بَدا رينولد في تِلك اللحظة وهو يَعتذر لِلسيدةِ التي سألتنا خلالَ وجبةِ الطعام عما إذا كُنَّا سنتزوج وكانَ حينها يرتدي حذاءً أنيقاً ونظيفاً.
بجانبِه، كانت لوت تَبتسمُ بِسعادةٍ لا توصف.
للوهلة الأولى، قد يَظن مَن يراهما أنَّ رينولذ هو ابنُ لوت الحقيقي؛ لِقوةِ العلاقةِ التي بَدت بينهما.
ربما بَدت علاقتهما أمتنَ حتى مِن علاقة ريان، الذي لا يزالُ يلتصقُ بِوالدتِه لوت كظِلِّها بدا ريان مُرتبكاً ويُراقبُ رداتِ فِعل لوت باستمرار، ربما لأنَّ هذه هي حفلتُه الأولى.
ابتسمت لوت بِفخرٍ وهي تُربتُ على كَتف رينولد
“لقد رأيتُ شرابَ الـميو-أ قبل قليل إذا أردتَ شُربَه، فبإمكانِك الحصولُ عليهِ في أيِّ وقت.”
كانَ الـميو-أ هو المشروبَ المفضلَ لدى رينولد
يتميزُ بلونِه الشفافِ المائلِ للاصفرارِ قليلاً، وبِرائحةِ فاكهةٍ حلوةٍ ومميزة ومما يجعله نادرًا وصعب المنال هو أنه يُصنع من ثمار صحراويةٍ مُخمرة.
أجابَ رينولد بِأدب جَم، وهو يُومئُ برأسِه نَحوَ المشروبِ الموضوعِ على الطاولة
“أودُّ شُربَه مع داناي لاحقاً.”
يا له مِن بارعٍ في استغلالِ اسمي لِمصلحتِه!
بينما كانت لوت تَستمعُ لِكلامِه المعسول، لم تتوقف عن الضحكِ بِخفة وكأنها تَراهُ طفلاً لطيفاً.
ولم يكتفِ رينولد بذلك، بل زادَ عليها بابتسامة مُشرقة
“يجبُ عليَّ أن أعتني بِداناي جيداً.”
بَدت لوت مُتأثرةً بِنُبلِ رينولد ، فَمَسحت على رأسِه ببطءٍ
“أنا أعتمدُ عليكَ في الاعتناءِ بِداناي مُستقبلاً.”
في تلكَ الأثناء، بَدت علاماتُ القلقِ واضحةً على وجهِ ريان وهو يُراقبُ هذا المشهد.
وبينما كُنتُ منذهلةً مِن المهارات الاجتماعية المفاجئةِ التي أظهرها رينولد وجَّهت السيدةُ كولين حديثَها إليَّ، فالتفتُّ نَحوَها.
“داناي، فُستانُكِ و…”
اتجهت نَظراتُ السيدةِ نَحوَ حِذائي وبَدت عاجزةً عن إكمالِ جُملتِها بَعدَ رؤية حالتي المزرية.
“… هل حَدثَ مَعكِ شيءٌ ما؟”
“في الحقيقة، لقد ذهبتُ في جولةٍ حولَ الفيلا مع رينولذ قبل قليل.”
بمُجردِ ذِكري لِفكرةِ التنزُّه مع رينولد لانت ملامحُ السيدةِ فوراً وأصبحت أكثرَ دِفئاً.
رَبَتت على كَتفي بِخفةٍ
“بينما كُنتما غائبين، قامت السيدةُ تشيستاين بتجهيزِ مكانٍ خاصٍ للأطفالِ في الدفيئةِ الزجاجية.”
ثم أضافت أنه إذا أردنا اللعبَ بِمفردِنا، فبإمكانِنا التوجُّه إلى هناك.
“حسناً، سنفعلُ ذلك.”
في تلكَ اللحظة، اقتربَ رينولد منا بَعدَ أن أنهى حِوارَه.
كانَ يبتسمُ من الأذنِ إلى الأذن، مما أثارَ ريبتي حقاً.
سألتُه بِصوتٍ خافضٍ جداً كي لا تَسمعَنا السيدةُ كولين
“أنت، لماذا تبتسمُ هكذا منذُ قليل؟”
“لأنني سعيدٌ لأنَّ ذِكرى جديدةً قد أُضيفت، ولا يَعرفُ عنها أحداً سوانا.”
قالَ ذلك وهو يَبتسمُ بجمال جعلَ عينيه تتقوسانِ بِلُطف.
بسببِ كلماتِه غيرِ المتوقعة، تَملَّكني الارتباكُ وبدأتُ أتلعثمُ في الكلام.
وفي تِلك الأثناء، التفتَ رينولد نَحوَ سيريك وحثَّه على الذهابِ بِسرعة.
.. هل حقاً أكلَ هذا الفتى شيئاً غريباً في الخارج؟
***
بصراحةٍ، كانت فيلا عائلة تشيستاين تُسمى فيلا بالاسمِ فقط، لكنَّها في الحقيقةِ تُعادلُ حجمَ قصورِ معظمِ النُّبلاءِ في العاصمة، بل ربما كانت أكبرَ مِن ذلك.
كانت الدَّفيئةُ الزُّجاجيَّةُ مليئةً بزهورٍ ونباتاتٍ كنتُ أراها كثيراً، لكنَّني لا أعرفُ أسماءَها الدقيقة.
لهذا السبب، كانت معظمُ الدفيئاتِ التي رأيتُها سابقاً مليئةً بزهورٍ نادرةٍ تُرى لأوَّلِ مَرَّة، أما دفيئةُ عائلةِ تشيستاين، فكانت تَعرضُ جمالاً فريداً رُغمَ أنَّها مُزيَّنةٌ بزهورٍ شائعة.
“هل تَلعبينَ الشَّطرنج؟”
اقترحَ رينولد ذلك أولاً، يبدو أنَّه شَعر بالمَلل.
نَظرتُ خِلسةً إلى الأريكةِ الموجودةِ في الدفيئة وهَززتُ رأسي
“أنا لا ألعبُ ألعاباً أعرفُ أنَّني سأخسرُ فيها.”
“لن تَتطوَّرَ مهاراتُكِ إلا إذا لعبتِ كثيراً.”
لم يَكن كلامُه خاطئاً، لكنَّ فكرةَ فوزي على رينولد في الشطرنجِ كانت أمراً مستحيلاً.
كيفَ لي أن أهزم هذا الفتى الذي يَبدو وكأنَّه يَطيرُ فَوقَ رُقعةِ الشطرنج؟ أصلاً، مِنَ المضحكِ أن يَخسرَ شخصٌ مِثلُه، وُصِف بالكمال في هذا العالَم، أمامي في لعبةِ شطرنج.
“سألعبُ أنا مَعك.”
جلس سيريك على الحرسي بَعدَ أن كانَ يستمع لحوارنا بِهدوء.
رفع رينولد كَتفيه بخفة ثم جَلس في المقابل لِيواجِه سيريك فكرتُ في نَفسي أنَّني لستُ بحاجةٍ لمُراقبةِ اللَّعبة، طالما أنَّ هَذينِ الذَّكيَّينِ يَلعبانِ معاً.
وبينما كانا يَلعبان، استلقيتُ أنا على الأريكةِ التي لَمحتُها قبل قليل.
ظننتُ أنَّني لن أستطيعَ النَّومَ بسببِ الفستانِ غيرِ المريح، لكن يَبدو أنَّني كُنتُ مُتعبةً جداً.
خلعت الحذاء الذي ألبَسني إيَّاه رينولد بِترتيبٍ ثُمَّ استسلمتُ للنَّوم.
لا أعلمُ كم مَضى مِنَ الوقت، لكنَّني سَمِعتُ صَوتَ انفتاحِ بابِ الدفيئة.
نهضتُ مِن مكاني بِشكلٍ لا إراديٍّ خوفاً مِن أن تكونَ لوت قد جاءت لتتفقدنا وبسببِ نهوضي المُفاجئ، لم أستطع إرتداءَ حِذائي بشكلٍ صحيح.
“…”
لكنَّ الذي كانَ واقفاً أمامي هو ريان.
تَلاشى توتُّري بِمجردِ رُؤيةِ ريان وهو يَنظرُ إلي
“لقد أخفتَني بلا داعٍ…”
تمتمت بِتذمرٍ ثُمَّ جَلستُ ثانيةً على الأريكةِ بِقوة.
“أنتِ حقاً…”
تنهَّدَ ريان بعُمق وهو يُتمتمُ كأن حالي لم يُعجبْه.
ضَيَّقتُ عينيّ عند سَماعِ تنهيدته.
رُغمَ أنَّ الأمرَ يَبدو طُفولياً، إلا أنَّني على الأقلِ لم أرغب في الخسارةِ أمامَ ريان رَفعتُ رأسي بَتحدٍ
كُنتُ أشعرُ بالعَطشِ فِعلاً، لكنَّني لم أستطع شُربَه فوراً بسببِ شَكِّي في تَصرفات ريان السابقةِ مَعنا راقبتُ الفُقاعاتِ الصغيرة التي تَصعدُ في المشروبِ وسألتُه
“.. هل وَضعتَ سُمَّاً هنا؟”
“هل جُنِنتُ لأفعلَ ذلِك؟”
رُغمَ إجابتِه، لم أُخفِ نظراتِ الشَّكِ في عيني، فأضافَ ريان بِهدوء
“.. لقد جئت لأنَّ والدَتي طَلبت مِنِّي مُراقبتَكُم لِكيلا تَفتعلوا المَشاكل، وهذا المشروبُ أحضرتُه مَعي وأنا في طَريقي إليكم فقط.”
هل هو مُتوترٌ على غيرِ العادة؟ كانَ مُختلفاً جداً عن حالِه الدائمِ حَيثُ يكونُ مِثلَ القُنفذِ الذي يَنصبُ أشواكَه.
حَسناً.. لا يُمكِنُ للإنسانِ أن يكونَ على وتيرةٍ واحدةٍ دائماً، وبِما أنَّ لوت مَوجودةٌ اليوم، فلا أعتقدُ أنَّ ريان سيتجرأُ على افتعالِ مُشكلة.
عِندها فقط ارتحتُ قليلاً
“الأولادُ هناك.”
أمسكتُ بالكوبِ الذي أعطاني إيَّاهُ ريان وتوجَّهتُ نَحوَ سيريك ورينارد اللَّذينِ يَلعبانِ الشطرنج لِحُسنِ الحظ، كانتِ المُواجهةُ قد انتهت بالفعل.
.. والمُثيرُ للدَّهشةِ أنَّ الفائزَ في هذهِ الجَولةِ كانَ سيريك.
في تلك اللحظة، اقترب مني سيريك الذي كان يتفحص رينولد وتحدث إليَّ بهدوء.
التفتُّ خلفي لأرى رينولد وهو يتنفس بانتظام وقد استغرق في نوم عميق.
“لذا، أرجوك يا سيد ريان اهدأ أنت أيضاً.”
ومع ذلك، كان وجه ريان يبدو وكأنه على وشك الانفجار بالبكاء في أي لحظة نظر إليه سيريك لبرهة
“دعونا نمرر هذا الأمر دون أن نخبر أحداً.”
“… ماذا؟”
لم يهتم سيريك بردة فعلي، وواصل كلامه وهو ينظر إلى ريان
“هل تعتقدين حقاً أن رينولد لم يدرك أن هذا خمر؟ لا بد وأنه شعر بالطعم منذ الرشفة الأولى، ومع ذلك ابتلعه ربما فعل ذلك عمداً ليوقع بسيد ريان في ورطة، فقد كان دائماً يعاملكِ بلؤم أيضاً.”
“سيريك، انتظر لحظة.”
“داناي، استمعي إليَّ جيداً دعونا نستغل هذه الفرصة لنلقن رينولد درساً ونقوم سلوكه لقد كان يضايقكِ باستمرار منذ زمن، وربما يستعيد رشده بعد ما حدث اليوم، أليس كذلك؟”
عند سماع كلمات سيريك، أدار ريان رأسه بسرعة ونظر إليَّ كانت عيناه محمرتين بشدة وكأن الدموع ستنهمر منها في أي ثانية.
أجبتُ على اقتراح سيريك بحزم
“لا، لا يمكنني فعل ذلك.”
“هل ستظلين إذاً تتحملين مضايقات رينولد إلى الأبد؟”
“سأعترف بأن رينولد كان يضايقني طوال تلك الفترة، لكن هذا التصرف لا يبدو صحيحاً يا سيريك.”
“…”
نظرتُ إلى ريان الذي كانت عيناه محمرتين
“ريان اذهب إلى والدتي وأخبرها بالحقيقة قل لها إن أكواب الشراب قد اختلطت ببعضها ولذلك حدث ما حدث.”
“… هل تريدينني أن أقول ذلك حقاً؟”
“…”
“آه، لا بد وأن هذا يناسبكِ تماماً فأنتِ تريدين طردي من هنا على أي حال.”
التعليقات لهذا الفصل " 17"