سألني رينولد بِحذرٍ ووجهُه يفيضُ بِالخيبة
“…… هل أنتِ بِخير؟”
“أحتاجُ فقط لِلقليلِ مِن الراحة.”
مددتُ ساقيّ وأنا أنظر إليه مِن الأسفل، ثم أشرتُ بِذقني إلى المقعدِ المجاورِ لي كإشارةٍ لِيَجلس، وحينها فقط استقرَّ رينولد بِجانبي.
ظننتُ أنَّ نسماتِ الهواءِ ستكونُ أقلَّ حدةً مما كانت عليه أثناءَ ركضِنا، لكنَّ الجلوسَ بِهدوءٍ بِجانبِ البحيرةِ كان في الواقعِ أكثرَ انتعاشاً.
كما أنَّ رائحةَ الغابةِ التي تَهبُّ مع الرياح مِن بعيد كانت مثاليةً لِغسل مشاعرِ الضيقِ التي لازمتني منذُ قليل.
وبينما كنتُ أتأملُ البحيرةَ التي تلمعُ كالجواهرِ تحتَ أشعةِ الشمس بِشرود، انسابَ صوتُ رينولد نحوي ممتزجاً بِحفيفِ الأشجارِ والأعشاب
“داناي، كان هناكَ شيءٌ أودُّ سؤالكِ عنه منذُ مدة.”
“ما هو؟”
استغربتُ مِن رينولد الذي كان يراقبُ ردَّ فعلي بِخلافِ عادتِه.
حثثتُه بِخفة لِيتحدث بسرعة، لكنه لم يجد الكلماتِ بسهولة.
وبعدَ ترددٍ طويل، فتحَ فمَه بِحذر
“هل تظنين…… أننا مقربان؟”
“…… ماذا؟”
“……”
انعكست صورتي في عينيّ رينولد السوداوين، وأنا عاجزةٌ عن إخفاءِ ارتباكي.
لمحتُ في عينيه ذلك العتابَ الذي رأيتُه في الفيلا، إضافةً إلى مشاعرَ أخرى متنوعة.
“…… لا بأس اعتبري أنكِ لم تسمعي شيئاً.”
عندما لم أستطع الردَّ فوراً، تراجعَ رينولد بِسرعة وبسببِ مظهرِه الذي بدا وكأنه خائفٌ مِن ردِّ فعلي، أجبتُ قبلَ حتى أن أُفكِّر
“أليسَ هذا أمراً بديهياً؟”
“…… حسناً.”
رغمَ جوابي، إلا أنَّ رينولد تمتمَ بِنبرةٍ كئيبة يبدو أنَّ هذا لم يكن الجوابَ الذي يرجوه تُرى ما الذي يجبُ عليَّ قولُه في مثلِ هذه المواقف؟
أليسَ الأمرُ واضِحاً؟ لقد مرَّت أربعُ سنواتٍ منذُ لقائنا الأول، وكنا نقضي كلَّ يومٍ معاً تقريباً.
ومع ذلك، بدا أنَّ رينولد لم يصدق جوابي تماماً.
وبسببِ صمتِه، شعرتُ بِجفافٍ في حلقي.
ترددتُ لِفترةٍ طويلةٍ قبلَ أن أسألَه بِحذر
“…… ما رأيكَ أن ندفنَ شيئاً هنا كرمزٍ لِصداقتِنا؟”
ربما لأنَّ الكلامَ كان عاطفياً ومُحرجاً بعض الشيء، شعرتُ بوجنتيّ تزدادان احمراراً ابتسمتُ لِرينولد الذي كان ينظرُ إليَّ بِنظراتٍ متعجبة، وأكملت
“فكرتُ أنه سيكونُ مِن الرائعِ أن نعودَ إلى هنا مستقبلاً ونفتحَه معاً.”
لحسنِ الحظ، بدا أنَّ رينولد قد فَهِم مقصدي، وظهرَ عليه الاهتمام
“يبدو الأمرُ ممتعاً.”
لكنه سرعانَ ما تجمّد، وقال بِنبرةٍ حزينة
“ولكن لا يوجدُ لديّ شيءٌ يستحقُّ الدفنَ الآن.”
“أيُّ شيءٍ سندفنُه سيبدو ذا قيمةٍ حينَ نراهُ في ذلك الوقت.”
نزعتُ البروش المثبتَ على فستاني وأريتُه له بِفخر، وكان مرصعاً بِياقوتةٍ تشبهُ لونَ عينيّ تماماً.
“أنا سأدفنُ هذا، وأنتَ ادفن زراً.”
عندما نقرتُ بِخفةٍ على الزرِّ الفضيِّ المثبتِ على كُمِّ قميصِه، ترددَ رينولد قليلاً ثم انتزعَ الزرَّ الفضي.
غرقَ في التفكيرِ لِبرهة، ثم نهضَ فجأةً وتوجهَ نحو البحيرة.
أردتُ اللحاقَ به، لكنَّ قدميَّ المتعبتينِ مِن الحذاءِ لم تسعفاني، فجلستُ مكاني وناديتُه
“يا هذا، إلى أين تذهب؟”
“انتظري هناكَ لِثانيةٍ واحدة!”
راقبتُ رينولد وهو يتلفتُ حولَ البحيرةِ كأنه يبحثُ عن شيءٍ ما، ثم أسندتُ ظهري إلى الشجرةِ مجدداً.
وبعدَ قليل، عادَ رينولد وهو يحملُ زجاجةً مكسورةً قليلاً لكنها بدت متماسكة.
كانت الزجاجةُ مبللةً لأنه وجدَها عندَ البحيرة، لكنَّ الجيدَ في الأمرِ أنَّ الماءَ لم يتسرب إلى داخلِها.
“لنضع الأشياءَ هنا.”
قال رينولد بِفخرٍ وهو يضعُ زرَّه داخلَ الزجاجة، فأصدرَ الزرُّ الفضيُّ رنيناً خفيفاً عندَ ارتطامِه بالقعر.
حاولتُ وضعَ بروشي أيضاً، لكنَّ حجمَه كان كبيراً بعضَ الشيء؛ فقد علِقَ عندَ الفوهةِ ولم يدخل.
…… هل يجبُ عليَّ قصُّ خصلةٍ مِن شَعري ووضعُها؟
“ماذا نفعل؟”
لكن لا يوجدُ معي سكينٌ لِقصِّ شَعري.
وحينَ بدأتُ أحاولُ تمزيقَ طرفِ فستاني لِوضعِ قطعةٍ منه، منعني رينولد
“إذن، لنضع رسالة.”
“رسالة؟”
أومأ رينولد بِرأسه، ثم همس بِكلماتٍ ما فجأة وفجأة، ظهرت ورقةٌ وقلمٌ مِن العدم!
لم أفهم الكلماتِ تماماً، لكنها كانت إحدى التعاويذِ السحريةِ العمليةِ التي تعلمَها مِن رين سابقاً.
وبينما كنتُ أحدقُ فيه بذهول، أسرعَ رينولد بالإيضاح
“لقد قالَ لنا المعلمُ أن نعتادَ على تدوينِ الملاحظات، أليسَ كذلك؟”
“أجل، أحسنتَ صنعاً.”
رسالةٌ إذن…… ليست فكرةً سيئة، لكنَّ تبادلَ الرسائلِ بيننا يبدو محرجاً للغاية.
حسناً، بالنظرِ للأمر، فإنَّ فكرةَ دفنِ رمزٍ للصداقةِ كانت أكثرَ إحراجاً بالفعل.
لكنَّ رينولد ذهبَ إلى أبعدَ مِن ذلك
“ما رأيكِ أن نضعَ في الزجاجةِ رسالةً، و…… وثيقةَ عهدٍ أيضاً؟”
“وثيقةُ عهد؟”
“أعني……”
حركَ رينولد عينيهِ بِارتباكٍ ثم أكمل
“شيئاً يشبهُ ميثاقَ الصداقة.”
احمرَّ وجهُ رينولد خجلاً، ورؤيتُه بتلكَ الحالةِ ذكرتني بِنفسي قبلَ قليلٍ فضحكت.
“حسناً، موافقة.”
عندما أومأتُ بِرأسي، بدت ملامحُ السرورِ على رينولد، وأخذَ القلمَ العائمَ في الهواء وهو يبتسم.
ثم توجهَ نحو صخرةٍ كانت أكثرَ استواءً مِن الأرضِ لِيكتبَ عليها.
اقتربتُ منه وجلستُ على الصخرةِ
“وكيف نكتبُ هذا الميثاقَ الذي تتحدثُ عنه؟”
فكرَ رينولد لِبرهة
“ما رأيكِ أن نكتبَ بعضَ البنود؟”
“لنفعَل.”
“إذن، ليقل كلٌّ منا بنداً يودُّ إضافتَه.”
عندما وافقتُ، قال لي رينولد بِنبرةٍ حازمة
“إذا حدثَ أيُّ شيء، يجبُ أن يخبرَ كلٌّ منا الآخرَ بِصراحة هذا أفضلُ مِن كتمانِ الهمومِ وحدَنا.”
“فهمت.”
قررتُ في نفسي أن أخبرَه بِكلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ حتى أزعجَه.
“وأنتِ، أليسَ لديكِ بندٌ تودين إضافتَه؟”
“ممم……”
بصراحة، كان هناكَ شيءٌ واحدٌ فقط أرجوه مِن رينولد
“ألا يقتلَ أحدُنا الآخرَ مهما حدث.”
توقفَ رينولد عن تحريكِ قلمِه فجأة، وعقدَ حاجبيهِ بِشده
“ما هذا الهـ……”
بالنسبةِ لي، كان هذا بمثابةِ وثيقةِ تأمينٍ على حياتي.
رغم أنها مجرد دعابة أطفال، إلا أن المرء لا يدري أبداً ما قد تخبئه له الأيام.
نقرتُ بأصابعي على الورقة وتحدثتُ متظاهرةً باللامبالاة
“أعني…… ألم نقرأ في كتب التاريخ عن حالات كثيرة كهذه؟ أشخاص كانوا أعز الأصدقاء، ثم قتل بعضهم بعضاً بسبب الجشع في السلطة.”
لقد كانت قصة شائعة، استُخدمت كثيراً كمادة للمسرحيات، وحدثت بالفعل مراراً في التاريخ الحقيقي.
علاوة على ذلك، كنتُ أنا ورينولد نملك خلفيات عائلية تشبه إلى حد كبير تلك القصص المأساوية؛ فكلينا ينحدر من سلالة الدوقيتين الوحيدتين في الإمبراطورية.
“…… هذا صحيح.”
يبدو أن كلامي كان منطقياً في نظره، فبدأ رينولد يكتب البند الثاني الذي اقترحتُه.
وما إن وضع النقطة في نهاية الجملة، حتى رفع نظره ليرمقني بنظرة طويلة وأنا جالسة على الصخرة.
“لكنني…… مهما بلغت شدة كرهي لكِ، لن أقتلكِ أبداً فنحن صديقان.”
كانت صورتي لا تزال تنعكس في عينيه.
شعرتُ أننا تبادلنا النظرات اليوم أكثر من أي وقت مضى.
كانت عينا رينولد تشبهان سماء الليل؛ والحق يقال، لقد شعرتُ بهذا منذ أول يوم رأيته فيه.
فهما مظلمتان لدرجة قد تبعث الخوف والرهبة أكثر من أي شيء آخر، لكن في وسط تلك الظلمة تشرق النجوم والقمر.
كما أن الكثير من الأشياء التي تبهج البشر تحدث في الليل؛ كالألعاب النارية التي تتفتح بجمال في السماء، والفوانيس الورقية التي تحمل ذكريات الناس وأمنياتهم.
يبدو أنني أطلتُ النظر في عينيه دون وعي، إذ أشاح رينولد بنظره عني
“فقط…… هذا هو عهدي.”
…… هل حقاً لن تقتلني؟ كنتُ أرغب في سماع تأكيد قاطع منه، لكنني جاهدتُ لابتلاع كلماتي.
عاد رينولد ليوجه نظره نحوي بعد صمتي الطويل.
“…… أعِدُكِ.”
ثم مدَّ لي خنصره.
لا أعلم لماذا، لكن إصبعه الممدود نحوي بدا رقيقاً وهشاً للغاية.
“…… وأنا أيضاً أعِدُك.”
قلتُ ذلك وأنا أشبك خنصري بخنصره، فارتسمت على وجه رينولد ابتسامة خفيفة.
كانت يده دافئة، على عكس يدي التي كانت باردة تماماً بسبب اتكائها على الصخرة.
“هل هناك شيء آخر تودين إضافته؟”
“آه، ألا تضايقني.”
يبدو أنه شعر بوخز الضمير، فأضاف بهدوء
“…… سأضيف هذا أيضاً هل من شيء آخر؟”
“لا شيء محدد.”
أمال رينولد رأسه كأنه لم يجد ما يضيفه هو الآخر، ثم كتب اسمه في الزاوية اليمنى من الورقة ومدَّ لي القلم.
رمقتُه بنظرة سريعة ثم أخذتُ القلم وكتبتُ اسمي.
لقد كان ميثاق الصداقة الأول في حياتي أمراً يسيراً.
طوى رينولد الورقة ووضعها داخل الزجاجة، فلم يكن بداخلها سوى زره الفضي وميثاق الصداقة.
وبينما كنتُ أفكر بأن الزجاجة تبدو فارغة نوعاً ما، صرخ رينولد وكأنه تذكر شيئاً
“صحيح، الرسالة!”
حينها تذكرنا أننا اتفقنا على وضع رسائل أيضاً، فبدأنا نكتب على أوراق أخرى رسائل لأنفسنا في المستقبل.
…… ليتني أنجو وأبقى على قيد الحياة لأفتح هذه الرسالة مع رينولد يوماً ما.
على أي حال، ومن أجل الحفاظ على التأثر في المستقبل، كان من الطبيعي ألا يرى أحدنا ما يكتبه الآخر الآن.
لذا، لم أكن مهتمة بمعرفة ما يكتبه لي، لكن رينولد بدا وكأنه لا يثق بي، إذ استمات في إخفاء محتوى رسالته وهو يكتب.
أثار منظره دهشتي، فخرجت مني ضحكة خافتة دون قصد.
“…… لقد انتهيت.”
بينما كنتُ أكتب خَاتمة الرّسالة، رفع رينولد رأسَه.
بَدت ملامح رينولد بعد كِتابة الرّسالة مُرتاحة بشكلٍ ما، وبالطبع كنتُ أشعر بالرّاحة ذاتِها.
حسناً، لا يزالُ لا يوجد ضمان بأنّ مستقبلي سيتغير، لكنَّ رينولد يعتبرُني صديقةً له، وكأثر على ذلكَ كتبنا هذا الميثاق.
كانَ هذا وحدَه كافياً ليطمئنَّ قلبي.
فإذا تمكنت من رؤية رسالة رينولد بعدَ حفل التّخرج من الأكاديميّة، فهذا يعني أنني نَجوتُ بسلامٍ في هذا العالم.
وحتى لو مِتّ، فإنّ رينولد قد يزورُ هذا المكانَ إذا ظلَّ يتذكرُني؛ لذلكَ كتبتُ ما أردت قولَه لرينولد في ذلكَ الوقت.
“كيف نُغلق فوهة الزجاجة؟”
سألَ رينولد وهو يَهزُّ الزّجاجةَ بخِفّة.
“ألا يُمكننا حشرُ مُقدّمةِ الحِذاءِ فيها بطريقةٍ ما؟”
كانَ بإمكاني البحثُ عن غصنِ شجرةٍ يُناسبُ حجمَ الفُوهة، أو تمزيقُ طرفِ فستاني لإغلاقِها، لكنني قُلتُ ذلكَ لأنني لم أعد أُطيقُ رؤيةَ الحِذاءِ أمامَ عينيّ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"