1
في هذه اللحظة بالذات، كنت أشعر بأن حياتي مُهدَّدة.
ويا للمفارقة القاسية… كان ذلك في غرفتي أنا، الغرفة التي كان ينبغي أن تكون ملاذي الآمن وموطني الوادع.
ارتجافٌ… ارتجافٌ… ارتجاف—
كان فنجان الشاي في يدي يهتز بعنفٍ كأن مياهه ستفيض في أية لحظة. جلستُ وقد شبكتُ ساقًا بساق، متخذةً هيئةً متعالية توحي بالثقة والغرور، لكن ما جدوى ذلك كلّه؟
جسدي كان يرتعش بلا رحمة.
‘إنها غريزة السُلالة العاشبة… غريزة، لا أكثر.’
ردّدتُ ذلك في داخلي كتعويذة واهنة، بينما أُلقي نظرةً جانبية خلسة على طفلٍ يقف بعيدًا، يمشّط صوف خروفٍ ممتلئٍ بعنايةٍ شديدة.
لعلّه لم يتجاوز السابعة من عمره.
جسده الصغير—الذي لا يليق أبدًا بسُلالةٍ لاحمة—كان شاهدًا صامتًا على قسوة الحياة التي ذاقها في سنٍّ مبكرة.
التفتُّ فجأة، مدّعيةً بمهارةٍ ركيكة أنّني لم أكن أنظر إلى شيءٍ أصلًا.
“سيدتي ريمي، انتهيتُ من التمشيط.”
قالها بصوتٍ خالٍ من أي نبرة، وهو يزيح خصلات شعره الأزرق الفاتح بيدٍ واحدة. وما إن وجّه نحوي عينيه الذهبيتين اللامعتين—عيني مفترسٍ حقيقي—حتى انحدرت قطرة عرقٍ باردة على طول ظهري.
“هل هناك أمرٌ آخر تأمرينني به؟”
في كلّ مرةٍ نطق فيها، كانت أنيابه الحادّة تومض بين شفتيه، فتربك بصري وتبعث الرعب في أوصالي. تجمّد جسدي فزعًا، وانفلتت منّي شهقة متقطّعة.
“هك—كح—.”
أيّ جسدٍ هذا، المنصاع لغريزته إلى هذا الحد؟!
طرقتُ صدري بقبضتي بخفّة، أحبس أنفاسي، حين شعرت بنظراته المثبتة عليّ.
لم يكن يفعل سوى انتظار الإجابة—تصرفٌ بسيط، بريء…
ومع ذلك، كان هذا وحده كافيًا ليشعرني بتهديدٍ خانق.
‘لا… لا تفعل شيئًا. عُد فقط واسترح جيّدًا.’
هذا ما كنت أودّ قوله. بصدقٍ كامل، أردتُ أن أُريحه، أن أتركه وشأنه…
لكن—
1. حتى هذا لا تستطيع فهمه من تلقاء نفسك؟ يا لك من عديم الفائدة.
2. ولماذا تسألني أنا؟ إن لم يكن لديك ما تفعله، فاختفِ من أمامي.
3. انزل وأحضر أي شيءٍ حلو. لديك دقيقة واحدة.
محضُ وهم.
حدّقتُ في الخيارات الثلاثة الطافية أمامي، وحدقتاي ترتجفان. كان المشهد مألوفًا لي الآن، ومع ذلك لم يخفّ التوتر الذي يعتريني في كلّ مرةٍ أُجبر فيها على الاختيار.
‘على الأقل… على الأقل الخيار الثالث هو الأهون.’
رمقتُ الطفل بنظرةٍ خاطفة، وابتلعتُ دموعي، ثم اخترتُ الخيار الثالث.
في اللحظة ذاتها، انفرجت عيناي اللتان كنتُ قد أغمضتهما بإحكام، وانطلقت من فمي كلماتٌ حادّة، قاسية—لا تمتّ لإرادتي بصلة.
“انزل وأحضر أي شيءٍ حلو.”
تسللت نظرتي اللاذعة إلى الساعة المعلّقة على الجدار، ثم استقرّت على مؤخرة رأس الطفل وهو يهمّ بمغادرة الغرفة.
“لديك دقيقة واحدة.”
رفعتُ ذقني بتكبّر، وغيّرت اتجاه ساقيّ المتشابكتين، وكأنني أضع اللمسة الأخيرة على مشهدٍ متقن.
غير أنّ جسدي—على عكس هذا التظاهر المتعجرف—كان يرتعش ارتعاش أوراق الحور في مهبّ الريح.
“نعم. سأعود حالًا.”
توقّف الطفل لحظةً عند كلماتي الأخيرة قبل أن يجيب. عيناه نصف المفتوحتين توقّفتا عليّ كأنهما تفحصانني، ثم انخفضتا بهدوء.
وأخيرًا… بقيتُ وحدي، وغرقت الغرفة في صمتٍ ثقيل.
ما إن انفرج التوتر حتى تهدّل جسدي فوق الأريكة بلا قوّة.
“آآآه! انتهى أمري—هك—انتهى أمري تمامًا!”
لم يبقَ سوى صدى صراخي يتردّد في الغرفة، بعد أن تحرّرتُ أخيرًا من تحكّم نافذة الاختيار.
كنتُ في الأصل موظّفةً عاديّة تعمل في شركةٍ متوسّطة الحجم.
وكما في كلّ يوم، كنتُ أعمل لوقتٍ متأخّر، أُنجز بمفردي ما يفترض أن يقوم به شخصان على الأقل. وفجأة، اجتاحني نعاسٌ جنوني، كأن النوم انقضّ عليّ بلا إنذار.
أهو لأنني عدتُ إلى المنزل على آخر قطارٍ لعدّة أيّام؟
حاولتُ أن أطرد الفكرة وأقاوم النعاس، لكن جفوني كانت تغرق بثقلٍ لا يُحتمل.
جلستُ على كرسي المكتب… ثم يبدو أنّني نمت.
وحين استيقظت—
“مِـيـيـه—.”
لقد… أصبحتُ خروفًا!
لاحقًا فقط، أدركتُ أنني من سلالة الخراف المتحوّلين الذين يعيشون عادةً بهيئةٍ بشرية، وكم كان ذلك باعثًا على الطمأنينة. لكن لسوء حظي، كنتُ متحوّلة إلى هيئةٍ حيوانية في لحظة الاستيقاظ، فبكيتُ بحرقةٍ لا توصف.
“إن كان لا بدّ لك من البكاء، فتحوّلي إلى إنسانة وابكي. ضجيجك مزعج.”
لحسن الحظ، وبفضل كلمات أخي غير الشقيق الوحيد، تمكّنتُ من العودة إلى هيئتي البشرية بسلام.
كان شكلي الإنساني: شعرٌ أبيض ناصع كثلجٍ طري، عينان خضراوان داكنتان تلمعان كمرجٍ غضّ، وملامح دقيقة تمنحني طابعًا وديعًا لطيفًا.
اسمي: ريمي مورتون.
اسمٌ لطيف… يناسب هذه الملامح تمامًا.
لكن—
لم أستطع التأقلم مطلقًا مع حقيقة أنّ هذا الوجه ذاته كان مشهورًا بكونه وجه شريرةٍ سافلة، سيّئة السُمعة.
‘بهذا الشكل البريء؟ شريرة؟ تمارس الفساد؟’
أيُّ فظاعةٍ ارتكبتها حتى نبذتها العائلة باكرًا، وأجبرتها على العيش وحيدةً في جناحٍ منفصل؟
يُقال إنّ أفعالها الشنيعة بلغت حدًّا جعلها، في ريعان العشرين، لا تجرؤ حتى على دخول المجتمع، ناهيك عن مغادرة القصر.
لم أكن أعلم أيّ روايةٍ تقمّصتُها، لذا كان هذا الوضع—نسبيًا—أقلّ سوءًا…
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: لقد تقمّصتُ شخصيةً سيّئة للغاية.
وفي أحد الأيام، بعد أن بدأتُ أعتاد العيش بصفتي ريمي، مستمتعةً بظهيرةٍ هادئة—
“إنه عبدك.”
قالها أخي غير الشقيقرامون، وهو يُحضر معه فتىً صغيرًا من سلالة الذئاب.
في اللحظة التي وقعت فيها عيناي عليه، ومض الإدراك في ذهني: أيّ روايةٍ هذه، وما الدور الذي أُجبرتُ على لعبه.
<أيّها الذئب، رجاءً… لا تلتهمني>
كانت روايةً اشتهرت بقصّة حبٍّ قائمة على العداء بين خروفٍ وذئب.
قصّتها بسيطة: البطلة تنحدر من إقليم الخراف، حيث السحرة نادرون، وتكون أوّل من يُقبل رسميًا في برج السحر.
لكن في يوم عملها الأوّل، تلتقي بالبطل—ذئبٍ يسعى لالتهامها—في أسوأ لقاءٍ ممكن.
ومع تكرار الصدامات، ينبت الودّ من قلب العداء، وينتهي بهما المطاف عاشقين.
وفي هذه الرومانسية الحلوة المسمومة بالعداء…
كنتُ أنا، في هذا الجسد، الخروف الذي صنع سبب كراهية البطل للغنم.
في طفولته، فقد البطل ‘إد’ والديه في حادثٍ مروّع، فبدأ حياة التشرّد.
ثم وقع في قبضة تجّار عبيدٍ غير شرعيين، وبيع…
وكان المكان الذي انتهى إليه هو هنا، في إقليم الخراف، لدى عائلة مورتون النبيلة.
إد—الذي أصبح خادمًا للابنة غير الشرعية سيّئة الصيت، ريمي—قضى ثلاثة أشهرٍ قاسية، غارقًا في الإذلال والعمل الشاق.
نعم…
ثلاثة أشهر كاملة.
في غضون ثلاثة أشهر لا غير…
تحوّلت ريمي، دون أن تدري أو ربما دون أن تكترث، إلى جرحٍ غائر في روح إد، جرحٍ لا يندمل، وندبةٍ نفسية تلازمه مدى الحياة، كظلٍّ ثقيل لا ينفكّ عنه أبدًا.
‘لا… لحظة. أليس من غير المعقول أصلًا أن تقوم سُلالة عاشبة بقمع سُلالة لاحمة؟!’
والمثير للدهشة—بل والمفزع—أن ذلك كان ممكنًا فعلًا.
فبرغم كونه من سُلالة لاحمة، لم يكن إد سوى طفلٍ صغير، بجسدٍ لم يشتدّ عوده بعد، فاحتمل بصمتٍ مذهل كلّ ما صبّته عليه ريمي من قسوةٍ وإذلال، وكلّ ما أُجبر عليه من أعمالٍ شاقّة تنهك الجسد والروح معًا.
وسط خدمٍ لا يخفون احتقارهم لها، كانت ريمي ترى في إد الشخص الوحيد الذي يراقبها بحذر، الذي يحسب حساب خطواته وكلماته أمامها… فاستسهلته.
وهكذا، وعلى الرغم من خوفها الدفين من كونه ذئبًا—لاحمًا—راحت تزيد من أذاها له شيئًا فشيئًا، كأنها تنتقم من رعبها عبر قسوته، حتى جعلت أيامه أثقل من أن تُحتمل.
لم يخطر ببالها قط أنّ إد ذئب.
ولم يخطر ببالها أنّ له أهلًا قد يأتون بحثًا عنه.
ولم يخطر ببالها أنّ هذا الطفل قد يكبر يومًا… ويعود طالبًا الثأر.
لم يكن ذلك في حساباتها أصلًا.
فـ رامون كان قد جلب إد لغرضٍ ما،
ولأن ريمي—التي لم تتلقَّ في حياتها سوى القمع—لم ترغب في التفريط بأوّل شخصٍ بدا لها أضعف منها.
‘لا بدّ أنّها لم تكن بكامل وعيها.’
وإلا… كيف يُعقل أن يقوم هذا الجسد، الذي يرتجف رعبًا من السُلالات اللاحمة، بقمع ذئبٍ دون رحمة؟
بل إن السؤال الأشدّ إلحاحًا كان:
أيّ صنوف التعذيب مارستها عليه… حتى صار ما عاناه ندبةً أبدية في روحه؟
على أيّة حال، وبينما كان إد يقاسي الجحيم تحت يد ريمي المختلّة…
كانت عائلته الحقيقية تجوب القارّة بأكملها، تقلبها رأسًا على عقب بحثًا عنه.
إلى أن جاء اليوم المنشود.
اليوم الذي حضر فيه هو بنفسه إلى آل مورتون، بحثًا عن إد.
زعيم إقليم الذئاب، الرجل الذي تمتدّ سطوته على القارّة كلّها—
فيلي لوڤ.
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
يحلّ موعد موتي.
ويحلّ أيضًا موعد فناء هذا القصر… وكلّ خروفٍ يقطنه.
ففيلي لوڤ، حين يعلم بما تعرّض له إد، سيُبيد عائلة مورتون عن آخرها دون تردّد.
كلّ خروفٍ آذى إد…
سيمزّقه الذئاب إربًا، ويموت نهايةً شنيعة لا تُحتمل.
وباختصارٍ لا يحتمل التأويل:
إن استمرّ كلّ شيء على هذا النحو—
سنموت جميعًا.
‘لا… لاااا…!’
أنقذوا الخراف!
“………”
تأمّلتُ بصمتٍ الطفل الذي جاء به أخي.
جسدٌ نحيل يفضح سنواتٍ من المعاناة.
عينان ممتلئتان بالحذر.
ملامح متصلّبة.
وشفاه مطبقة، تتسلّل من بينها أنيابٌ حادّة تُنذر بالخطر…….
دون أن أشعر، أخذت قدماي—المنفلتتان عن إرادتي—تنسحبان نحو زاوية الغرفة.
“ما الذي تفعلينه هناك؟”
خرجتُ من خلف السرير على مضض.
وبالطبع، في نظرهما، كنتُ أبدو كشريرةٍ تقف منتصبة الظهر، لا كجبانةٍ كانت تختبئ قبل لحظة.
“إنه عبدك. درّبيه جيدًا من الآن فصاعدًا. من يدري؟ ربما تشتهرين بكونكِ الخروف الذي روّض وحشًا.”
استقرّت عينا أخي غير الشقيق، رامون، الخضراوان الباردتان عليّ.
وكان في صوته الهادئ، المملوء بالسخرية، ما زاد الغرفة ثقلاً.
“بدلًا من تلك السمعة عن خروفٍ متوحّش لا يعرف سوى الأذى.”
“…….”
ما إن غادر رامون، ناشرًا خلفه خصلات شعره الأبيض الطويل، حتى خيّم الصمت على الغرفة.
وقف إد وأنا متقابلين، على مسافة، في مواجهةٍ صامتة.
ارتجفت.
نظرة الذئب الشرس جعلت جسدي ينكمش تلقائيًا، يبحث عن مأوى.
‘اهدئي يا ريمي.’
إن لم أُسِئ معاملته، أستطيع تفادي النهاية الدموية.
سأراسِل إقليم الذئاب فورًا، وسأحسن إليه حتى يأتي بيلي لوڤ لاستعادته. سأحسن إليه… فقط أحسن إليه.
“أ… ما الذي ينبغي عليّ فعله أولًا؟”
“هك—!”
كنتُ أراقبه من خلف الأريكة، لا يظهر مني سوى عيناي، حين سألني إد بصوتٍ خافت.
‘أيّ عمل؟ اعتبر هذا المكان بيتك، واسترح!’
أليس هذا ما ينبغي قوله لترك انطباعٍ جيّد منذ البداية؟
أن أبدو كشخصٍ بالغٍ طيّب، فيُسقط الطفل حذره؟
ثم أطعمُه جيّدًا، حتى يستعيد صحّته، وحين يأتي عمّه لاصطحابه… أُعيده سالمًا.
‘ثلاثة أشهر فقط من الاستثمار في هذا الطفل…
وسأنجو بحياتي، بل وسأمنع إبادة عائلة مورتون التعيسة بأكملها.’
وبهذا التفكير، فتحتُ فمي لأقول ما أعددته…
لكن—
1. أهذه أوّل مرة تعيش فيها كعبد؟ حتى هذا يجب أن أعلّمك إيّاه؟
2. تبدو واهنًا لدرجة لا تصلح معها حتى للأعمال. اخرج، هذا مزعج.
3. اذهب وتخلّص من رائحة الذئاب القذرة تلك أولًا. إنها مقزّزة.
حدّقتُ في الخيارات التي ظهرت فجأة أمامي، وفمي مفتوح بلا صوت.
“……؟”
ما هذا بحقّ، أيّها الكاتب الوغد؟!
صرختُ في داخلي موجّهةً سيلًا من اللعنات إلى ذلك المؤلّف المجهول الذي لا بدّ أنه صنع هذا العالم.
حاولت تجاهل الخيارات والتحدّث…
لكن صوتي اختفى تمامًا.
ابتلع حلقي ريقه بتوتر، وامتدّت اللحظة القصيرة كأنها أبدية—
“سيدتي ريمي؟”
عند سماع صوت إد يناديني مجددًا، انتفضت يدي فزعًا، ولمست أحد الخيارات دون وعي.
وفي اللحظة التالية، كنتُ واقفةً بكلّ كبرياء مصطنع، أعقد ذراعيّ، وأنطق ببرودٍ جارح:
“تبدو واهنًا لدرجة لا تصلح معها حتى للأعمال. اخرج، هذا مزعج.”
آه……
لقد انتهى أمري.
التعليقات لهذا الفصل " 1"