عندما فكرتُ في الأمر بهدوء، بدا لي أنني لم أخبره حقاً عن المسائل المتعلقة بـريان قلبتُ عينيّ قليلاً ثم فتحتُ فمي بحذر
“فقط…… لأن ريان يضايقني مثلك تماماً.”
بما أن شرح كل شيء سيجعل الحديث طويلاً جداً، فقد أجبتُ باختصار، مما جعل ملامح رينولد تتقطب في لحظة.
ظننتُ أن لديه ما يود قوله، لكن لم يصدر عنه أي كلام.
سألني رينولد بعد أن غرق في التفكير لبرهة
“منذ متى و ريان في منزلكم؟”
“…… منذ مدة ليست بالقصيرة.”
“ولماذا لم تقولي لي ذلك طوال هذا الوقت؟”
لمحتُ في عيني رينولد اللتين تنظران إليّ أثراً من العتاب.
كانت عيناه السوداوان الموجهتان نحوي مباشرةً تحملان مشاعر واضحة فتحتُ فمي بهدوء
“ظننتُ أنني أخبرتك بالفعل.”
“……”
عندما واجهتُ وجه رينولد العابس، شعرتُ بالخوف فجأة، فأسرعتُ بإضافة الكلمات
“…… ثم إنه حتى لو أخبرتك، فلن يحل ذلك شيئاً، أليس كذلك؟”
تنهد رينولد تنهيدة خفيفة بعد سماع كلماتي، ثم أشار بذقنه نحو شيء ما بعيد.
تتبعتُ نظره، فرأيتُ زوجة اليوزباشي وسيريك يسيران جنباً إلى جنب، ولا أعلم متى غادرا مأدبة الطعام.
ربما غادرا مبكراً لأن لوت كانت تشعرهما بعدم الارتياح.
“هل أخبرتِ ذلك الفتى؟”
“…… لا أدري، لا أتذكر.”
يبدو أن كذبي كان واضحاً، فقد تنهد رينولد مرة أخرى، ثم نظر إليّ بعينين ازدادت حدتهما.
“هل تظنين حقاً أن سيريك يعتبركِ صديقة؟”
“أجل.”
بصرف النظر عما يظنه سيريك بي، فأنا أشعر بالراحة معه.
كانت هذه حقيقة واضحة، وهذا يكفيني، فقد كنتُ بحاجة إلى ركيزة أستند إليها لأعيش في هذا العالم.
“هل تظنين أنه لا ينظر إلى خلفيتكِ العائلية أبداً، وأنه يعتبركِ مجرد صديقة حقاً؟”
“ربما لا يتجاهلها تماماً.”
كنتُ أعلم أن سبب قدوم سيريك إلى منزلنا هو أن والدي هو رئيس عائلة ليردونيا.
لولا تقديم والدي لنا، لما كانت هناك فرصة لنصبح مقربين هكذا.
وعلاوة على ذلك، لو كنتُ ابنة بارون لا قيمة لها، لربما لم يفكر سيريك في التقرب مني.
لكن سيريك سيعتبرني صديقة الآن، على الأقل هذا ما أظنه.
نظر رينولد إلى وجهي الحازم بهدوء، ثم ألقى بكلماته وهو يعقد حاجبيه بشدة
“…… أراهنُ أنكِ ستتزوجين سيريك برضاكِ لو طلب منكِ ذلك، أليس كذلك؟”
“على الأرجح.”
عند جوابي غير المبالي، صرخ رينولد وكأنه أصيب بنوبة
“ماذا؟!”
فزعتُ من صوته ونظرتُ إليه.
كانت عيناه متسعتين وكأنهما ستسقطان من مكانهما.
“هل أنتِ في وعيكِ؟”
أدرك رينولد أن صوته قد ارتدى نبرة عالية، فسارع بخفضه
“من الواضح أن عائلة ديتوين تستغلكِ هل ستتركينهم يفعلون ذلك؟ هل ستتحملين كل شيء وتتزوجينه؟ هل جننتِ؟ ألم تسمعي القصص عن عائلة اليوزباشي؟ سيستنزفونكِ تماماً!”
بدأ يتحدث بنبرة هادئة نسبيًا، ولكن بحلول نهاية كلامه، كان صوته قد أصبح عالياً جداً.
أمام انفعال رينولد المبالغ فيه، فقدتُ القدرة على الكلام وحركتُ شفتي ببلاهة.
مهلاً…… حتى لو تم استنزافي، فأنا من سيُستنزف، فلماذا يثير هو كل هذه الجلبة؟ بل إنه هو من فتح هذا الموضوع أولاً.
عارضتُ كلامه بهدوء
“يا هذا، سيريك يُعد عريساً مثالياً بكل المقاييس؛ فهو وسيم، وذكي، ويعاملني بلطف، بل إنه لا يُظهر جانبه الرقيق إلا معي. هل يحتاج المرء لأكثر من ذلك في زوج المستقبل؟”
“واو، سأجن حقاً.”
عبث رينولد بشعره بخشونة وكأنه يشعر بالاختناق.
أردتُ أن أرد عليه بأنه مجنون بالفعل، لكنني آثرتُ الصمت، فمن المؤكد أن حدوث شجار مع رينولد هنا سيسبب ضجة كبيرة.
عبس رينولد وهو ينظر إلى سيريك الذي كان يبتسم طوال الحفلة
“ما السبب الذي يجعلكِ تبقينه بجانبكِ وأنتِ تعلمين أنه يستغلكِ؟ هل تعتقدين حقاً أنه رفيقكِ الغالي؟”
“……”
“استفيقي ربما أنتِ الوحيدة التي تفكر هكذا.”
لو قلتُ إنني لم أنجرح من تلك الكلمات لكنتُ كاذبة.
لكن بالنظر للأمر، لم أكن أنا أيضاً بريئة تماماً.
فإذا كان سيريك بجانبي من أجل خلفيتي العائلية، فأنا أبقيه بجانبي لأتكيف مع هذا العالم.
شعرتُ أن رينولد كان قاسياً بذكر حقيقة كنتُ أعرفها بالفعل.
أجبتُ بملامح ممتعضة
“أنت دائماً عندما تتحدث……”
“لأنكِ لن تفهمي أبداً ما لم أتحدث بهذا الوضوح.”
أضاف رينولد بهدوء
“أحياناً أفكر، هل ألقى سيريك عليكِ سحراً أسود أم ماذا.”
“…… فقط قل إنني لستُ في وعيي.”
“أنتِ لستِ في وعيكِ.”
نظر رينولد إليّ بوضوح وهو يقضم التفاحة التي بيده.
شعرتُ بقلق شديد من أنني قد أضربه على قفاه حقاً، لذا أخرجتُ تفاحة من السلة ومسحتُها بطرف فستاني، ثم قضمتها مقتدية به لأصرف انتباهي عن الغضب.
بدأ رينولد بالحديث مجدداً، وكأن قولي بأنني سأتزوج سيريك كان يبدو له كدعابة
“إن لم تكن لديكِ نية جادة للزواج من أحد أفراد عائلة ديتوين، فمن الأفضل أن تقطعي صلتكِ بهم منذ هذه اللحظة، فتلك العائلة ليست طبيعية على الإطلاق.”
سمعتُ صوت قرمشة التفاح من جهة رينولد.
“لا يهمني حقاً أي نوع من الأشخاص يكون سيريك.”
وفي تلك اللحظة، رأيتُ وجه سيريك وهو يلمحني من بعيد، فأشرق وجهه في لحظة، وكذلك وجه زوجة اليوزباشي الواقفة بجانبه.
بما أن الأجواء كانت متوترة مؤخراً، فرؤيته يبتسم لي هكذا جعلتني أتساءل إن كان عتابه لي قد تلاشى قليلاً.
وأياً كان الأمر، فالأمور الجيدة تبقى جيدة.
لوحتُ بيدي لسيريك الذي كان يلوح لي، وعندما سمعتُ نداء زوجة اليوزباشي الذي بدا وكأنها تناديني رغم عدم وضوح الصوت، نهضتُ من مكاني لأتوجه نحوهما.
لكن في تلك اللحظة، أمسك رينولد الذي كان يراقبني بهدوء بيدي بقوة وسحبني نحوه، مما جعلني أسقط على الأرض.
وبعيداً عن الألم…… كانت هذه المرة الأولى التي يمسك فيها رينولد بيدي منذ طفولتنا، لذا ارتبكتُ بشدة.
وبينما كنتُ أنظر إلى يدي الممسوكة وإلى وجه رينولد بالتناوب متسائلة عما يفعله، نهض رينولد فجأة دون أن يترك يدي وبدأ يركض، فركضتُ معه مكرهة
“يا هذا! رينولد!”
لقد كان تصرفه خارجاً عن أي منطق تماماً.
رفعتُ صوتي وناديتُ رينولد باسمه وأنا أنظر إلى ظهره، لكنه لم يعر كلماتي أي اهتمام وواصل الركض بصمت.
وهكذا، غادرنا الحديقة في لمح البصر.
وعندما بدأت رائحة الزهور التي كانت تداعب أنوفنا بالتلاشي، توقف رينولد عن الركض أخيراً.
كنتُ ألهثُ بشدة وأنا أنظر إليه، وهو أيضاً بادلني النظرات.
ومن خلال أنفاسه المتلاحقة، بدا أن الأمر لم يكن سهلاً عليه أيضاً، رغم ما يمتلكه من قوة بدنية وحشية.
…… هل لديه ما يود قوله؟ شعرتُ بأن الأجواء بدأت تزداد توتراً بشكل غريب. وبينما كنتُ أراقبه، وضع رينولد يده فجأة فوق رأسي وضغط عليه ليجبرني على خفض مستوى نظري.
عند نهاية بصري، رأيتُ فتحة كلاب صغيرة في الأسفل، كانت مساحتها مثالية لنتسلل من خلالها.
حينها فقط، أدركتُ لماذا كان رينولد يركض مثل كلب مسعور.
سألتُه بصوت جاهدتُ لجعله يبدو هادئاً
“…… هل أنت جاد؟”
“ادخلي دون كثرة كلام.”
إلى أي مدى ينوي هذا الفتى التمادي في افتعال المشاكل؟ ولا أعلم حقاً متى اكتشف وجود هذه الفتحة أصلاً!
لكنني لم أجد في نفسي طاقة لمعارضته، فأنا أيضاً لم أعد أرغب في البقاء هنا لثانية واحدة.
فالبقاء يعني الاستمرار في سماع أحاديث السيدات المملة، والاضطرار للابتسام وتصنع الضحك حتى يصاب فمي بالتشنج.
…… بطريقة أو بأخرى، بدا أنني ورينولد نشكل ثنائياً متناغماً في المشاكل.
وكما طلب رينولد، حشرتُ نفسي وخرجتُ عبر تلك الفتحة بصعوبة، وسرعان ما تبعني هو إلى الخارج.
كان اللقاء يقام في الفيلا الخاصة لعائلة تشيستا، وبما أنها تقع في ضواحي العاصمة، كانت الفيلا محاطة ببحيرة هادئة وغابة واسعة.
“أتمنى ألا يكون هناك أحد في الغابة؟”
سألتُ رينولد وأنا أتفقد فستاني الذي اتسخ بسبب التسلل عبر الفتحة.
“لا أدري.”
“…… من المؤكد أنه لا يوجد أحد.”
“يجب أن يكون الأمر كذلك، فالتجول في الغابة ومصادفة قطاع طرق سيكون كارثة.”
“أين يوجد قطاع طرق في أيامنا هذه؟”
“قد يوجدون علاوة على ذلك، فإن فديتنا ستكون باهظة الثمن.”
قال رينولد ذلك ووجهه يفيض بالحماس؛ لا أعلم لماذا، لكن بدا وكأنه يتمنى حقاً مقابلة قطاع طرق.
نفضتُ الغبار عن فستاني بقوة، ثم بدأتُ بالسير مع رينولد على طول ضفة البحيرة، تاركةً مسافة كافية بيننا، بعد أن كنا نركض ونحن ممسكان بأيدي بعضنا قبل قليل.
كنتُ أود مضايقته لأنه هو من أمسك بيدي أولاً، لكنني شعرتُ بخفقان غريب في صدري جعلني ألتزم الصمت.
ربما كان السبب هو الركض منذ قليل، لكن الرياح التي كانت تهب من خلف البحيرة بدت أكثر برودة وانتعاشاً.
استمتعتُ بتلك النسمات المنعشة بكل جوارحي.
بدا رينولد الذي يسير بجانبي في حالة مزاجية جيدة هو الآخر.
فربطة العنق التي كانت منمقة في مأدبة الطعام قد أصبحت مرتخية، وسترته اختفت منذ زمن بعيد.
في الواقع، لم أكن أحسن حالاً منه؛ ففستاني المتصلب قد تجعد بالفعل نظر إليّ رينولد وضحك بصوت خفيض، وعندما سمعتُ ضحكته، لم أتمالك نفسي وابتسمتُ أيضاً.
“مهلاً، ألم يكن لديك ما تود قوله لي؟”
تجنبتُ سؤاله عن سبب إمساكه بيدي والركض بي لكي لا أحرجه.
“لا شيء.”
“……”
كنتُ متأكدة أن لديه ما يقوله.
ضيقتُ عينيّ ونظرتُ إليه بتمعن، فبدأ رينولد يحك خده بارتباك من نظراتي.
قررتُ في النهاية الانتظار حتى يصبح رينولد مستعداً للحديث، وغيرتُ الموضوع
“لنسترح قليلاً هناك قبل أن نعود.”
أشرتُ إلى شجرة ضخمة تقف بجانب البحيرة.
“يا لكِ من طفلة، أين هي قوتكِ البدنية……”
بدأ رينولد يتذمر، لكنني مددتُ قدمي نحوه فجأة، فصمت ولم يكمل جملته.
كان لديه سبب للصمت، فالحذاء الذي كنتُ أرتديه هو حذاء رسمي بـكعب.
ورغم أنه لم يكن عالياً جداً، إلا أنه كان بمثابة أداة تعذيب مقارنة بالأحذية المريحة التي أفضلها.
يبدو أنه يمتلك ذرة من الضمير، فمد يده صامتاً وأمسك بذراعي ليساعدني على المشي.
وهكذا، وبمساعدة رينولد، قدتُ قدمي المتألمة وجلستُ على الأرض تحت الشجرة، وشعرتُ حينها ببعض الراحة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"