربي بِلُطف، ثم صَبَّ مُطهراً على الجُروحِ التي تسبَّب بها الحِذاء.
لا أعلمُ مَتى أحضرَ كُلَّ هذهِ الأشياء..
انقبضَ وجهي تِلقائياً مِن شِدَّةِ الألم، لكنَّ رينولد صبَّ المَزيدَ مِنَ المُطهرِ فوقَ الجُرحِ مَرَّةً أخرى.
“يا أنت!”
مَنِ الذي يَصبُّ المُطهرَ بِهذهِ الطَّريقةِ الغَبية!
أردتُ رَكلَ وجهِه، لكنَّ ذلكَ كان مُستحيلاً لأنَّه كان يُمْسِكُ بِقدمي نَظرتُ إليهِ بَعتابٍ
“.. كَيفَ عرفتَ أنَّني سأقولُ إنَّني أنا مَن أحضرَ الخَمرَ بَدلاً مِن ريان؟”
أجابَ رينولد بِصوتٍ هادئٍ وكأنَّه يَنطقُ بِحقيقةٍ بَديهية
“ظَننتُ أنَّكِ سَتفعلينَ ذلك.”
“.. وماذا عن الخَمر؟ كَيفَ انتهى الأمرُ بِريان وهو يُحضرُ خَمراً؟”
حينَها فقط، رَفعَ رينولد عينيهِ عَن قَدمي ونَظرَ إليَّ.
مَرَّةً أخرى، كانت صُورتي تَنعكسُ كاملةً داخلَ عينيه.
كُنتُ أبدو دائماً في أعينِ الآخَرين وكأنَّني أشعرُ بالاختناقِ مِن كُلِّ شيءٍ في هذا العالَم لكن، لِسببٍ ما، لم أكن أبدو مُختنقةً هكذا عِندما تَنعكسُ صُورتي في عَينَي رينولد
لِماذا يا تُرى؟ رُغمَ أنَّ رينولد هو أكثَرُ مَن يَتسبَّبُ في شُعوري بالضَّيق.
“.. أنا لا أعلم رُبما وُضِعَ الخمرُ في المكانِ الذي كانَ يُفترضُ أن يكونَ فيه شرابُ الـميو-أ.”
شَعرتُ بِقوةِ قَبضةِ رينولد تَزدادُ قليلاً على قَدَمي.
“.. لِماذا فَعَلْتَ ذلك؟”
كانَ الجوُّ المَشحونُ بالتوترِ مُرتبِكاً للغاية.
أجابَ رينولد بِهدوءٍ على سؤالي
“لقد قُلتِ لي سابِقاً.. أن أستخدِمَ طُرقاً سِلميةً لا يَتأذَّى فيها أحد.”
حينَها فقط، تذكرتُ لِقاءَنا الأوَّلَ عِندما كُنَّا في الثامِنةِ مِن عُمرِنا.
لم أستطع نَبسَ بِبنتِ شَفةٍ بَعدَ كلامِه.
لم يَترك رينولد قَدمي، بل واصلَ بِصمتٍ مَسحَ المُطهرِ بِقُطنةٍ ثم وَضعَ المَرهم.
كانت حَركاتُه ماهِرةً حقاً.
بَعدَ أن لَفَّ قَدَمي بالضِّماد، نَهضَ رينولد مِن مكانِه.
وعِندما حَاولتُ النهوضَ مَعه، ضَغطَ بِيدِه على كَتفي
“اجلِسي مَكانَكِ ولا تَتصرَّفي بتهوُّر.”
“أنتَ حقاً..”
مَشى رينولد مُتجاهلاً كلامي تَماماً وبِما أنَّ قَدَمي كانت تُؤلمني حقاً، جَلستُ بِهدوءٍ أنتظرُ عَودتَه.
لم يَمضِ وقتٌ طويل حتى عاد، وكان يَحملُ في يدِه خُفّاً
جَلسَ أمامي مَرَّةً أخرى كما فَعَلَ سابِقاً، وألبَسني الخُفَّ بِنفسِه.
وبينما كُنتُ أنظرُ إليهِ بِصمت، تملَّكني شُعورٌ غريب.
لقد كانَ حَقاً يوماً غريباً.
بَعدَ أن انتهى رينولد مِن إلباسي، نَظرَ إليَّ مَلياً
“إذا كُنتِ سَتَرتدينَ أحذيةً ذاتَ كَعب، فاختاري كَعْباً مُنخفضاً.”
شَعرتُ وكأنَّني طِفلةٌ مُشاكِسة، فَقُلتُ مُحتجَّة
“.. هذهِ الجُروحُ نَتجت لأنَّني ركضتُ مَعك.”
“لِهذا السَّبب، بِما أنَّكِ ستركضينَ مَعي دائماً، ارتَدي أحذيةً مُسطَّحةً في المُستقبل.”
.. يا لهُ مِن فتىً مُستفِز.
بَدأ رينولد يَعَبثُ بِطرفِ الخُفِّ الذي ألبَسني إيَّاهُ، ثم قالَ بِحذر
“أنا أعلمُ أنَّكِ تَحملينَ هُموماً لا يُمكنكِ الإفصاحُ عَنها لي.”
أمسكتُ بِجلدِ الأريكةِ بِقوةٍ دونَ وعيٍ مِنِّي عِند سَماعِ كلماتِه.
واصلَ رينولد حديثَه دُونَ أن يَكترث
“رُغمَ أنَّنا تَعاهدنا على أن نُخبِرَ بَعضَنا بِكُلِّ شيء، إلا أنَّه لا بَأسَ إن لم تَفعلي أنا.. فقط أريدُكِ أن تَكوني سَعيدة نَحنُ أصدقاء، أليسَ كذلِك؟”
“.. رينولد.”
“أنتِ لستِ بارِعة، ولستِ أذكى مِنِّي، ولستِ أجملَ مِنِّي أيضاً، ولكن..”
ابتسمَ رينولد بوضوح
“ومع ذلِك، أنا أحبُّ البَقاءَ بِجانبِك وبِما أنَّني سَعيدٌ بِفضلكِ، فأنَا أريدُ منكِ أن تَكوني سَعيدةً أيضاً طالما أنَّكِ بِجانبي.”
لَمعت عَينا رينولد مِثلَ النُّجومِ في سَماءِ الليل.
لم أعد أعرفُ إن كانَ ذلكَ انعكاساً لِضوءِ الشَّمس، أم أنَّني كُنتُ مَحتبِسةً تَماماً داخِلَ نَظراتِه.
***
“احرصي على ألّا يتكررَ مثلُ هذا الأمرِ مُجدداً.”
يبدو أنَّ تأثيرَ السيدة كولين كان قوياً حقاً، فقد نلتُ توبيخاً أقلَّ مما كنتُ أتوقعُ من لوت.
حسناً، التوبيخُ بحد ذاته يحتاجُ إلى قدرٍ من المودةِ لكي يفعله المرء.
ومع ذلك، فقد نلتُ قسطاً وافراً من التوبيخِ من والدي؛ إذ صبَّ جامَ غضبه عليَّ متسائلاً كيف لي أن أفتعلَ المشاكلَ حتى في مثل تلك المناسبات الرسمية، وعاقبني بالحرمان من الخروج لمدة أسبوعين، بالإضافةِ إلى منعي من لقاء أصدقائي.
وبفضلِ ذلك، استمر تأجيلُ لقائي بـسيريك مراراً وتكراراً، إلى أن جاء اليومُ أخيراً وهو يومُ لقائنا المنتظر.
وبالطبع، لم نتوقف عن تبادل الرسائل طوال تلك الفترة.
أما رينولد فلم أتبادل معه أي رسائل.
فنحن لسنا في علاقةٍ من المودة تجعلنا نتبادل الرسائل لمجرد أننا لم نرَ بعضنا لأسبوعين فقط.. كما أنَّ فكرة الرسائل بيننا هي أمرٌ يبعثُ علي الخجلِ الشديد.
فَلَو أرسل أحدُنا رسالة للآخَر، لَكانَ ذلِك دليلا قاطعًا على وُقوعِ كارثة أو خَطرٍ يُهدد حياتَه أو رُبما لِأجل التأكد مِن أن الطَّرف الآخَر لا يَزالُ يَتنفَّس بَعدَ خَطب جَسيم.
ومع ذلك، كانت هذه المرة الأولى التي لا أرى فيها وجهه طوال هذه المدة؛ ففي السابق، كنتُ أراه مرةً واحدةً على الأقل في الأسبوع.
في الماضي، كنتُ أتخيلُ أحياناً أنَّ السيدة كولين ولوت قد تعاهدتا قائلتين “إذا أنجبنا أطفالاً، فهل نزوجهم لبعضهم البعض؟”
لكنني سرعان ما كنتُ أتوقفُ عن هذا التخيل لأن مجرد التفكير فيه كان يصيبني بالغثيان.
لذا، توصلتُ إلى استنتاجٍ مفاده أنهما، بفضلِ صداقتهما القوية، كانتا تملكان تصوراً مثالياً بأن يصبح أطفالهما أصدقاءً مقربين أيضاً، ولهذا السبب كانتا تتوقان دائماً لجمعنا معاً.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"