…… هل كان الأمر واضحاً عليَّ إلى هذا الحد؟ حسناً، في الحقيقة لقد كنتُ غارقة في أفكار كثيرة مؤخراً.
تنهد رينولد تنهيدة قصيرة.
“مجرد البوح بما في داخلكِ قد يجعلكِ تشعرين بالتحسن.”
“……”
“لكنكِ دائماً ما تخفين كل شيء وتكتمينه في نفسكِ.”
كان بإمكاني تفهم سبب تصرفه بهذا الشكل ففي السابق، لم أخبر أحداً بمرضي وكتمته حتى انتهى بي الأمر فاقدة للوعي، ولهذا هو يتصرف هكذا الآن.
لكنني كنتُ أشعر بالإحباط أيضاً؛ فلو بحتُ بهذا الهم لشخص ما، لربما ارتاح بالي قليلاً، ولكن حتى لو تكلمتُ فلن يصدقني أحد… وسأكون محظوظة إن لم يعتبروني مجنونة.
علاوة على ذلك، هو همٌّ لا يمكن حله من الأساس.
بينما كنتُ غارقة في تفكيري، ازداد وجه رينولد قتامة سألته بذعر
“هيه…… هل أنتَ غاضب؟”
“لستُ غاضبا حسناً…… ليس من الضروري قول كل شيء لمجرد أننا مقربان.”
…… هذا الفتى قد استاء، لقد استاء فعلاً.
عادةً، لا يظهر رينولد استياءه أبداً، بل يتحدث وكأن شيئاً لم يكن، ولكن بناءً على البيانات التي جمعتها عنه حتى الآن، هو بالتأكيد مستاءٌ في هذه اللحظة.
“حقاً، ليس هناك خطب ما.”
ملتُ برأسي نحوه وأنا بجانبه، وأكدتُ قولي مجدداً
“حقاً.”
وعندما شددتُ على كلامي واقتربتُ منه أكثر، صرخ رينولد وهو يبدي اشمئزازاً تاماً
“فهمتُ، لذا ابتعدي قليلاً!”
وما إن أنهى كلامه حتى ابتعدتُ عنه فوراً حينها فقط بدا وكأنه استعاد أنفاسه وبدأ يرتب ثيابه ثم فتح فمه وكأنه تذكر شيئاً ما
“آه.”
تابع رينولد كلامه وهو يعقد حاجبيه قليلاً
“بالمناسبة، رأيتُ في المرة السابقة فتىً يشبه والدتكِ تماماً يدخل إلى قصركم.”
“ماذا تقول؟”
“……؟”
“……؟”
عما يتحدث هذا الفتى؟ لكن رينولد الذي طرح الموضوع بدا هو الآخر تائهاً ولا يفهم سبب دهشتي. سألته بتلعثم
“متى رأيته؟”
“عندما ذهبتُ إلى منزلكِ في المرة السابقة لكنني لم أستطع التحدث حينها لأن سيريـك كان موجوداً.”
…… ألم يمر أسبوع كامل على ذلك إذاً؟
رمشتُ بعيني لبرهة وبسبب رد فعلي الأبله، بدا الارتباك واضحاً على وجه رينولد أيضاً.
“هل يعقل أنكِ لم تكوني تعلمين؟”
“أجل، هذه أول مرة أسمع فيها بهذا الأمر.”
“…… هل أخطأتُ في الرؤية؟”
أمال رينولد رأسه بتساؤل.
***
“هذا هو ابننا الذي ظننا أننا فقدناه قد يتذكر إيدين ذلك، فهو الطفل الذي وُلد بيننا بعد ولادة إيدين بوقت قصير لقد اختُطف الطفل بسبب جاسوس ملعون، ولكن من حسن الحظ أننا عثرنا على ابننا مجدداً انتهى.”
ما الذي يهذي به الآن؟
كنتُ أستمع إلى كلمات والدي التي يلقيها بتهور وأنا أنظر إلى الفتى الواقف بجانب لوت
كان لون شعره وعينيه متطابقاً تماماً مع لوت شعر أحمر وعينان بلون أزرق داكن الشيء الوحيد المختلف هو أنه، على عكس لوت ذات الملامح الوديعة، يبدو هذا الفتى وكأن شخصيته سيئة للغاية.
الأمر المؤكد هو أن هذا الفتى واحد من الأبطال الأربعة.
وسامته الواضحة كانت من نفس طراز سيلفيستر و رينولد لم تكن ذاكرتي مخطئة أبداً حين تذكرتُ وجود بطلين من عائلة ليردونيا.
“هذا هو ريان ليردونيا أتمنى أن تنسجموا معه جيداً.”
وإذا كانت ذاكرتي صحيحة، فهذا الفتى ليس طفلاً ناتجاً عن علاقة بين والدي و لوت كما قال والدي، بل هو طفل ناتج عن خيانة لوت فمهما بحثتُ، لا أجد فيه أي ملمح يشبه والدي على الإطلاق.
“وريان يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً.”
بسبب ملامح ريان التي توحي بحدة الطباع من النظرة الأولى، شعر سيلفيستر بالخوف وأمسك بيدي بقوة فبادلته الإمساك بيده لأطمئنه.
لكن حقاً، ملامحه تبدو شرسة للغاية لستُ أنا من يجب أن يتحدث عن هذا، ولكن إذا كان رينولد يبدو من النوع الذي إذا عبثتَ معه ستكون نهايتك، فإن ريان يبدو وكأنه بلطجي من الأزقة الخلفية.
حسناً، كلاهما سيقودك للهلاك إذا ضايقتهما، ولكن على الأقل مع ريان، شعرتُ أنه يمكنني ضربه على قفاه ثم الهرب.
قد يكون هذا مجرد تحيز مني، ولكن من مظهره فقط، يبدو ريان من النوع الذي يمتلك صوتاً جهوراً لكنه ليس ذكياً جداً.
أما رينولد، فإذا ضربته على قفاه وهربت، فلن تتمكن من الحفاظ على حياتك كانت هذه هي الفجوة بينهما من حيث المظهر فقط.
“سأغادر الآن.”
أنهى والدي ما يريد قوله ثم غادر الغرفة وتبعتْه لوت التي كانت تقف صامتة مع ابنها في النهاية، لم يبقَ في الغرفة سوي أنا و إيدين و سيلفيستر.
ساد الصمت المكان.
يبدو أن الجميع أصيب بالصدمة من مدى تدهور حال عائلتنا ووصولها إلى هذا الحد من الفوضى حتى وأنا أعرف الحقيقة، شعرتُ بالدهشة، فكيف بهؤلاء الصغار الذين لم يكونوا يعرفون شيئاً؟
كان صوت تنهيدة إيدين هو ما كسر الصمت.
تنهد إيدين بعمق وكأن الأرض ستنشق، ثم مسح وجهه بتعبير يعكس المعاناة عندما سألته عما به، فتح فمه بصعوبة
“بما أنه الابن الشرعي، فسيتم طردي من منصب الوريث، أليس كذلك؟”
كان من الغريب سماع مثل هذا الكلام من إيدين الذي لم يسبق له أن ذكر موضوع الوراثة أبداً فتح سيلفيستر فمه وكأنه يواسي إيدين
“لكن أخي، أنت الأكبر.”
“ما أهمية ذلك؟ أنا ابن غير شرعي لوالدي.”
بالطبع كلامه صحيح، ولكن وفقاً لذكرياتي الباهتة، فإن دوق ليردونيا القادم لم يكن ريان ولا سيلفيستر.
لأن ريان سيصبح سيد سيف ويحصل على لقب جديد، وسيلفيستر سيصبح ساحراً عظيماً في برج السحر.
عندما وصلتُ إلى هذه النقطة في تفكيري، ربتُّ على كتف إيدين بإهمال
“لا تقلق لقد فات الأوان على ريان ليبدأ دروس الوراثة الآن.”
كانت مواساة بذلتُ فيها قصارى جهدي، ولكن يبدو أن مشاعري لم تصل إلى إيدين تماماً اكتفى إيدين بابتسامة باهتة بدلاً من الرد، ثم تابع كلامه وكأنه لا يصدق الأمر
“هل يعقل أن يكون هناك أربعة أبناء وكل واحد منهم من أم مختلفة؟”
لأكون دقيقة، هناك واحد منهم والده مختلف أيضاً حين فكرتُ في الأمر، وجدتُ أنها حقاً عائلة فوضوية ومفككة شعرتُ بالفخر بنفسي قليلاً لأنني أعيش وسط هذه الفوضى.
“أخي، بالنسبة لي، ليس لي أخ سواك.”
سيلفيستر، الذي استخدم كلمة أخي ثلاث مرات في جملة واحدة، أمسك بيد إيدين بقوة احتضنه إيدين وكأنه فخور به ثم يبدو أن إيدين قد عقد العزم، فقبض على قبضته بقوة
“سأبذل قصارى جهدي من أجلكما.”
حسناً، إذا أصبح ريان هو الدوق، فمن المؤكد أنه سيجردنا من كل شيء ويطردنا.
من بين الأبطال الثلاثة الذين أتذكرهم، كان رينولد هو الأسوأ بلا منازع ولكن الآن، أخذ ريان مكان رينولد وأصبح هو في المركز الأخير كان هذا إنجازاً مذهلاً حقاً.
“عندما أرث اللقب، سأطردكم جميعاً.”
كم تمنيتُ لو كان بإمكاني إغلاق فم هذا الوغد الذي يهذي بمثل هذا الكلام لم أكن أعرف من أين أتته فكرة أنه سيرث اللقب بينما كان إيدين هو الوريث المحدد بالفعل.
أو ربما… لوت هي من أخبرته بذلك فلو كنتُ مكان لوت لرغبتُ أيضاً في أن يصبح ريان سيد قصر الدوق.
“مبتذل، مبتذل جداً.”
كان لسان ريان مبتذلاً حقاً في كل مرة أواجه فيها ريان، كنتُ أشعر بالأسف لمحدودية قدراتي الجسدية لو كنتُ أطول أو أضخم منه قليلاً، لكان الأمر يستحق المحاولة لمواجهته.
“هيااااااع.”
وبينما كانت انطباعاتي عن ريان تصل إلى أسوأ مستوياتها، جاء سيلفيستر إليّ وهو يبكي.
من النادر جداً رؤية سيلفيستر يبكي، لذا فإن مجيئه إلى غرفتي باكياً جعلني في غاية الارتباك.
حتى إيدين، الذي كان يدرس معي في الغرفة، فزع واقترب من سيلفيستر بسرعة
“سيلفيستر، لماذا تبكي؟ هل حدث شيء ما؟”
“شهيق.”
بدأ سيلفيستر يعاني من نوبة فواق.
بسبب اختلاط صوت بكائه بشهقات الفواق، لم يكن كلامه مسموعاً بوضوح، ولكن الملخص هو أن ذلك الوغد المتعجرف قد وجه إليه كلمات قاسية ثم دفع سيلفيستر وهو يمر بجانبه.
احتضن إيدين سيلفيستر وبدأ يهدئه بصبر، لكنه لم يجرؤ على قول إنه سيذهب لتوبيخ ريان؛ ففي النهاية إيدين هو ابن غير شرعي، بينما ريان -رغم أنه ليس كذلك في الحقيقة- إلا أنه يُعتبر الابن الشرعي أمام الجميع.
نظرتُ إلى سيلفيستر الباكي وفكرتُ لبرهة هل أفضح الأمر ببساطة؟ هل أقول إن ريان ليس ابن الدوق؟ لكن لا أملك دليلاً، ولو قلتُ شيئاً كهذا فلن تصمت لوت أبداً، علاوة على أن والدي نفسه يلتزم الصمت.
… إذاً، سأحل الأمر بطريقتي الخاصة.
طوال تلك الفترة، كان ذلك الوغد يكتفي بالأذى اللفظي لذا لم أملك دليلاً ملموساً ضده، أما الآن فقد أصبح لدي دليل واضح.
لقد بدأ يثير أعصابي بالفعل، ولعل هذا ما جعل الأمر أفضل.
نهضتُ من مكاني فجأة وخرجتُ من الغرفة.
ناداني إيدين من خلفي يسألني إلى أين أنا ذاهبة، لكنني تظاهرتُ بعدم سماعه.
بدأتُ بالبحث عن ريان، الخارج عن القانون في قصر الدوق، ووجدته في الحديقة يقتلع الزهور مثل كلب مسعور.
التفت ريان حين سمع صوت خطواتي تقترب منه.
وبمجرد أن رآني، اعتلى وجهه تعبير من الانزعاج الشديد رسمتُ على وجهي ابتسامة مستفزة، تماماً كما تعلمتُ من رينولد، وسألته
“أكنتَ هنا إذاً؟”
ضيق ريان ما بين حاجبيه واقترب مني وبما أنه أكبر مني بسنتين، كان طوله يفوقني بمراحل، فخيم عليَّ ظله الضخم في لحظات.
“هذا متوقع أنتِ هنا من أجل أخيكِ، أليس كذلك؟”
فتحتُ عينيّ بدهشة مصطنعة ونفيتُ قوله
“كلا، لستُ هنا من أجله.”
“إذاً لماذا تبحثين عني؟”
“لأن الكلمات التي قلتَها في المرة السابقة أزعجتني كثيراً.”
“آه، اعتذر، لا أتذكرها ولكنها لم تكن شيئاً يذكر على أي حال، صح؟”
قال ريان ذلك وهو يبتسم بوضاعة رمشتُ بعينيّ
“أنا أيضاً لا أتذكرها.”
سألني ريان وكأنه لم يفهم قصدي
“إذاً لماذا أتيتِ؟”
“فقط لأن رؤيتك تتصرف بهذا الشموخ والغرور تثير غضبي.”
حينها، أصبح وجه ريان عدوانياً بشكل لا يقارن بما كان عليه قبل قليل حقاً، لو حكمنا من خلال وجهه فقط، لصدقتُ أنه الشرير الخفي لهذا العالم.
تأملتُ وجهه المرعب للحظة، بينما وجه ريان إليّ سؤالاً لم أتوقعه أبداً
“هل قمتم بمضايقة أمي في غيابي؟”
كان سؤالاً لم يخطر ببالي بتاتاً.
وبسبب شدة سخافة قوله، اكتفيتُ بالرمش ببلاهة، ويبدو أن ريان فسر تعبير وجهي بشكل خاطئ، فامتلأ وجهه بالغضب.
“إذن تخميني صحيحاً لقد ضايقتم أمي، أليس كذلك؟”
“ماذااا…؟ أنا أضايق والدتك؟”
أليس العكس هو الصحيح؟
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"