3
عدتُ إلى غرفتي بساقين مرتجفتين، لا تكادان تحملانني، وما إن أغلقتُ الباب حتى انهار جسدي على السرير سقوطًا، كمن أُلقي به من حافة هاوية.
“تلك الأنياب… كانت مرعبة بحق.”
حين تردّد إد، تعمّدتُ أن أطعمَه الكعك بيدي، لكن—ربما بتأثير تلك الاختيارات الوغدة—كان جسدي يتحرّك على غير إرادتي، حتى عندما حاولتُ أن أكون لطيفة.
وبفضل ذلك، في كل مرة كان إيد يفتح فمه، كنتُ أُجبر على مواجهة أنيابه الحادّة مواجهةً مباشرة، بلا مهرب.
هل يعرف أحدٌ شعورَ خروفٍ يُطعم ذئبًا بيديه؟
إنه شعورٌ يفوق التوقّعات رعبًا… رعبًا حقيقيًا.
“أوووه…”
ما إن تذكّرتُ ما جرى في الحديقة قبل قليل، حتى قشعرّ بدني، وارتجفتُ لا إراديًا.
‘صحيح أن إد وهو يتلقّى الكعك كان لطيفًا لدرجة الذوبان، لكن…’
أن أُمنح فرصة رؤية طفولة البطل الذي أحببته حدّ الهوس—ثم أكون نعجة، سلالةً عاشبة، لا حول لها ولا قوة؟!
استوعبتُ وضعي البائس من جديد، وبدأتُ أعبث بشعري بيأس، وحينها فقط نهضت ميمو—التي كانت جالسةً قرب السرير تستريح—وهزّت مؤخرتها الممتلئة، ثم خرجت متثاقلةً من الغرفة.
‘إد الآن… لا بدّ أنه عاد إلى غرفته ليستريح، أليس كذلك؟’
فقد أخبرته قبل دخولي أن لا عمل لديّ أُسنده إليه اليوم، وأن عليه أن يعود لينام.
مرّت أيامٌ قليلة منذ قدوم إد، وخلال تلك الفترة القصيرة، حاولتُ التواصل مع بيت لوڤ بكل الطرق الممكنة—لكن بشكلٍ يثير السخط، كانت كلّ محاولة تُقابل بالفشل.
كلما أرسلتُ حمامًا زاجلًا، دار في المكان ذاته، ثم عاد إليّ.
وكلما أرسلتُ رسالةً عبر البريد، عادت مختومةً بالرفض.
وأدوات الاتصال السحري كانت صمّاء،
أما المصفوفات السحرية… فلم تكن تستجيب إطلاقًا.
حتى محاولاتي لإبلاغ رامون أو غيره من السوين باءت بالفشل.
لم يعد في ذهني أيّ أسلوب جديد—فكلّ ما يمكن التفكير به، كنتُ قد جرّبته بالفعل.
‘كأنّ هناك من يتعمّد إغلاق الطريق.’
لم أستطع إلا أن أفكّر هكذا.
ولهذا، إلى أن يأتي فيلي لوڤ بنفسه، قرّرتُ أن أستغلّ تلك الاختيارات قدر الإمكان:
أقلّ عمل،
ومزيد من الطعام.
لا أعلم إن كان إد قد شعر بشيءٍ من نيّتي، ولو لمحةً عابرة.
‘هذا الطفل الصغير اللطيف… أيتحوّل حقًا يومًا ما إلى ذئبٍ همجي؟’
يصعب عليّ تخيّل ذلك.
“أنا أجيد كلّ شيء. منذ صغري جرّبتُ الكثير، لذا يمكنني زيادة وزني بسرعة.”
تذكّرتُ كيف أجابني بوقارٍ يفوق عمره حين قلتُ إنّ من يريد استخدامه، عليه أولًا أن يُسمّنه.
وأحيانًا، حين يتفوه بكلماتٍ بريئة طفولية، يصبح لطيفًا إلى حدٍّ لا يُحتمل.
وربما لأنه لم يمضِ وقتٌ طويل على قدومه، لم يكن يشعر بالخوف ذاته من قسوة كلماتي،
فعلى عكس الخدم الآخرين الذين صاروا يتحاشونني، كان إد يقف أمامي كثيرًا، ويتحدّث ببراءةٍ لا حذر فيها.
كيف لطفلٍ بهذه الطهارة أن ينشأ في حياةٍ تجعله يكره الخراف إلى هذا الحد؟
‘لن أسمح بحدوث ذلك. أبدًا.’
إد الآن لا يشبه ذئبًا مخيفًا، بل جروًا صغيرًا، لكن في الرواية… يكبر ليغدو ذئبًا متوحّشًا لا يُضاهى، ثم—بموهبةٍ عبقرية—يصبح سيّد البرج السحري…
“لحظة…؟”
لحظة.
كـــراخ—!
“آه!”
قفزتُ واقفةً إثر الفكرة التي ضربتني فجأة، لكنني فقدتُ توازني، وارتطمتُ بالأرض بقسوة.
“أووو…”
فركتُ كتفي الذي تلقّى الضربة، ومسحتُ دمعةً شقّت طريقها قسرًا، وأنا جالسةٌ على الأرض، غارقة في التفكير.
‘لماذا… لماذا لم أتذكّر هذا إلا الآن؟’
في الأصل، وبعد أن تشابك مصير إد مع البطلة، ومع تفتّح الحب بينهما، بدأت قدراته بالنموّ المتسارع، حتى أصبح أصغر من تولّى منصب سيّد البرج السحري.
لكن الأهم—
المشهد الذي يهمّني الآن أكثر من أيّ شيء، والمشهد الذي أسقطني أرضًا—
“بهذا القدر من الموهبة، لا بدّ أن قدراته بدأت بالظهور منذ طفولته المبكرة.
اكتشاف الأمر الآن… متأخّر قليلًا، للأسف.”
قال ساحر البرج، بصوتٍ جاد، غير مدركٍ لما عاناه بيت لوڤ.
“صحيح… قال إنّ أشياء غريبة كانت تحدث حين كان في ذلك البيت الوغد، بيت مورتون.”
أن تكون تلك الطاقة الهائلة قد بدأت بالظهور مبكرًا…
ومع ذلك، أولئك النبلاء—الذين كان يفترض بهم ملاحظة الأمر—لم يفعلوا شيئًا سوى استغلال طفلٍ ضعيف…
كان يجب ألّا يموتوا بهذه السهولة.
صريرُ الأسنان، ونيةُ القتل المتدفّقة من بيلي لوڤ، كانت كافيةً ليهرب الساحر مذعورًا.
فغضبُ بيلي لوڤ—الذي ذاع صيته بالوحشية—لم يكن أحدٌ قادرًا على تحمّله.
ألم يُفْنِ بيت مورْتون بأكمله في اليوم الذي استعاد فيه إد؟
أليس هذا يعني—
أنّ أوّل تجلٍّ لقدرات إد…
قد يكون حدث في بيت مورْتون نفسه؟!
‘يا ليتني قرأتُ بقية الرواية بتركيز، بدل الاكتفاء بالرومانسية!’
اندمجتُ في قصّة الحب، وأهملتُ كلّ ما عداها—وها أنا أندم.
‘لكن… لم يفت الأوان بعد، أليس كذلك؟’
راقبتُ إد عن قرب خلال الأيام الماضية، ولم أشعر بأيّ اضطرابٍ سحري.
إذًا—
“هذا يعني… أنّني قد أكون أول من يشهد استيقاظ قدراته؟!”
يا إلهي.
إن أحسنتُ استغلال الأمر، فقد أتحوّل من صاحبة عملٍ جشعة…
إلى منقذة.
أن أصبح أنا—
منقذة البطل الذي أحببته.
صحيح أنّني لم أتذكّر هذا إلا بعد أيامٍ من دخوله القصر، لكن عينيّ الآن كانتا تتّقدان بحماسةٍ لا تُوصف.
هذا… رائع!
“ههه… هههه…”
“هيييك!”
الخادمة التي دخلت لتنظيف الغرفة لمّا رأتني أضحك، فرت كأنّها رأت شبحًا، لكنني لم أُبالِ، وخرجتُ إلى التراس، أرمق إد في الحديقة بنظرةٍ لامعة أكثر من اللازم.
‘إد… سأساعدك على أن تتفتّح موهبتك قبل أوانها.’
وداعًا لطريق المعاناة،
سأفرش أمامك طريق المجد—حياة ساحرٍ في البرج—بيديّ هاتين!
كان ذلك قراري… البارحة فقط.
‘ما هذه الإزعاجات منذ الصباح؟’
بعد ليلةٍ كاملة من السهر، أُخطّط فيها لمشروع “أن أكون منقذة إيد”، جلستُ أمام المرآة، وملامح الضيق لا تفارق وجهي.
“آنسة ريمي، السيّد رامون يستقبل ضيفًا مهمًا، ويطلب حضورك فورًا إلى المبنى الرئيسي بعد أن تستعدّي.”
الخادمة التي أيقظتني بدأت فورًا بتجهيزي، كأنّها ترسلني إلى مأدبةٍ ملكية.
“آه…”
حين لاحظت الخادمات سوء مزاجي، ازداد توتّرهن، فمشّطن شعري بحذر، وألبسنني الفستان بعناية، ثم أتممن المظهر بحليٍّ فاخرة.
“آنسة… هل هناك ما لا يعجبك؟”
إحداهن—وقد دُفعت ممثّلةً عن البقيّة—تجرّأت وسألت.
تأمّلتُ انعكاسي في المرآة بصمت.
شعرٌ أبيض يصل إلى خصري، متموّجٌ برفق، وعينان بلون أخضر داكن، كمرعى واسع تحت شمسٍ صافية.
عينان كبيرتان، مائلتان قليلًا، أنفٌ صغير، شفاهٌ ناعمة، وحمرة خفيفة على وجنتيّ—
ملامحُ نعجة وديعة، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.
لو لم أفتح فمي…
لكنتُ جميلةً فعلًا.
لكن—
“كلّه.”
“م… ماذا؟”
“لا يعجبني شيء. إطلاقًا.”
لم يكن في الأمر ما يرضيني:
أن أُجبر على الاستعداد باكرًا لأنّ ذلك الوغد رامون استدعاني، أن أُؤمر بأن أبدو جميلة دون أن أعرف حتى من سأقابل.
كنتُ أودّ أن أرفض كلّ شيء، وأن أعود للنوم، لكن تهديد الطرد من العائلة… كان كافيًا لإسكاتي.
فهو السيّد، وأنا… مجرّد ابنةٍ غير شرعية، بلا قوّة سوى سوء الطبع.
انهارت الخادمات على ركبهنّ، يعتذرن بارتباك، فأشرتُ لهنّ بالقيام، وطردتهنّ بكلمةٍ واحدة.
وقبل أن تخرج آخرهنّ، أمرتُها أن تُحضر إد.
مرّت أشهرٌ منذ حلولي في هذا الجسد.
في البداية، حاولتُ أن أكون لطيفة مع الخدم—
شفقةً على ما ذاقوه من ريمي قبلي…
لكن ما إن مرّ بعض الوقت، حتى تكشّف لي أن خدّام هذا القصر لا يرتعدون خوفًا إلا حين تتعمّد ريمي أن تحدّق بعيونها شزرًا أو تطلق نوبات غضبها الحادّة، أمّا في سائر الأيام العادية فكانوا يتعاملون معها بازدراءٍ خفيّ، لا يُقال صراحةً ولكن يُحسّ في النبرة، ويُقرأ في النظرات، ويقطر من التصرفات قطرةً قطرة.
‘يبدو أنهم أقنعوا أنفسهم بأن سيدةً قضت عمرها كلّه مُهانةً، ثم خسرت رضا ربّ العائلة الجديد وطُردت إلى الملحق، ليست جديرةً حتى بالاحترام الشكلي…’
وهكذا لم يتردّدوا في خلط الطعام بأعشابٍ غريبة لا تُعرف ماهيتها، ولا في الهمس خلف ظهري بقصصٍ مسمومة، ولا في بثّ شائعاتٍ واهية عن ريمي، كأنهم يستمتعون بتمزيق سمعتها قطعةً قطعة.
وحين رأيتهم يتّخذون هذا الأسلوب الوقح في التقليل من شأنها، تآكل داخلي تلقائيًا ذلك الدافع الذي كان يحثّني على معاملتهم بلطفٍ زائد أو حرصٍ مصطنع.
بل إنني، حين كنت في بدايات استحواذي على هذا الجسد أبذل جهدًا حقيقيًا لأكون مختلفة، انطفأ شيءٌ ما في صدري يوم سمعتهم يسخرون مني فيما بينهم بنبرةٍ لا تخلو من الشماتة؛ يومها هبط تقديري لهم إلى ما دون الصفر.
وإن كان خدّام الملحق يُعدّون – على سوءهم – أهون شرًا، فإن خدّام المبنى الرئيسي، أولئك الذين يخدمون 래مون مباشرةً، لم يكلّفوا أنفسهم حتى عناء التظاهر بالاحترام، بل كانوا يحتقرون ريمي علنًا بلا مواربة.
طَقّ، طَقّ.
وبينما كنت أمدّ يدي لفتح الباب والخروج، جاءني صوت طرقٍ خفيف من الخارج، لتظهر بعدها خصلةٌ ناعمة بلون السماء الصافية، يتبعها صوتٌ خافت.
“سيدتي، قيل لي إنكِ طلبتِ حضوري.”
بدا صوته مبحوحًا قليلًا، كمن انتُزع لتوّه من نومٍ عميق؛ وعيناه، نصف المغمضتين والمثقَلتين بالنعاس، بثّتا في قلبي راحةً غير مبرّرة، كأن مجرد النظر إليهما دواء.
هممتُ أن أجيبه، سحبت نفسًا عميقًا—ثم تجمّد بصري على نافذة الخيارات التي انبثقت أمامي بلا رحمة.
‘لا يجوز أن أجرحه منذ الصباح… كلمات لطيفة، كلمات لطيفة قدر الإمكان.’
‘1. ما هذا المظهر البائس؟ حتى أساسيات كونك عبدًا لا تتقنها.
2. ألا تستطيع المشي بسرعة؟ لدينا مكان نقصدُه، فاتبعني من بعيد.
3. صغير وبطيء الخطى… لدينا وجهة، حرّك ساقيك أسرع!’
‘آه…’
تاهت عيناي في الفراغ.
‘لا أطلب لطفًا، لكن… ألهذا الحد يستحيل وجود خيارٍ عادي؟!’
حدّقت في إد بنظرةٍ مثقلة بالأسف، وأنا أستوعب أنه سيتلقّى توبيخًا صباحيًا لا ذنب له فيه، ثم اخترت على مضض.
وفورًا، تقطّب جبيني، واستقرّت يداي على خاصرتي، وانطلقت الكلمات المختارة من فمي وكأنها مسيّرة لا مخيّرة:
“ألا تستطيع المشي بسرعة؟ لدينا مكان نذهب إليه، فاتبعني من بعيد.”
“نعم!”
ما إن انتهت الجملة، حتى خرجتُ بخطواتٍ واسعة من الغرفة، بينما ارتفعت خلفي أصوات أقدام إد المرتبكة، تتلاحق بإيقاعٍ منتظم.
طَبَق… طَبَق…
وكأنه امتثل حرفيًا لعبارة ‘من بعيد’، بدأت تلك الخطوات تخفت شيئًا فشيئًا.
وظلّت صورة عينيه المتّسعتين، ويقظته المفاجئة المشوبة بالتوتر، تلوح في خاطري بإلحاح.
‘بعد انتهاء لقاء هذا الضيف المجهول، عليّ أن أعوّضه بشيءٍ ما…’
بهذه الفكرة، مضيتُ وإد باتجاه المبنى الرئيسي.
“من هنا.”
قادنا مساعد رامون إلى الداخل، وما إن دخلنا غرفة الاستقبال حتى رأيته جالسًا، وجهه متخم بابتسامةٍ بدت وكأنها نابعة من متعةٍ خفية، وأمامه رجلٌ آخر.
“العبد لا يُسمح له بالدخول. اتبعني من هنا.”
اعترضنا أحد خدّام المبنى الرئيسي، رغم أنني جلبتُ إد معي لأبقيه تحت ناظري، تحسّبًا لأي لحظة قد تنفجر فيها موهبته السحرية.
ولأنني لم أكن أتوقّع أصلًا أن يُسمح له بدخول غرفة الاستقبال، أرسلته بعيدًا دون مقاومة.
“اجلسي، يا ريمي. هذا ضيفٌ مهم، فاحرصي على حسن الأدب.”
قالها رامون بصوتٍ ناعمٍ مقزّز، وهو يربّت على المقعد إلى جواره.
رفعت طرف فستاني بتحفّظ، قدّمت التحية، ثم جلست بجانبه بخطواتٍ بدت ثقيلة كأن الأرض نفسها تأبى حملي.
“كما سمعتُ تمامًا… أنتِ جميلة بحق.”
وانساب من فم الرجل الجالس قبالتي صوتٌ دهنيّ، ناعمٌ حدّ الاشمئزاز، كأنه مدهون بالزبدة.
التعليقات لهذا الفصل " 3"