عَلى عَكس ما توقعت مِن أنَّه سَيُصعق بِكَلامي، أومأ رينولد بِرأسه مُوافِقاً.
.. لَقَد وافق على هذا حَقًا
وضعتُ مقدمة الحذاء الذي خلعته قبل قليل على فتحة الزجاجة، ثم ضغطتُ عليها بقوة لإدخالها عنوة.
لَم تَكُن الفُوهة كَبيرةً لِذا ظَننتُ أنَّه لَن يَدخُل، لَكِنَّه انزَلَق للداخل بشكل غَريب عِندما ضَغطتُ بِشدَّة.
وعِندما شَعرتُ أنَّني حَشوتُه بِأقصى قَدرٍ مُمكِن، أرخَيتُ يَدِي وتَأمَّلتُ المَنظر المُزري لِلقارورَة، فَلَم أستَطِع مَنع نَفسي مِن الضَّحِك.
وهكَذا، انفَجرتُ أنا و رينولد في نوبة ضَحِك صاخِبة.
مَسحَ رينولد الدُّموعَ التي تَجمَّعت في زَوايا عَينيه مِن كثره الضحك
“هل نَضعُ سِحرَ حِفظٍ احتِياطاً؟”
“هل تُجيدُ ذَلِكَ؟”
أومأ رينولد بِرأسِه خَفيفاً، فَأبديتُ إعجابي بِإجابَتِه.
كُنتُ أتساءل مَتى تَعَلَّم شَيئاً كَهذا، فَمِن المُؤكَّد أنَّه لَم يَملِك الكَثير مِن الوَقت لتعلم السِّحر.
وبَدا أنَّ نَظراتي جَعلت رينولد يَشعُر بِالارتباك، فَحكَّ خَدَّه
“لَكِنَّ المفعول لَيسَ مَضموناً تَماماً قَد يَبطل السِّحر قَبل أن نَتَحقَّق مِن القارورَة.”
“رغم ذلك، أليسَ القِيام بِه أفضَل مِن لا شَيء؟”
“هذا صَحيح.”
قامَ رينولد بِلفّ قِطعة مِن الوَرَق حَول فُوهة القارورةِ المُضحِكة، ثُمَّ بَدأ بِرسمِ دائِرةٍ سِحريَّةٍ عَلى الوَرَقة بِاستِخدام قلم
كانَت مُنحَنيات الدَّائِرة السِّحريَّة التي رَسَمها بِبَراعة كافِيةً لِمنحِ المَرء شُعوراً بِالغُموض بِمُجرد النَّظر إلَيها.
“رينولد.”
“نَعَم؟”
“كَلمة التَّفعيل هي اسمي.”
قال رينولد ذَلِكَ مُبتَسِماً ابتِسامةً خَفيفَة، وفي تِلك اللَّحظة، بَدأت الدَّائِرة السِّحريَّة عَلى الوَرَقة تَشعُّ بِضوءٍ أسوَد غَلَّف فُوهة القارورَة.
سرعان ما اختَفى ذَلِكَ الضَّوء الأسوَد.
كانَت مانا رينولد سَوداء مِثل عَيناه وشَعرُه، ورَغم سَوادِها، لَم أشعُر أنَّها مُظلمة بِشكلٍ مُنفِّر.
سألته بِنَبرةٍ مُتردِّدة قَليلاً
“.. هل نَجَح الأمر؟”
“أجَل.”
وعِندما نَظرتُ الآن، وَجدتُ القارورة التي كانَت مُتشقِّقة قبل قَليل قد عادَت جَديدةً تَماماً ونَظيفة.
“لِنذهَب لدفنها الآن.”
“حسنًا.”
استَنَدتُ عَلى رينولد لِأنهَض عَن الصَّخرة.
لَم نُناقِش مَكان دَفن القارورَة، لَكِنَّنا تَوجَّهنا بِشكلٍ طَبيعيّ إلى أسفَل شَجَرةٍ كَبيرة وبَدأنا في حَفرِ الأرض.
ولَكِن بينما كُنتُ أحفِر، انتابَني شُعورٌ غَريب بِالقَلق.
“ماذا لَو هَطَل المَطَر بِغزارةٍ وفاضَت مياه البُحيرة إلى هنا؟”
لَو تعرضت لِتَهديدٍ مِن رينولد يَوماً ما، سَأضطَرُّ لِاستِخدام هذا الأمر ضِدَّه.
عِندما سَمِع رينولد كَلامي، هز كَتفيه بِخفَّة
“قَد يَحدُث ذَلِكَ.”
“.. إذاً، هل ندفنها في مَكانٍ آخَر أكثَر أماناً؟”
“لا ، هَذا المَكان يَسهُل تَمييزُه.”
كانَ مُحقًا في ذلك فَهذهِ الشَّجَرة هي الأطوَل في هذا المَكان.
“كَما أنَّه لا بَأس حتى لَو جَرفَتها المِياه.”
“تَقولُ إنَّه لا بَأس؟”
“أجَل، فنحن نتذكر هَذهِ اللَّحظة عَلى أيِّ حال إذا ضاعَت، يُمكننا أن نُخبر بَعضُنا بَعضاً حِينها.”
قال رينولد ذلك وهُو يبتسم بَراءة.
وعِندما رَأيتُ ابتِسامتَه المَشرِقة، شَعرتُ وكأنَّ قَلَقي كانَ بلا داعٍ.
لَقَد صَدَق في كَلامِه، فَنَحنُ لَن نَنسى هذهِ اللَّحظة أبداً.
أجَبتُه بِوضوحٍ وقَدِ اطمأنَّ قَلبي
“حسنًا.”
بَذلنا جُهداً في حَفرِ الأرضِ ووَضَعنا القارورَة بِداخِلِها، ثُمَّ غَطَّينا القارورَة بِالتُّرابِ مَرَّةً أُخرى.
وفي النِّهاية، قُمنا بِتَسوِيةِ الأرض مَعاً بِرِفق حتى لا يَكتَشِفَها أحَدٌ غَيرُنا.
“لِنَعُد لِلتَّأكُّد مِنها مَعاً لاحِقاً.”
أومأتُ بِرأسي خَفيفاً لكلان رينولد.
“.. إياكِ أن تأتي وحيدةً سراً لتتأكدي منها.”
“بالطبع، سآتي معك أنت.”
حينَها فَقَط بَدا أنَّ رينولذ قدِ اطمأنَّ، فَرَفَع طَرَف شَفَتيهِ مُبتَسِماً.
ثُمَّ مَدَّ لِي خِنصَرَه.
“عِدِيني.”
يَبدو أنَّ التَّعاهُد بِالأصابع قد أصبَح عادةً لَدَيه.
ابتَسَمتُ قَليلاً وشَبكتُ خِنصَري بِخِنصَرِه.
“حَسناً، أعِدُك.”
بصراحةٍ، كانَ العودة إلى هَذا المكان برفقه رينولد هوَ أكثرُ ما كُنتُ أتمنَّى حُدوثَه.
أخرجَ رينولد مِنديلاً مِن جَيبه ومَده نَحوي، مُشيراً لي بِمَسحِ يَدِي المُتَّسِخة.
وبَينما كُنتُ أنظف يَدِي، ألقى نَظرةً خاطِفةً على قَدَمي الحافِيةِ التي تَفتقِدُ الحِذاء
“وكيفَ سَتَمشين؟”
“بالطَّبعِ سَتَحملُني أنتَ على ظَهرِك.”
بَدَت على وجه رينولد مَلامِحُ الذُّهول مِن إجابَتي الواثِقة، لكنَّني كُنتُ محقه تَماماً.
“حتى لو كُنتُ أرتَدي حِذائي، كانَ عليكَ أن تَحمِلَني على أيِّ حال.”
“أنا؟”
“انظُر إلى هَذا.”
أريتُه بُقع الدماء التي تَسرَّبَت عبرَ جَورَبي الأبيض، فَصَمَتَ رينولد وكأنَّه لم يَجد ما يَقولُه.
سَرعانَ ما جَثا على رُكبةٍ واحِدة، وخَلعَ لي فَردةَ الحِذاءِ الأخرى ثُمَّ سلَّمَني إيَّاها وبَينما كُنتُ أتلقَّى الحِذاءَ بِتَردُّد، أدارَ ظَهرَه لي وجَلس.
كانَ يَقصدُ أن أصعَدَ على ظَهرِه.
.. لقد فَعَلها في النِّهاية، فلِمَ التذمر مُنذُ البِداية؟
أمسَكتُ الحِذاءَ بإحكامٍ وصعدت على ظَهرَ رينولذ بِسرعة.
أصدرَ أنيناً خَفيفاً قَبلَ أن يَنهضَ واقفاً.
عادَت الرِّياحُ تَهبُّ نَحوَنا مِن جَديد، وكانَت تَفوحُ مِن رينولد رائِحةُ العُشبِ والماء؛ فقد بَذلَ مَجهوداً كبيراً وهوَ يَتجوَّلُ حولَ البُحيرةِ بَحْثاً عن القارورةِ الزُّجاجيَّة.
بِسببِ ذلِك، اختَفَت تَماماً رائِحةُ الزُّيوتِ العِطريَّةِ التي وَضَعَها مِن أجلِ لِقاءِ اليَوم.
وبالطَّبع، لم أكن أنا بأفضل حالٍ مِنه وَضعتُ ذَقني على كَتِفِه، وسألتُه بِدافعِ الفُضولِ الذي تَملَّكني فَجأة
“لكن.. أقول.”
“تَكلَّمي، أنا أسمَعُكِ.”
“لماذا أردتَ أن نُصبح أصدقاء؟ بِصراحة، لم نكن مُنسَجِمين تَماماً عندما التَقَينا لأوَّلِ مَرَّة.. أليسَ كذلِك؟”
لم يأتِ أيُّ رد.
صَمَتُّ قَليلاً ظنَّاً مِنِّي أنَّه يُفكِّرُ في الأمر، وجاءَت إجابَتُه مُتأخِّرةً بَعضَ الشيء.
“لم أُفكِّر في الأمرِ بِشكلٍ خاصٍ أبداً.”
“إذاً فَكِّر بِسرعةٍ وأجِبني.”
“لا، ما قَصَدتُه هوَ أنَّني لم أشعُر أبداً بأنَّنا غيرُ مُنسَجِمين.”
“ماذا؟”
مِن هَولِ المُفاجأة، رَفعتُ رأسي عن كَتِفِه.
“يا أنتِ، سَتَقَعين!”
تَرنَّحَ رينولد في مِشيَتِه بِسببِ حَرَكَتي المُفاجِئة.
“آه، اعتَذِر.”
لَففتُ ذراعي حولَ عُنقِ رينولذ وشَعرتُ بِجسَدِه يَتصلَّبُ تَماماً تَحتَ يَدَي.
“رُغمَ أنَّنا نَتَشاجرُ كثيراً؟”
“هذا صَحيح لكنَّنا كُنَّا مَعاً مُنذُ الصِّغَر.. في الواقِع، عِندما أخبرَتني والدَتي قَبلَ لِقائِنا الأوَّلِ أنَّه يَجبُ عليَّ التقرب مِنكِ، شَعرتُ ببعض النُّفورِ حينَها.”
“مَنطِقي، أعتقدُ أنَّني كُنتُ سأشعرُ بِمثلِ شُعورِك.”
سادَ صَمتٌ قَصير صَمَتَ رينولد قَليلاً
“في البِداية، اعتَقَدتُ أنَّكِ غَريبةُ الأطوارِ أكثرَ مِنِّي.”
“ماذا؟ مَن؟ أنا؟”
“ومَن غَيرُكِ أعني؟”
تَمتَمَ رينولد وكأن ردّ فِعلي المُبالَغَ فيهِ يُثيرُ استياءَه.
حَسناً، لم يكن لديَّ ما أقولُه؛ فأنا أيضاً كُنتُ أظنُّ أنَّ رينولذ غَريبُ الأطوار، ولا يَزالُ هذا رأيي فيهِ حتَّى الآن.
“إذاً ما هيَ الخُلاصة؟ هل أردتَ مُصادَقَتي لأنَّكَ ظَننتَ أنَّني غَريبةُ الأطوارِ أكثرَ مِنكَ؟”
“هل هذِه هيَ الخُلاصة؟”
“…”
انفَجرَ رينولذ ضاحِكاً وكأنَّ صَمْتي يُسلِّيه يَبدو أنَّه لا يَنوي إعطائي إجابةً شافِية تَنفَّستُ في سِرِّي
“ألستَ مُتعَباً؟”
“أنا مُتعَب.”
ضَحكتُ بِخِفَّةٍ على صَراحَتِه ودَفنتُ وَجهي في كَتِفِه.
حينَها فقط بَدأتُ أشمُّ رائِحةَ رينولد الخاصه التي كانت تَمتزِجُ بالرَّوائِحِ الأخرى.
وعِندما رَفعتُ رأسي مَرَّةً أخرى، كانتِ الفِيلا تَلوحُ في الأُفُقِ مِن بَعيد.
وحتى تِلكَ الرِّياحُ المُنْعِشة، كانت قد تَوقَّفَت تَماماً بِحلولِ ذلِك الوَقت.
****
“لا يوجد أحد، أليس كذلك؟”
“أجل.”
كنا ننوي التسلل إلى الداخل بأكبر قدر من الطبيعية والهدوء؛ لأن اكتشاف أمر خروجنا من الفيلا سيعرضنا حتمًا لتوبيخ طويل.
أمسكتُ بذراع رينولد العالق في فتحة السياج، وسحبته بكل ما أوتيت من قوة.
وبمُجردِ خروجه بِسلام، نَفَضَ الغُبار عن مَلابِسِه، ثُمَّ اعتنى بِنَفْضِ غُباري أنا أيضاً.
وفَجأةً، بَدأ يَخلعُ حذاءه الذي كانَ يَرتَديه.
ما الخَطبُ؟ هَل قَررَ فَجأةً أن يُصبِح رجُل طَبيعةٍ بَعدَ أن استمتعَ بالهَواء الطَّلق لِبُرهة؟
“ماذا تَفعل؟”
سألتُه وأنا عاجِزةٌ عن إخفاءِ دَهشَتي، فَأجابَني بِهدوءٍ تامٍ وكأنَّ الأمرَ بَديهي
“لِتَرتَديهِ أنتِ.”
ثُمَّ جَثا على ركبتيه مُحاولاً إلباسي الحِذاءَ بِنفسِه.
لم يَكُن رينولذ يَوماً بِهذا اللُّطفِ أبداً.
كانَ الحِذاءُ الواسِعُ مُزعِجاً في المَشي، لكنَّني لم أرغب في خَلْعِ ما ألبَسني إيَّاهُ بِجُهْدِه؛ كُلُّ ما في الأمرِ أنَّني شَعرتُ بالارتباكِ مِن تَصرُّفِه اللَّطيفِ والمُفاجِئ.
وبينما كنت على وشك أن أسأله بهدوء عما إذا كان قد أكل شيئًا غريبًا في الخارج، سمعت حفيفًا بين الأعشاب، ورأيت سيريك يقترب منا.
حينها فقط أدركت السبب وراء لطف رينولد غير المعتاد.
لم ينهض رينولد من مكانه إلا بعد أن انتهى تمامًا من إلباسي الحذاء.
كانت تعابير وجه سيريك وهو يراقبنا غريبة جدًا.
“ملابسكما…”
“…”
“هروبكما قبل قليل.. كان من أجل الخروج سراً إذًا؟”
تمتم سيريك بذهول قبل أن يتوقف فجأة، لكنه سرعان ما غير الموضوع كعادته.
“داناي، والدتي ترغب في إلقاء التحية عليكِ.”
“حقًا؟”
نظرتُ إلى رينولد
“رينولد ، تعال معنا أنت أيضًا.”
“لا، لدي عمل عليّ القيام به.”
شعرتُ ببعض القلق من وجه رينولد الهادئ؛ فلو كان في حالته الطبيعية، لقاتل من أجل مرافقتي.
وعلى الرغم من عدم ارتياحي لتصرفه، إلا أنني تبعت سيريك.
لطالما تكرر لقائي مع الكونتيسة ديتوين بالأسلوب ذاته؛ حديثٌ يتمحور دائمًا حول ضرورة البقاء على علاقة طيبة مع سيريك.
أجبتها بابتسامة مؤكدة أنني سأفعل ذلك بكل تأكيد، ولم تتركني الكونتيسة إلا بعد أن شعرت ببعض الاطمئنان إثر إجابتي.
لقد كان حوارًا باهتًا حقًا.
بينما كنت أسير جنبًا إلى جنب مع سيريك
“ألم يضايقكِ رينولد؟”
“آه، بخصوص ذلك؛ لقد وعدني رينولد بأنه لن يضايقني بعد الآن.”
“وهل تصدقينه؟”
“سنرى لكن بما أنها المرة الأولى التي يقطع فيها رينولد وعدًا كهذا، فأنا أريد أن أصدقه.”
بدت ملامح وجه سيريك مترددة بشكل مريب بعد سماع كلامي.
هل كنتُ أتذمر أمامه كثيرًا في الفترة الماضية؟
في الواقع، لقد قدم لي سيريك الكثير من النصائح بسبب تذمري الدائم من رينولد لذا من المنطقي أن يشعر بالذهول من تغير رأيي المفاجئ.
“أنا آسفة لأنني جعلتك تقلق دون داعٍ.”
سارعتُ بالاعتذار حين رأيت تعابير وجهه الغريبة، فهز رأسه نافيًا بسرعة.
ساد صمت قصير بيننا، وبدأت أصوات الآخرين تملأ المكان.
“من أجل المجد الأبدي لعائلة تشيستاين!”
كان الناس يفتحون زجاجات الشمبانيا ويضحكون ببهجة أمام النافورة في وسط الحديقة.
لمحتني السيدة كولين ولوحت لي بيدها داعيةً إياي للمجيء، فتوجه سيريك معي بشكل طبيعي.
وعندما اقتربتُ من السيدة كولين، رأيتُ رينولد واقفًا في مكان ليس ببعيد عني، ولا أدري متى وصل إلى هناك.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"