لهذا السبب، كان والدي يتنهد كلما رآني.
لكن لم يكن هناك مفر من ذلك، فعمر الالتحاق بالأكاديمية لم يُذكر بدقة في الرواية الأصلية.
كان سن الرشد في الإمبراطورية هو السادسة عشرة، وبما أن سن الالتحاق بالأكاديمية يكون بعد سن الرشد، فقد خمنتُ أنه سيكون في ذلك الوقت تقريباً.
خلال السنوات الأربع الماضية، تغيرتُ أنا و رينولد كثيراً بصراحة، سأكون كاذبة إذا قلت إنني لم أصبح مقربة من رينولد خلال تلك الفترة.
…وهذا شيء لم أكن أريد الاعتراف به أبداً، لكن كان هناك توافق كبير بيني وبين رينولد في أمور كثيرة.
أحياناً، عندما نكون معاً، أشعر براحة مع رينولد أكثر حتى من سيريـك.
كان هذا أمراً مثيراً للسخرية حقاً لا أعرف لماذا أشعر براحة أكبر مع رينولد رغم معرفتي بمستقبلي.
كنت أظن أن داناي الأصلية وأنا شخصيتان مختلفتان، لذا توقعت أن نختلف في أمور كثيرة، عكس داناي التي كانت تتوافق معه تماماً حتى أن بول كان يقول إننا ربما كنا زوجين عجوزين في حياتنا السابقة، وذهب إيدين أبعد من ذلك ليقول كلاماً سخيفاً حول ما إذا كنا سننتهي بالزواج.
من خلال قضائي الوقت مع رينولد، عرفت عنه بعض الحقائق الإضافية.
كان رينولد أذكى وأكثر مكراً مما كنت أتخيل، وكان بارعاً جداً في الكذب وبينما كنت أراقبه وهو يكذب دون أن يطرف له جفن، قدم لي رينولد وعداً واحداً
“لن أكذب عليكِ أبداً.”
كيف لي أن أصدق ذلك؟ شخص يتقن الكذب بهذا الشكل، كيف أعرف إن كان كلامه هذا صدقاً أم كذباً؟ ومع ذلك، رينولد الذي بدا غامضاً وغير شفاف للآخرين، كان يبدو واضحاً وشفافاً بالنسبة لي.
كان أمراً غريباً حقاً في السابق، لم أكن أستطيع حتى التمييز إن كان يكذب أم لا، أما الآن فأنا أستطيع التمييز غالباً بمعنى آخر، أصبحتُ أفهم نوايا تصرفاته إلى حد ما.
لم أكن أرغب في معرفة رينولد إلى هذا الحد.
على أي حال، كنت على علاقة جيدة ومناسبة مع رينولد، وظننت أن كل ما علي فعله هو تجنب دخول الأكاديمية فقط.
ولكن في الآونة الأخيرة، ظهرت مشكلة صغيرة جداً.
“آآآه-!”
قطب سيريـك حاجبيه فور رؤيتي أنا و رينولد.
تباً! لقد لمست يدي! لمستها! صرختُ بأعلى صوتي عندما رأيت حريشاً (أم أربعة وأربعين) يتلوى فوق كتابي.
وسط تلك الفوضى، نهض سيريـك بهدوء، وأمسك بكتابي وتوجه نحو النافذة، ثم رمى الحريش في الخارج.
بعد إنهاء الموقف، أعاد سيريـك الكتاب إليّ.
بمجرد استلامي للكتاب، توجهتُ به إلى المدفأة المشتعلة وألقيته فيها.
سألني سيريـك من الخلف عما إذا كان الأمر يستدعي كل هذا، لكن لم يكن لدي خيار آخر؛ فقد كان الحريش ضخماً جداً.
المشكلة الآن هي أن عدد المرات التي يضايقني فيها رينولد قد زاد بشكل ملحوظ.
لو كنت طفلة عادية في الثانية عشرة، لما اهتممتُ كثيراً، ولكن بما أن حياتي مرهونة بهذا الأمر، لم أملك إلا أن أكون حساسة.
بدأتُ أفكر: هل بدأ يكرهني؟ بالطبع، كنت أعلم أن رينولد لا يضايقني بنية خبيثة، ولكن الشعور بالقلق كان نتيجة حتمية لا مفر منها.
ذهبتُ خلف رينولد، الذي كان يقرأ كتابه وكأن شيئاً لم يكن بعد أن رمى الحريش عليّ، وضربته على مؤخرة رأسه بقوة.
صدر من رأسه صوت مدوٍ كأن بطيخة قد انكسرت.
“هل فقدتَ عقلك حقاً؟”
عندما سألتُ رينولد بجدية، أجاب ببرود وكأن الضربة لم تؤلمه
“رد فعلكِ ممتع.”
بما أنه لم يبدِ أي رد فعل رغم الضربة، شعرتُ وكأن يدي هي التي آلمتني أكثر.
غليت الدماء في عروقي، لكنني تمكنتُ بالكاد من كبح غضبي حينها، ابتسم رينولد بانتصار وكأنه فاز في التحدي، ثم غادر الغرفة.
تباً، هل هو مجنون ليحضر ذلك الشيء فقط ليضايقني؟
شعرتُ باستنزاف طاقتي تماماً، فجلستُ بجانب سيريـك وأسندتُ رأسي بتعب على كتفه.
تحرك شعر سيريـك الكحلي قليلاً بفعل النسيم القادم من النافذة رمشتُ بعيني وأنا أنظر إلى شعره المتطاير.
نعم، دعينا لا نهتم بـرينولد.
الأطفال يلعبون هكذا دائماً.
في الحقيقة… كانت هناك مشكلة أكبر من رينولد.
خلال أربع سنوات طويلة، لم أجد حتى خيطاً واحداً يدلني على كيفية العودة إلى منزلي كلما كبرتُ في السن، زاد وقت فراغي، وكنتُ أستغل ذلك الوقت للبحث في كل الوثائق الممكنة عن شخص مر بنفس تجربتي.
لكن لم يكن هناك أحد.
لذلك توجهتُ إلى المعبد الذي يخدم الحاكم بما أن الحاكم لا بد أن يراقب كل هذا.
“بمعنى أن روح الأميرة جاءت من عالم آخر…؟”
“نعم نعم، أريد العودة إلى العالم الذي كنت أعيش فيه الآن لذا، من فضلك أخبرني بطريقة للعودة.”
“لكن هذا مستحيل نظرياً.”
“حتى لو كان مستحيلاً نظرياً، فأنا الدليل الحي على ذلك!”
“حتى لو كان كلام الأميرة صحيحاً، فالروح التي دخلت جسداً لا يمكنها الانفصال عنه أبداً الموت وحده هو الذي يقود الروح، والجسد الذي تتركه الروح يبدأ بالتحلل فوراً.”
ومع ذلك، في المعبد أيضاً، اعتبروا كلامي مجرد هراء.
فكرتُ في أن الصلاة قد تنفع، فصليتُ لمدة مائة يوم للحاكم هذا العالم اللعين، هارتشن، لأعود إلى منزلي، لكن لم يتغير شيء.
وفي النهاية، ذهبتُ للبحث عن العرافين الذين لا يحظون بسمعة طيبة في الإمبراطورية.
“لقد تعرضتِ للحقد!”
“ماذا؟ هل دخلتُ جسد شخص آخر لأنني تعرضت للحقد؟”
“أليس هناك أحد مريض من حولك؟ لا بد أن مشاكل صحية قد سببت شقاقاً في العائلة.”
“ماذا؟ الجميع بصحة جيدة!”
“سيمرضون قريباً! سأكتب لكِ تميمة، خذيها معكِ.”
حقاً، لم يصدق أحد كلامي.
لم أجْنِ سوى خسارة مبالغ طائلة من المال لإسكاتهم، ولم أحصل على أي شيء.
بالطبع، الأمر غير منطقي ولا يمكن تصديقه، ولكن بما أن حتى رجال الدين لم يصدقوني، بدأتُ أشك بشكل منطقي في أنني ربما أصبتُ بالجنون.
أو ربما كنتُ حقاً ممسوسة من قِبل شيطان.
بدأتُ أتشكك حتى في حقيقة وجود العالم الذي كنت أعيش فيه.
تساءلتُ عما إذا كنتُ سأصل لمرحلة أشك فيها بوجودي كلياً.
نظر سيريـك إليّ بطرف عينه وأنا أستند على كتفه، ثم فتح فمه بهدوء متسائلاً
“بسبب رينولد، أليس كذلك؟”
“……”
“هو أيضاً… ليس طبيعياً تماماً.”
توقفتُ قليلاً عند كلام سيريـك المتواصل.
نظرتُ إليه دون وعي، فابتسم سيريـك في وجهي باتساع وكأن شيئاً لم يحدث.
***
هل دخل سيريـك في مرحلة المراهقة فجأة؟
لقد كنتُ أظن أنه على علاقة جيدة بـرينولد بينما كنتُ أسترجع أحداث الأمس، استعدتُ وعيي على صوت السيدة كولين الذي تردد بجانبي.
“أنتِ جميلة جداً يا داناي.”
قالت السيدة كولين بتعبير مسحور وهي تربط لي شعري.
كانت صورة الفتاة المنعكسة في المرآة تبدو تماماً مثل الدمية
“صحيح، سمعتُ أن داناي تستعد لامتحان قسم الهندسة السحرية؟”
“نعم.”
“أتمنى أن تكوني مع رينولد حتى بعد ذهابكما إلى الأكاديمية منظركما معاً جميل جداً.”
“…… بالطبع.”
كانت الأكاديمية تضم أقساماً متعددة، وكان قسم الهندسة السحرية هو الأكثر تنافسية بينها؛ حيث كانت نسبة القبول تصل إلى واحد من كل بضعة مئات.
وبما أن الفشل في ظل هذه المنافسة لن يكون أمراً مستغرباً، فقد اخترتُ هذا القسم كهدف صوري ليس إلا.
“ها قد انتهيت، ما رأيكِ؟”
رفعت السيدة كولين شعري الذهبي وربطته للأعلى، ثم ارتسمت على وجهها علامات الفخر.
رددتُ عليها بصوت هادئ ومختصر بأن المظهر جميل جداً.
بدا أن إجابتي قد أرضتها، فقبلت جبهتي بخفة عندما لمحتُ المرآة، رأيتُ أثر أحمر شفاه السيدة كولين الأحمر على جبهتي.
اعتذرت السيدة ومسحت الأثر بمنديلها الخاص.
“كم أتمنى لو كان لدي ابنة مثلكِ في الحقيقة، رينولد ليس بصاحب شخصية ودودة، أليس كذلك؟ لا أدري كيف شابه والده إلى هذا الحد.”
قالت ذلك وهي تحتضنني، ولم تسمح لي بالمغادرة إلا بعد مرور وقت طويل.
لقد اعتدتُ على معاملة السيدة كولين لي كدمية لدرجة أنني لم أعد أشعر بشيء تجاه الأمر.
حسناً، ربما لم تكن تعاملني كدمية، بل كانت هذه طريقتها الخاصة في التعبير عن المودة.
كان من المقرر أن تقام حصة اليوم في غرفة رينولد.
وبما أنني كنت أزور قصر كولين باستمرار كأنه منزلي، كان بإمكاني العثور على غرفته حتى وأنا مغمضة العينين.
وهكذا وصلتُ إلى الغرفة التي بدت لي مألوفة كغرفتي الخاصة.
لم يكن رينولد موجوداً، بل كانت هناك بعض الوجبات الخفيفة المعدة مسبقاً فقط لم يكن الأمر يزعجني، فقد اعتدتُ دخول هذه الغرفة حتى في غياب صاحبها.
وضعتُ الكتب التي سأدرسها اليوم على الطاولة وجلستُ مكاني.
وبفضل ضوء الشمس المتسلل عبر النافذة، شعرتُ بالخمول وبدأتُ أغرق في أحلام اليقظة وحدي.
“داناي.”
وعلى صوت رينولد وهو يناديني، التفتُّ برأسي دون تفكير.
غرز رينولد إصبعه الذي كان يمده نحوي في وجنتي …… إلى متى ينوي الاستمرار في هذه المزحات الطفولية؟ نظرتُ إليه بوجه عابس وإصبعه لا يزال يغرز في وجنتي، فسألني رينولد بضحكة بدت مليئة بالبهجة
“أليس ممتعاً؟”
“…… نعم.”
ليس ممتعاً على الإطلاق، بل أشعر أنه يثير غضبي فقط حينها، رسم رينولد على وجهه تعبيراً مليئاً بخيبة الأمل.
“ابتسمي لي على الأقل.”
بناءً على طلبه، رسمتُ ابتسامة عريضة أظهرت أسناني لأعبر له عن استيائي، فلوح رينولد بيده باشمئزاز
“انسِي الأمر فحسب.”
“لماذا؟ أنا جميلة عندما أبتسم.”
في الواقع، كان وجه داناي بملامحه الهادئة والرزينة أجمل بكثير من تلك الابتسامة العريضة المصطنعة.
فإذا ابتسمت بشكل مبالغ فيه لدرجة كشف أسنانها… بدت وكأنها شيطانة من العصور الغابرة ومع ذلك، تظل فاتنة وجذابة إذا كانت ابتسامتها رقيقة وعفوية وبينما كنتُ أفكر في ذلك، يبدو أن رينولد شاركني ذات الانطباع، حيث قال فجأة
“تكونين جميلة عندما تبتسمين بشكل طبيعي.”
أوه، يبدو أنه يدرك أنني جميلة حين أبتسم.
“من الجيد أنك تعرف ذلك.”
جلس رينولد بجانبي هو الآخر، ثم نظر إليّ بطرف عينه وسألني
“أنتِ، هل حدث معكِ شيء مؤخراً؟”
“…… لم يحدث شيء.”
عند سماع ردي، عادت نظرات رينولد نحوي كانت نظرة فاحصة وحادة وهو يضيق عينيه ويراقبني بدقة.
لمستُ وجهي بيدي متسائلة إن كان هناك شيء عالق عليه، ثم أجبته بنبرة تبريرية
“حقاً، لم يحدث لي أي شيء.”
“……”
لكن رينولد كان ينظر إليّ بنظرات توحي بأنه لا يصدق حرفاً مما قلته.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"