لغة المقدسة التي تحدث عنها رين كانت هي لغة الحاكم القديمة.
يقال إنه على الرغم من وجود حاكم واحد فقط يُعبد في هذا العالم حالياً، إلا أنه كان هناك العديد من الحُكام في الماضي.
وكانت تلك اللغة هي وسيلة تواصلهم، لذا بدأ البشر بدراستها رغبةً منهم في التحدث معهم وهكذا، تم تنظيم كلمات المقدسة في نظام كتابي أُطلق عليه اسم لغة المقدسة.
توقفتُ قليلاً عند اقتراح رين الذي لم يخطر ببالي أبداً.
إذا تعلمتُ لغة المقدسة ألن أتمكن من التواصل مع هارتشن بسلاسة؟ ولكن كان هناك أمر يقلقني.
“أوه…… ولكن، هل يمكنني حقاً تعلم لغة المقدسة؟”
فلم تكن لغة المقدسة شيئاً يمكن تعلمه بمجرد الرغبة في ذلك.
كان عدد الأشخاص القادرين على التحدث بها ضئيلاً جداً، وكنتُ أعلم أن كبار الكهنة فقط هم من يتقنونها.
ما إن انتهيت من كلامي حتى مسح رين تحت أنفه بإصبعه بزهو وفخر قائلاً
“هل ذكرتُ لكِ من قبل؟ زوجتي كاهنة وبفضل تعلمي لغة المقدسة منها، أصبحتُ أتقنها جيداً.”
“……”
“ما رأيكِ يا آنستي؟ هل تودين تجربتها؟”
إذا كان الأمر كذلك، فلا يوجد سبب للرفض على الإطلاق أومأتُ برأسي بسرعة رداً على كلام رين.
ابتسم رين بدفء، وكأنه فخور بشغفي المفاجئ بالدراسة
“حسناً إذن سأتحدث مع سيادة الدوق بشأن هذا الأمر بشكل منفصل.”
“وأنا أيضاً أريد تعلمها.”
في تلك اللحظة، تحدث رينولد بنبرة مستعجلة اتسعت عينا رين دهشةً
“هل ستستطيع تعلم لغة المقدسة أيضاً؟ أظن أن ما تدرسه الآن يثقل كاهلك بالفعل.”
ارتبك رينولد عند سماع كلمات رين، لكنه سرعان ما رد بصوت خفيض
“ولكن داناي ستتعلمها.”
“الآنسه لا تدرس أي مواد أخرى.”
“صحيح، حتى أنا أرى أن الأمر يبدو شاقاً جداً عليك الآن.”
بمجرد أن أنهيتُ كلامي، نظر إليّ رينولد نظرة جانبية.
كنتُ أحاول التفكير في مصلحته، لكنني حقاً لم أفهم لماذا ينظر إليّ بتلك العيون الحادة.
ورغم معارضتي ومعارضة رين، استمر رينولد في عناده وفي النهاية، استسلم رين الذي لم يستطع التغلب على إصرار فتى في سن المراهقة.
“…… حسناً، فهمت ولكن بشرط، إذا شعرتَ بالارهاق في منتصف الطريق، سنتوقف فوراً.”
حينها فقط، أومأ رينولد برأسه بارتياح.
***
رغم أنني عارضتُ تعلم رينولد للغة المقدسة إلا أنني في الحقيقة كنتُ أكثر من يعلم أنه سيبرع فيها.
فقد كان رينولد ذكياً جداً.
ذلك الفتى يدرس مواداً تفوقني عدداً بمراحل، بل ويتدرب على فنون المبارزة أيضاً ومع ذلك، لا يبدو عليه التعب أبداً؛ فهو لا يكف عن مضايقتي طبعاً، بل ويصر على اللعب معي بانتظام.
لا أعلم حقاً إلى أي مدى ستتطور تلك القوة البدنية الوحشية التي يمتلكها في المستقبل.
ربما لأن سنّه لا يزال صغيراً؟
تلاقت نظراتي مع رينولد الذي كان يرتسم على وجهه تعبيراً مشوهاً بشكل طفيف.
آه، للمعلومية، أنا ورينولد الآن في وسط تجمع لسيدات المجتمع الراقي، وهو اجتماع يحضره أيضاً أبناء أولئك السيدات.
رغم أن رينارد كان يرتدي ربطة عنق صغيرة ولطيفة جعلته يبدو طفلاً وادعاً في نظر السيدات، إلا أن ملامحه كانت تشي بضيق شديد وحالة مزاجية عكرة للغاية
وبما أنه يجلس في مواجهتي تماماً، فقد استغل انشغال السيدات ليخرج لسانه نحوي بحركة طفولية مستفزة.
شعرتُ برغبة عارمة في ركله على ساقه، لكن الطاولة كانت عريضة جداً ولم أستطع الوصول إليه.
“تبدو داناي تزداد جمالاً يوماً بعد يوم إنني أتطلع بشوق لرؤيتها في حفل بلوغها سن الرشد.”
ابتسمتُ برقة للسيدة مارغريت التي كانت تكيل لي المديح.
“شكراً لكِ.”
بدت لوت فخورة بي، فربتت على رأسي بهدوء.
وعندما ابتسمتُ للوت بكل مودة، بدأت ملامح رينولد الذي يراقبني تزداد سوءاً وكأنه يرى شيئاً مقززاً.
“إنها حقاً طفلة مطيعة.”
يبدو أن جهودي في الاستماع لكلام لوت طوال الفترة الماضية قد أتت ثمارها، فأن تقول عني لوت ذلك هو أمر مؤثر حقاً.
لكن مديحها كان يشعرني بشيء من الاختناق بطريقة غريبة.
لا أعني أن ثناءها سيء، لكن الحقيقة هي أن صدري كان يضيق.
علاوة على ذلك، كانت السيدة كولين تجلس بجانب رينولد.
ومجرد رفع نظري قليلاً كان يجعل عيني تلتقي بعينيها، وهذا سبب آخر لضيق تنفسي.
حسناً، حتى بعيداً عن هذه الأسباب، كان فستان الخروج المتصلب يضغط على أنفاسي ويخنقني بالفعل.
لو كنا جميعاً نرتدي ملابس النوم في حفل بيجاما، لكانت الأجواء أكثر راحة بلا شك.
غرقتُ في هذه الأفكار العبثية قبل أن أعود للتركيز على حديث السيدات.
“من الجميل جداً رؤية التقارب بين الآنسة والشاب.”
بما أن السيدة كولين ولوت كانتا الأكثر نفوذاً في هذا التجمع، فقد كان الحديث يدور حولهما بشكل أساسي.
لكن المديح يكون ممتعاً في المرة الأولى أو الثانية فقط، أما الاستمرار في سماعه فقد بدأ يسبب لي صداعاً.
يبدو أن رينولد يشاركني الشعور ذاته، إذ لم يطرأ أي تغيير على تعابير وجهه.
وفي تلك اللحظة التي تحول فيها حديث السيدات إلى فساتين الموضة المنتشرة هذه الأيام، تلاقت عيناي مع رينولد ، فابتسم ابتسامة صغيرة وحرك شفتيه قائلاً دون صوت
“حمقاء.”
هذا الوغد……
استغلتُ فرصة انشغال السيدات، وأشرتُ له بحركة شفتي أن اخرس.
فرد رينارد بابتسامة لئيمة وحرك شفتيه قائلاً لا أريد
ولم يكتفِ بذلك، بل حرك شفتيه مجدداً
“بلهاء.”
ولم أستسلم أنا أيضاً، فرددتُ عليه
“جرو قذر.”
عاهدتُ نفسي بقوة أنني فور انتهاء مأدبة الطعام هذه، سأعطيه ضربة قوية على جبهته بكل ما أوتيتُ من قوة.
ولكن، يبدو أن إحدى السيدات كانت تراقبنا باهتمام منذ مدة، فقالت بصوت حنون
“إنه لمن الرائع حقاً رؤية داناي ورينولد وهما يتمازحان هكذا.”
“قد ينتهي الأمر بحدث سعيد يربط بين العائلتين.”
“هوهو، سيكون ذلك شرفاً كبيراً لي.”
هكذا أجابت السيدة كولين.
بصراحة، كانت تلك الكلمات من النوع الذي يجب أن يدخل من أذن ويخرج من الأخرى دون اكتراث.
فمن الطبيعي أن يتحدث الكبار عن الأطفال عندما يجتمعون، وبالتأكيد لم تكن كل كلماتهم نابعة من القلب.
لذا، لم أعر الأمر اهتماماً كبيراً.
لكن يبدو أن ذلك الفتى لم يكن يشاطرني الرأي.
فبمجرد سماعه لتلك الكلمات، تجمّدت زوايا فمه التي كانت ترتسم عليها ابتسامة ساخرة قبل قليل بينما كان يمازحني. ولأنني كنتُ جالسة في مواجهته تماماً، فقد اصطدمتُ مباشرةً بملامح وجهه المتصلبة، مما جعلني أشعر بضيق شديد
حقاً، هل يزعجه الارتباط بي إلى هذه الدرجة؟ وهل يظن أنني سعيدة بذلك؟ في الواقع، أنا من يجب أن تشعر بالاستياء لارتباط اسمي بشخص ذو شخصية سيئة مثله!
“هل ستتزوجان عندما تكبران؟”
وعندما سألت إحدى السيدات ذلك السؤال وهي تظن أننا ظريفان، لم يستطع رينولد الاحتمال، فضرب بشوكته على الطاولة بقوة ثم نهض وغادر المكان.
حدث كل شيء في لمح البصر، قبل أن يتمكن أي شخص من منعه.
كان صوت الضربة قوياً لدرجة أنني فزعتُ وسقطت حبة طماطم كرزية من السلطة التي كنتُ أمسكها بالشوكة على تنورتي.
لم تضع لوت تلك اللحظة، فرمقتني بنظرة حادة، فأسرعتُ بنفض حبة الطماطم بيدي وأنا أبتسم لها ببلاهة.
ولكن، ما خطبه فجأة؟
في العادة، كان سيجيب بابتسامة هادئة قائلاً لا، هذا لن يحدث أبداً
لكنني ظننتُ أنه ربما فعل ذلك عمداً كحجة لمغادرة هذا التجمع المزعج؛ فبما أننا لا نزال صغاراً، فإن التصرف كطفل متهور يعد عذراً ممتازاً للهروب من مثل هذه الجلسات.
لم تستطع السيدة التي طرحت السؤال إخفاء ارتباكها.
وبما أن الأمور سارت على هذا النحو، كانت السيدة كولين وأنا الأكثر حرجاً في هذا الموقف، لأن تصرف رينولد كان خارجاً عن توقعاتي تماماً.
“أعتذر منكِ أيتها السيدة يبدو أن رينولد ليس بخير اليوم…… على أي حال، ما رأيكن أن يكون اجتماعنا القادم في منزل كولين؟”
“سيكون ذلك شرفاً لي.”
تداركت السيدة كولين الموقف وغيرت الموضوع بمهارة كعادتها.
عندها، أيدت لوت التي كانت تجلس بجانبي كلامها، واستمر الجميع في تناول الطعام.
وهكذا، استعادت الأجواء هدوءها تدريجياً.
واصلتُ تناول الطعام، لكنني لم أكن أستمتع به حقاً.
لقد كنتُ أتنفس بارتياح بفضل ممازحة رينولد، وبما أنه اختفى، شعرتُ بالملل.
‘على أي حال، هو يختفي دائماً عندما أحتاج إليه……’
في النهاية، لم أكمل وجبتي بشكل جيد، واستأذنتُ لوت للذهاب واللعب ثم نهضت.
وحملتُ معي سلة تحتوي على بعض الطعام من أجل ذلك الفتى البغيض الذي لم يتناول طعامه بسبب تصرفه الأخرق.
كانت أطعمة طلبتُها خصيصاً من أجله.
رغم كل شيء، لم يكن هناك من يهتم به سواي.
أجل، اللطف هو ذنبي الوحيد.
كان المكان الذي سيتوجه إليه رينولد معروفاً؛ تحت شجرة معزولة حيث لا يوجد أحد.
من المؤكد أنه سيكون هناك.
عندما وصلنا إلى عائلة تشيستا اليوم، لم يظهر رينولد ذلك بوضوح، لكن يبدو أن الحديقة هنا قد نالت إعجابه حقاً.
توجهتُ نحو زاوية الحديقة، وكما توقعتُ تماماً، كان رينولد يستند بظهره إلى جذع شجرة وقد أغمض عينيه.
رؤيته بتلك الحالة جعلتني أشعر بضيق منه بطريقة غريبة.
“هل تكره فكرة الزواج مني إلى هذه الدرجة؟”
سألتُه بفظاظة دون أن أشعر، ففتح رينولد الذي كان مغمض العينين جفنيه ببطء.
تنهدت وجلستُ بجانبه، ثم مددتُ له السلة التي كنتُ أحملها.
اعتدل رينولد في جلسته وهو يتناول السلة بتلقائية.
“كلها أو لا تأكلها، لا يهم.”
لم يقل رينولد شيئاً رداً على كلماتي.
بدلاً من ذلك، أخرج تفاحة من السلة ومسحها بملابسه ثم قضم منها قضمة كبيرة.
“ومن قد يرغب في الزواج منكِ أصلاً؟”
أضاف تلك الجملة وكأنه يزيد الطين بلة.
التفتُّ نحوه بذهول مما سمعت، لكنه اكتفى بهز كتفيه بخفة.
“هذا هو رأيي.”
“…… وهل تظن أنني أرغب في ذلك؟”
“قلبكِ على قلبي إذن.”
بالطبع، لم يكن يهمني حقاً إن كان هذا الوغد يراني كضفدعة أو كقطعة نفايات ملقاة على الطريق.
لكن تركه يمر بفعلته هكذا جعلني أشعر بالغضب.
مددتُ يدي نحو السلة التي أعطيتُها له.
“لماذا عاملتك بلطف وأنا لا أجد سبباً يدعوني لذلك؟”
“أين ذهب كرمكِ؟ هل يعقل أن تستردي شيئاً بعد إعطائه؟”
قال رينولد ذلك وهو يرفع السلة عالياً بسرعة فائقة.
لقد أصبح جسده رشيقاً جداً مؤخراً بسبب التدريبات.
“…… يا لك من شخص يشبه ريان.”
في النهاية، تفوهتُ بأسوأ مسبة أمتلكها في جعبتي.
كان كلامي يحمل شقاً من المزاح وشقاً من الجد، وكنتُ أرغب في رؤية وجه رينولد وهو يشعر بالاشمئزاز من فكرة مقارنته بـريان.
لكن رد فعله كان مختلفاً تماماً عما توقعت.
“ما شأن ريان فجأة؟”
سأل وهو يفتح عينيه على وسعهما، وبدت على وجهه ملامح تتساءل عن سبب المشكلة.
ارتبكتُ من رد فعله غير المتوقع وحركتُ شفتي ببلاهة.
…… هل يعقل أنني لم أخبره بعد؟
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"