1
حتى بلوغي سن الثانية، كنت أعتقد جزمًا أنني فقدت عقلي.
فكرة أنني تحولت إلى رضيعة كانت أمرًا لا يُصدق؛ فمن غير المنطقي أن يستيقظ شخص كان يعيش حياته بشكل طبيعي ليجد نفسه فجأة في جسد طفلة، كما أن البكاء بصرخة أوه-نغاي هو فعل لا يمكن لإنسان عاقل أن يقوم به بكامل إرادته.
ومع ذلك، إذا لم أبكِ، كان من حولي يبدؤون بالتهامس والقلق.
كان الرجل الذي يدعي أنه والدي يحدق فيّ بتمعن ويتمتم
“هل هي مريضة؟”، ثم يقضي يومه بالكامل يراجع أوراقه بجانبي.
كان شعورًا لا يُطاق من مراقبة نظرات الآخرين.
ونظرًا لتلك الظروف، لم يكن أمامي مفر من البكاء.
لذا، قررت أن أجن بلباقة.
ولكي أتجاوز هذا الموقف الذي يثير في نفسي الشعور بالخزي، بدأت أبكي بعد أن غيبت عقلي تمامًا ومع مرور الوقت، أصبحت بارعة في هذا الأمر.
كان يدهشني كيف يهرع الناس لتهدئتي بمجرد أن أبدأ بالبكاء وبالطبع، كان البكاء مرهقًا، لكن ما كان يفوقه مشقة هو تغيير الحفاضات وشرب الحليب؛ فقد كان ذلك يسبب لي خزيًا لا يمكن مقارنته أبدًا بتفاهة البكاء.
أما أكثر ما كان يهون عليّ الأمر فهو النوم، فقد كانت تلك هي اللحظات الأفضل.
ولحسن الحظ، وبسبب طبيعة جسد الرضيع، كان النعاس يهاجمني بين الحين والآخر.
“واو، إنها حقًا بشعة!”
قالها صبي كان ينظر إلى وجهي ببهجة وإعجاب، ثم مد يده الصغيرة ليمسك بيدي كان يشبه ذلك الرجل الذي يدعي أنه والدي إلى حد كبير.
ابتسم الصبي في وجهي وأنا مستلقية على السرير، وكان شعره الذهبي يتطاير مع النسمات المتسللة من النافذة.
كانت عيناه اللتان تراقباني بفضول -وكأنني كائن غريب- تكتسيان بلون أزرق هادئ.
كانت الألوان التي يتألف منها هذا الصبي جميلة للغاية، ويبدو أنه كان يشاطرني نفس التفكير؛ فبينما كان يحدق بي وكأنه مسحور، تمتم قائلاً إن عينيّ جميلتان.
عجبًا، مَن الذي يصف مَن بالجمال الآن؟ على أي حال، وبناءً على ما قاله ذلك الصبي، استنتجت أنني طفلة بشعر ذهبي وعينين حمراوين بطريقة ما، كانت ألواني أكثر بهرجة من ألوان ذلك الصبي.
وعلمت لاحقًا أن هذا الصبي هو أخي الأكبر واسمه هو إدين ليردونيا.
أما اسمي أنا فهو داناي ليردونيا.
شعرت أنني سمعت هذين الاسمين في مكان ما من قبل، لكنني حاولت تجاهل الأمر.
لكن في الواقع، كان هذا الشعور بالغرابة يزداد تدريجيًا.
فاسم داناي كان اسم شخصية في رواية قرأتها مرارًا لأنني كنت أحبها راودني الشك في أنني قد انتقلت إلى داخل رواية، لكنني سرعان ما استبعدت الفكرة واعتبرتها غير منطقية، وظننت أن مروري بحدث خيالي كتحولي إلى رضيعة هو ما جعلني أتخيل أمورًا كهذه.
وعندما بلغت الرابعة من عمري، أحضر والدي -الذي يبدو أنه كان متهورًا في علاقاته- أخي الصغير الذي كان مخفيًا، ويصغرني بسنة واحدة فقط، أي أنه كان في الثالثة.
كان طفلًا يمتلك شعرًا أخضر وعينين خضراوين فاتنتين ماذا كان اسمه يا ترى…؟ آه سيلفستر ليردونيا.
كان اسمه يتكون من تسعة أحرف أما أنا فثمانية أحرف، وإدين سبعة أحرف.
فكرت بجدية إن كان الدوق قد تعمد اختيار الأسماء بناءً على عدد الحروف، أم أنه يمتلك نوعًا من حس الدعابة، لكنني تراجعت عن التفكير في ذلك سريعًا.
فالدوق كان شخصًا عظيمًا حقًا.
لقد كان عظيمًا لدرجة أنني وإدين وسيلفستر نملك أمهات مختلفات تمامًا.
ولعلني كنت أكثر عظمة منه فقد استغرق الأمر مني ثماني سنوات كاملة منذ أن فتحت عينيّ حتى استطعت فهم هذا العالم تمامًا.
ولم يكن هذا الأمر سوى مفاجأة مذهلة بحق.
****
“هذا هو رينولد رينولد ، ألن تلقي التحية على داناي؟ “
كان الفتى الواقف أمامي ينضح بهالة مخيفة، واسمه رينولد.
عندما رددت اسمه في عقلي نحو ألف مرة، تمكنتُ أخيراً من استيعاب سبب شعور الغرابة الذي لازم لزمن طويل يبدو أنني قد تجسدتُ بالفعل في تلك الرواية التي كنت أفكر فيها.
على أية حال، ليس هذا هو المهم الآن الأمر الأكثر أهمية هو أنني سأموت قريباً على يد ذلك الفتى ففي الرواية، كانت داناي صديقة الطفولة للبطل الذي يمثل القوة الخفية الشريرة، رينولد وكانت أيضاً أولى ضحاياه.
ماذا كان سبب موت داناي يا ترى؟ هل قُتلت على يده لأن ابتسامتها كانت تثير اشمئزازه؟
هه، يا له من أمر مضحك.
كانت عيناه السوداواتان اللتان تبدوان وكأنهما فقدتا صوابهما مليئة بالشر فكرتُ للحظة وجيزة، هل عليّ أن أقيم طقوس طرد أرواح شريرة؟
لكن تفكيري لم يطل.
قبضتُ بيدي حفنة من السكر الذي يشبه الملح، ورشقتها في وجه رينارد ثم صرخت
” لا أريد أن أكون صديقة له! “
لكي لا أموت، لم يكن أمامي سوى خيار واحد: أن أترك انطباعاً أولاً سيئاً للغاية يظهرني كفتاة وقحة، لأتجنب مصادقته.
نظر إليّ رينولد وكأنني مجنونة تماماً، لكن لم يكن لديّ خيار آخر ومع ذلك، يبدو أن الشخصيات الشريرة تختلف حقاً عن البقية؛ فبالرغم من إصابته بالسكر، إلا أنه حافظ على هدوء ملامحه فوراً، وهذا ليس بالأمر الهين.
توقعتُ على الأقل أن يغضب رينولد أو يردّ عليّ برشق السكر، لكنني اعتقدتُ أن انطباعي الأول عنده قد فسد تماماً، مما جعلني أشعر بأن المستقبل سيكون مشرقاً.
” … يا إلهي. “
تمتمت السيدة كولين وهي تنظر بذهول إلى ابنها الذي عومل كأنه شيطان، ولم تستطع إغلاق فمها من الصدمة.
هه هه، قوليها الآن يا سيدة، قولي إنه لا يمكنكِ السماح لابنكِ بمصادقة فتاة جامحة كهذه.
انتظرتُ بلهفة أن تنطق بتلك الكلمات، وأنا أحاول إخفاء ابتسامة شماتة بداخلي لكن والدة الشرير كانت مختلفة تماماً هي الأخرى فبدلاً من أن تغضب مني بسبب وقاحتي، اقتربت مني بابتسامة مشرقة وأمسكت بيدي بقوة.
” يا إلهي… لم أكن أعلم أن هناك طفلة تشبه ابني إلى هذا الحد! “
” …؟ “
” كنتُ قلقة من أن يتأثر صديقه الجديد بصفاته السيئة، لكن بما أنها داناي، فأنا أشعر بالاطمئنان الآن. “
عند سماع كلماتها، تنفس فارسي المرافق بول برتياح وقال للسيدة
” لقد كان قرار السيدة لردونيا صائباً لقد قالت إن الآنسة ستكون صديقة أنسب للوريث من أشقائها الذكور. “
” أنا لست بحاجة إلى أصدقاء. “
قلتُ ذلك بوضوح وأنا أنظر مباشرة إلى رينولد لكن السيدة، التي بدت سعيدة للغاية لأن ابنها سيحصل على صديقة، لم تعر كلامي أي اهتمام، واعتبرته مجرد تذمر طفولي بسيط.
إنه ليس تذمراً! يا ناس، حياتي معلقة بهذا الأمر!
تربتت السيدة على كتف ريتولد وسحبته ليكون أمامي كان تعبير رينولد فاسداً تماماً، ومن النظرة الأولى يبدو أن شخصيته فظيعة قالت السيدة بابتسامة حنونة
” يجب أن تنسجما جيداً من الآن فصاعداً، حسناً؟ “
شعرتُ وكأنني أسمع التعليق الختامي لأحد برامج الحيوانات الأليفة.
” أنا لا أحتاج لصديق. “
عندما أعدتُ التعبير عن رغبتي مرة أخرى، بدأ بول الواقف خلفي يشعر بالارتباك كانت عائلة كولين عائلة دوقية تماماً مثل عائلة لردونيا، لكن الفرق هو أن الدوق كولين كان شقيق الإمبراطور الحالي بعبارة أخرى، كانت عائلة كولين أكثر نفوذاً بكثير من عائلة لردونيا.
لكن لم يكن باليد حيلة.
اعتقدتُ أنه حتى من وجهة نظر الدوق لردونيا، فإن توتر العلاقات بين العائلتين أفضل بكثير من خسارة ابنته.
ومع ذلك، بدت السيدة كولين معتادة على تهدئة ابنها الذي يشبه الكلب الشرس، فبدأت تهدئني بنبرة ناعمة
” ولكن بما أنكِ جئتِ للزيارة، لمَ لا تكونان صديقين لهذا اليوم فقط؟ “
” لا أريد. “
توقفت السيدة للحظة أمام جوابي القاطع، وكأنها لم تتوقع أبداً أن أرفض فجأة، ابتسم رينولد الذي كان يراقب حوارنا العقيم ببرود
” ابقي والعبي. “
حين سمعتُ ذلك، اعتقدتُ حقاً أن أذنيّ قد أصابهما الجنون.
” … ماذا؟ “
” قلتُ لكِ ابقي والعبي. “
هل يعقل… أنه يريد اللعب معي حقاً؟
بما أن وجه رينولد الذي كان ينظر إليّ بدا بريئاً للغاية، لم يكن هناك مجال لتفسير كلامه بطريقة أخرى.
… هل أعجبته حقاً؟
عندما ارتبكتُ من كلمات رينولد غير المتوقعة، انتهزت السيدة كولين الفرصة وأمسكت بيدي بقوة.
” افعلي كما قال رينولد والعبي معه اليوم فقط من يدري؟ قد تتفقان جيداً. “
” أنا بخير… في الوقت الحالي، أفضل الكتب على الأصدقاء. “
رغم أنني كنتُ غارقة في الارتباك، إلا أن عقلي ظل يعمل بوضوح اشتدت قبضة السيدة كولين على يدي قليلاً، وبدت عيناها محمرتين بشكل غريب.
” يا صغيرتي، الكتب جيدة، لكن في سنكِ هذا، اللعب مع الأصدقاء أمر أجمل بكثير. “
” … أنا آسفة. “
” حتى لو كان ليوم واحد فقط؟ “
سألتني السيدة بصوت مثير للشفقة وكأنها على وشك البكاء، بينما كانت تعصر يدي فتحتُ فمي لأكرر الرفض، لكنني أغلقته مجدداً.
هل كنتُ قاسية جداً؟ الحقيقة هي أن قلبي آلمني حين تخيلتُ أمي تتوسل لطفل آخر بهذا الشكل وفي النهاية، وتحت ضغط مظهرها الضعيف، أومأتُ برأسي على مضض.
يوم واحد لن يضر وربما يكون من الأفضل قطع هذه العلاقة تماماً اليوم.
حينها، أشرق وجه السيدة كولين على الفور.
” أحسنتِ الاختيار إذاً، اذهبي مع رينولد إلى الحديقة والعبا هناك. “
قبلت السيدة كولين وجنتي وهمست بصوت خافت
” رينولد خذ داناي إلى الحديقة سأقوم بإعداد الوجبات الخفيفة بسرعة. “
” حاضر، يا أمي. “
أجاب رينولد على والدته بابتسامة جميلة، ثم أشار لي برأسه لأتبعه شعرتُ أن هناك شيئاً غريباً، لكنني مع ذلك تبعتُ خطواته.
****
كان الطريق المؤدي إلى الحديقة طويلاً إلى حد ما .
” ماذا قلتِ أن اسمكِ هو ؟ “
” ……. “
ما خطبه ، لماذا يتصرف بلطف هكذا ؟
عندما لم يأتِ رد مني ، شعر رينولد بالاستغراب فالتفت برأسه ونظر إليّ سارعتُ بفتح فمي
” داناي . “
هل يعقل أنه نسي ما حدث منذ قليل بالفعل ؟
شعرتُ ببعض الغرابة تجاه رينولد الذي ظل صامتاً طوال الطريق ثم سأل عن اسمي الآن وبينما كنتُ أراقب ردود فعله ، سألتُه بحذر
” ……. هل لديك شيء تود قوله لي ؟ “
” لا ، ليس الأمر كذلك كل ما في الأمر أن والدتي كانت تتطلع بشوق للقائكِ ، لذا كنتُ فضولياً بشأنكِ أنا أيضاً . “
وكان ما قاله بعد ذلك شيئاً لم أتوقعه على الإطلاق .
” السيدة كانت تتطلع للقائي ……. ؟ لماذا بحق الخالق ؟ “
توقفتُ عن المشي دون وعي مني وسألتُ رينولد ، فهز كتفيه بخفة وكأن الأمر لا يستحق العناء
” والدتي صديقة مقربة لوالدتكِ أعتقد أن هذا هو السبب . “
كانت قصة تجعلني أتنهد رغماً عني ولكن ، لمجرد أن والدتينا صديقتان ، فهذا لا يعني بالضرورة أنني ورينولد يجب أن نصبح صديقين أيضاً .
” إذاً ، دعنا لا نصبح هكذا أبداً . “
عندما سمع رينولد كلماتي ، بدت على وجهه علامات الذهول وعدم التصديق .
التعليقات لهذا الفصل " 1"