شيون تفقد الباب بسرعة ليتأكد من أنه مغلق بإحكام، ثم قال بوجه شاحب وقد تملكه الذعر:
“ما الذي تعنين بذلك! الكاهن الأكبر، الكاهن الأكبر لا يمكن أن يكون…”
تابعتُ الكلام بهدوء وأنا أحتفظ بتعبير لطيف على وجهي:
“ألستَ على دراية بما يجري الآن داخل ديانة ليتون؟ الكهنة يطالبون العامة بمكافآت مبالغ فيها، وهناك تحالفات متفشية مع القوى السياسية، ناهيك عن توسيع دور الأيتام لأسباب لا تخفى على أحد. لا تنوي القول إن تلك الدور بُنيت بدافع الخير وحده، أليس كذلك؟ أليست الحقيقة واضحة بأن الغاية هي استغلال الأطفال كأيدٍ عاملة مجانية تحت ستار العطف والرعاية؟”
عند كلماتي، أطبق شيون فمه بإحكام رغم صغر سنه، ونظر إلى الأرض بعينين جادتين.
شعرتُ بوخز في ضميري. هل هذا صواب؟ إنه مجرد فتى، فكيف أحمّله مثل هذا العبء؟
قال بصوت منخفض:
“لستُ أفهم تمامًا ما الذي تريدينه مني.”
أجبته:
“في الأصل، المنظمات من هذا النوع يصعب تغييرها من الخارج، مهما بذلتَ جهدك. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق إلا من داخلها، على يد أحد أبنائها. بالطبع يمكن للعوامل الخارجية أن تقدم بعض الدعم، ولكن…”
ترددت الكلمات على لساني. كل ما علي قوله هو ’أريد أن أجعلك تتولى منصب الكاهن الأكبر لديانة ليتون‘، فحسب.
لكنه لا يزال في الخامسة عشرة فقط. كم هو سهل التلاعب بعمر كهذا واستغلاله.
قال بصوت متردد:
“……هل تطلبين مني أن…….”
“نعم، كما فهمتَ تمامًا. لكنني لن أُجبرك على شيء.”
وانفلتت من فمي عبارة بدت أشبه بالهذيان:
“أنا أعلم جيدًا كم هو ثقيل عبء السلطة. فالقوة والمناصب لا تُمنح دائمًا لمن يرغب بها. أحيانًا لا يكون هناك خيار آخر سوى أن يتولاها من لا يريدها أصلًا. إنه لأمر مجحف، أليس كذلك؟”
شعرتُ بجين يلمس ظهر يدي بإصبعه نقرًا خفيفًا، وكأنه يقول: ما الذي تهذين به الآن؟
فأمسكت بأصابعه وأكملت قولي:
“ما أقدمه لك ليس أكثر من اقتراح. ورغم أنني في موقف صعب، وربما أدقّ من أن يُسمى ’اقتراحًا‘ وأقرب إلى ’رجاء‘، إلا أن ضميري يُصر على أن أصفه بأنه اقتراح.”
قال شيون بحذر:
“وماذا لو أفشيتُ كلام السيدة إلى كهنة ليتون؟ ماذا ستفعلين إذن؟”
تنهدتُ بعمق وقلت:
“أليست الحياة مقامرة بطبيعتها؟ إن لم أستطع تحمّل قدرٍ بسيطٍ من المخاطرة، فكيف لي أن أحقق شيئًا؟ هناك أمور لا تُنال إلا حين نعرض ما نملك للخطر. ثم إنني، على الصعيد الشخصي، أثق في خلقك الكريم يا كاهن.”
عقد شيون حاجبيه وسأل:
“وما الذي تعرفينه عني لتثقي بي هكذا؟”
“لديّ شخص أثق به، بارع في جمع المعلومات. أثق به، ولذلك أثق بك أيضًا.”
رأيت جين يرتجف للحظة، فقد بدا كلامي صريحًا أكثر من اللازم، لكن لا بأس، فهذه المواقف تحتاج إلى جرعة من الثناء المبالغ فيه كي يشعر الطرف الآخر بأهميته.
أما جين، فهو بالنسبة لي شخص لا غنى عنه. يجب أن أبقيه إلى جانبي بأي وسيلة كانت.
الوقت مناسب الآن.
فوجوده إلى جواري لا يزال نابعًا من إرادته، حتى وإن كان دافعه غامضًا بعض الشيء. لكن من يدري متى قد يتغير قلب الإنسان؟
“……”
خفض شيون رأسه، غارقًا في التفكير.
وبصراحة، فبحسب ما سمعته من جين، فإن العرض الذي أمامه مغرٍ إلى حدٍّ يصعب رفضه.
قوة روحية هائلة، سمعة طيبة، والأهم من كل ذلك أن ذلك الكاهن الصغير لا يملك أي ’صلة‘ أو ’خط دعم‘ داخل المعبد. فهو يتيم من عامة الشعب، ولهذا يُنظر إليه بازدراء خفي من قبل الآخرين في المعبد.
وفوق ذلك، يبدو غير مهتم تمامًا بالمكائد والمؤامرات، مما جعله أكثر عزلة.
كما أن انشغاله برعاية إخوته الصغار يدفعه إلى قضاء معظم وقته خارج المعبد، الأمر الذي زاد من ابتعاده عن دوائر النفوذ.
“المصلحة العامة، أهي كذلك؟”
عند سؤال شيون، ابتلعتُ ريقي بصمت.
المصلحة العامة؟ هل يمكن حقًا تسميتها كذلك؟ لا أدري…
قلتُ أخيرًا:
“الأمر يعتمد على زاوية النظر. إن نظرتَ إليه من منظور واسع، فقد يُعد عملًا من أجل المصلحة العامة. أما من منظور ضيق، فهو مجرد محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة.”
عقد شيون حاجبيه بتوجس، وكأنه لم يستوعب ما أقصده بعد. إلى أي حد يمكنني كشف الحقائق أمامه؟
قال:
“أحتاج إلى توضيح أكثر لما تعنينه، ليدي.”
أجبته بهدوء:
“إن لم نوقف البحث الذي يجريه سمو الأمير بالتعاون مع ديانة ليتون، فالقارة بأكملها ستتحول إلى فوضى خلال وقت قصير. لقد تمزق الحاجز بين الأبعاد مرة واحدة، ومع مرور الوقت ستتسع الفجوة أكثر فأكثر حتى تصبح السيطرة على الوضع مستحيلة.”
اعترض شيون بحدة:
“وكيف لكِ أن تؤكدي ذلك، سيدتي؟ نحن لا نعرف أصل تلك المخلوقات الشيطانية يقينًا، ثم إن الإمبراطورية تملك من القوة العسكرية ما يكفي لمواجهتها، فكيف…”
قاطعتُه قائلة:
“لو كانت قوة الإمبراطورية كافية فعلًا، لما تُركت تلك الوحوش تعبث في المدينة القديمة حتى الآن. الشخص الجالس بجانبي، جين، واجه تلك المخلوقات بنفسه. وهي ليست مخلوقات يمكن القضاء عليها بالقوة المعتادة. أنا لا أقول هذا من فراغ، بل بعد تحقيق دقيق.”
نظر شيون إلى جين نظرة متفحصة وقال بصوت خافت:
“……هل حقًا قتلتَ مخلوقًا شيطانيًا من قبل؟”
ابتسمتُ وأنا أجيب بدلًا عنه:
“إنه السبب الوحيد الذي يجعلني أتحرك مطمئنة. قد يبدو متهاونًا في تصرفاته، لكنه شخص يمكن الوثوق به.”
نظر إليّ جين بدهشة، ثم ابتسم بمكر خفيف وقال:
“يبدو أن المديح اليوم غزير على غير العادة، ليدي.”
ثم أسند ذقنه إلى الطاولة وراح يبتسم لي بمرح، حتى بدا أن مديحي له ارتدّ ضدي.
“ليس مديحًا، بل حقيقة. اجلس معتدلًا.”
“نعم نعم، كما تأمرين.”
جلس جين بانشراح واستقام في جلسته كمن يستمتع بالأجواء، بينما أنا عدت أسترجع ذاكرتي، أبحث في خبايا القصة الأصلية عن تفاصيل قد نسيتها.
“منذ أن اكتشفنا أول مخلوق شيطاني، وبعد أن أدركت طبيعته، لم أستطع البقاء مكتوفة الأيدي. فخصائص تلك الكائنات تجعلها في الغالب تتطفل على البشر، وحتى إن قُتل العائل الذي تتشبث به، فإنها سرعان ما تتركه لتبحث عن آخر. ومع مرور الوقت، ستزداد قوتها وقدرتها على التكيف، بل وحتى ذكاؤها. وعندما يحدث ذلك، لن تقتصر الفوضى على الإمبراطورية فحسب، بل ستمتد لتبتلع القارة بأكملها. أيّ عاقل يمكنه أن يتوقع ما سيحدث إن تُركت الأمور على حالها.”
ارتجفت عينا شيون بوضوح، فقد بدأ يستوعب خطورة ما أقوله. يبدو أن ذكر تلك المخلوقات جعله يدرك أن الأمر ليس مجرد مبالغة.
تابعتُ:
“لم أستطع تجاهل ذلك. فأنا في النهاية مجرد الابنة الصغرى لكونت إستيلّا، وما الذي يمكنني فعله وحدي بعد معرفتي بهذه الحقيقة؟ خصوصًا في وقت تموج فيه الإمبراطورية بخلافات حول وراثة العرش. لن يكترث أحد لما أقوله.”
عندها تدخل جين، وقال بابتسامة جانبية:
“ولهذا السبب تمامًا، تسعى السيدة إلى توسيع رقعة اللعبة. ولتحقيق ذلك، فهي بحاجة ماسة إلى كاهننا الصغير هنا. ليدي إستيلّا لطيفة أكثر من اللازم، لذا حاولت تدوير الكلام بدلًا من أن تصرح بالأمر مباشرة. لكن دعني أقولها بوضوح نيابة عنها: لا خيار أمامك. ستفعل ذلك. أليست ’المصلحة العامة‘ هي ما تحب الحديث عنه دائمًا؟ أليست هي نفسها التي تُذكر في كل قدّاس لديانة ليتون؟”
بدأتُ أزن بين أن أدعه يكمل أو أن أكمم فمه. صحيح أنه يقول ما أريد قوله من دون تزييف، وهذا من بعض الارتياح، لكنه أيضًا يصرح بما لا يقال! لو كان من اللائق قول ذلك علنًا، لكنتُ أنا من فعلت، أيها الأحمق.
ألقى عليّ نظرة بدا فيها وكأنه يضيق ذرعًا بتصنّعي الهادئ، وكأنه لا يفهم سبب اضطراري للالتفاف في الحديث.
حقًا، هذا الإنسان لغز. لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، ومع ذلك، النتيجة دائمًا تصب في صالحي بطريقة ما.
قال شيون بصوت خافت:
“……ماذا عليّ أن أفعل تحديدًا؟”
فقفز جين بابتسامة منتصرة قائلًا:
“أوه، سرعان ما وافقتَ! كما توقعت، كاهننا الحكيم يدرك فورًا رقة قلب السيدة ونقاء نواياها. سمعة السيدة العطرة لم تأتِ عبثًا. هاها!”
يا إلهي… هل يحاول أن يجعلني أبدو كملاك أم كمهرجة؟ إنه بارع حقًا في ترك الناس عاجزين عن الرد.
قال شيون وهو ينظر إلى جين مليًا:
“تبدو مخلصًا جدًا، للسيدة.”
مخلص؟ لمن؟ لي؟
لم أستطع سوى أن أحدق به بوجه فارغ من الدهشة. الإخلاص كلمة لا علاقة لها بي إطلاقًا، حتى بدت لي غريبة على مسامعي.
قهقه جين وقال بمرح مصطنع:
“تُبالغ يا كاهن. هاها! سيدتي، يبدو أن حتى الكاهن لاحظ إخلاصي لك. لم يتبقَّ سوى أن تعترف أنتَ أيضًا به رسميًا. صعبٌ، أليس كذلك؟”
أطبقت فمي محاوِلةً الحفاظ على ابتسامة متكلّفة. عليّ أن أبدو متزنة. لا يمكنني الانفعال أمامه الآن.
“متى أنكرت إخلاصك لي؟ كن لائقًا فحسب.”
“نعم نعم، كما تأمرين، عليّ الحفاظ على مظهري كحارس شخصي لسيدتي بعد كل شيء.”
التعليقات لهذا الفصل "146"