‘لا أدري، لستُ هنا لأبذُل مجهودًا سخيفًا، فلماذا يفعل ذلك؟’
ترددتُ في ذهني.
عندما حدّقتُ في جين بوجهٍ عبوس، هزّ جين كتفيه وابتسم بمكرٍ لزج.
“أقصدُ أنَّ كلَّ ذلك قليلٌ بعض الشيء ليَرقى إلى مستوى سيدتِنا~. شيءٌ من هذا القبيل.”
“أنا أعلمُ ذلك أيضاً، أليس كذلك؟”
“من حسن حظّي أنكِ تعلمين.”
نظر إليَّ جين بوجومٍ.
لم أستطع أن أفهمَ ما الذي يريد قوله.
بدا وكأنَّ جين أدرك أنه بالغَ في تصرُّفٍ ما، فسعل ثمَّ تحرَّك بذراعين متلعثمتين وفتح بابَ القبو بصوت صرير.
“على أية حال، من الأفضل أن تًعودي إلى الب…”
ثمَّ أغلَقَ البابَ سريعًا.
“ما هذا؟”
بدا وجهُ جين متفاجئًا، لكنَّ دهشته لم تكن شاحبَة خوفًا بل كانت أقرب إلى الاستغراب والاشمئزاز والاضطراب.
‘لم لا أرى عليه محاولة إخفاء تعابيره؟ أم أنَّه ببساطة لا يهتمّ بإخفاء مشاعره تجاهي؟’
تمعّنتُ فيه؛ أنا بارعةٌ في قراءة الوجوه.
“همم، الأمرُ ليسُ بالكبير. فقط الهواءُ الخارجيّ يبدو باردًا قليلاً، هاهاها!”
قبضتُ على مقبض بابِ القبو بحدةٍ وعبستُ أمام سلوكه الغريب ثم نظرتُ إليه.
“يتصرَّفُ وكأنَّ الأمر لا شيء، وتطلبُ مني أن أصدّق ذلك؟”
أجاب جين ممتعضًا وهو يدحرج عينيه كأنَّه مظلوم:
“لمَ تسألين عن مثل هذه التفاصيل بينما تمرّين بسهولة على أمورٍ أخرى؟”
“هل هناك شيئٌ فعلاً؟ ما هو؟ وكيف تقول إنني مررتُ عليها؟”
سحبتُ مقبضَ الباب فتنفّس جين وقال:
“ألم تلعَبي دورَ التجاهل بالفعل؟”
اندفعتُ داخل المكتب الفوضويّ، فلم يَعُد المشهد مختلفًا كثيرًا عما كان عليه قبل قليل.
مرَّت الفكرة في ذهني بلا اكتراث: هل يقصد أنّني أتجاوز أمر هويّته الحقيقية بطريقتي؟
لم أعتقد أنَّ الأمر يستحقُّ كلَّ هذا التعقيد، فتكلّمت بصراحةٍ كما أفكّر.
‘لو سألتَ، ماذا سيتغيّر؟ أنتَ لا تبدو راغبًا في أن تبوح لي، وكمنطق عامّ، الأمور الشخصية تنتظر حتى يبدأ صاحبها بالكشف عنها؛ لستُ من سيحقّق فيها بفضولٍ مفرط. إن فكرتَ في البوح أوّلاً فلا مانع لديّ من الاستماع.’
نظرتُ حولي كما لو كنتُ أخاف من أن يسمع أحدٌ ثم همستُ كأنّي أُحادث نفسي.
‘الإنسانُ جوهره أهمُّ من خلفيّته. وأعلمُ أن هذه كلمة قد تبدو مُشكِلة، لكنّي أقولها لأنّي أقدّرك بما يكفي لتكون لك مكانة في تفكيري.’
جعد جين حاجبيه قليلًا.
“هل تريني مجرد قطعةٍ جيدةٍ لحركة شطرنج؟”
“لو كنتُ مجرد قطعة شطرنج لما تضايقتُ هكذا وأدخلتُ كلامي بالتفصيل. من الذي يعرف كيف تُعامَل قطع الشطرنج ويطرح مثل هذا السؤال؟ كفى كلامًا جانبيًا وعود بسرعة.”
تمتمتُ متذمّرةً من كلّ الأفكار التي كانت تدور في رأسي وتصدُّ الهدير في عقلي.
‘لماذا عليّ أن أتحمّل حلَّ مشكلة مخلوقٍ لم أسببه أنا؟ لماذا يُلقي الناسُ باللائمة على من هم أدنى قوةً بينما لا فائدة من نشر فعل ذلك في كلِّ مكان بسبب فارقِ القوى؟ آه…’
دلكتُ جبهتي وقلتلُ ذلك، لكنَّ من كان يفترضُ أن يبادلني السخرية اللسعية والردود الذكية كانَ صامتًا الآن.
لم أشعر بشيءٍ طيب، فألْتقطتُ بنظرةٍ جانبيّةٍ جهةَ جين، فإذا به يحدق في زاويةٍ بعينينٍ بملامحٍ توحي بالانزعاج إلى حدّ الملل.
عندما التفتُّ نحو الزاوية التي كان جين ينظر إليها، ارتجف فجأة ثم أسرع ليقف أمامي، محاولًا أن يبتسم بارتباكٍ وهو يثرثر بكلامٍ فارغ.
“نعم، يمكن قول ذلك. فماذا بوسعنا أن نفعل؟ سيدتي بهذه الروعة، والآن على السيد الصغير أن يتعلم من مثالها أيضاً، آه حقاً.”
في تلك اللحظة، شعرتُ بوخزٍ حادٍّ يخترق مؤخرة رأسي. تدفق مانا قويّ ومفاجئ جعلني أرتجف للحظة. ‘ما هذا؟ هل هو شعورٌ خاطئ؟ لا… ليس كذلك.’
وقبل أن أتمكن من قول شيءٍ لجين، أمسك بيدي فجأة وضحك ضحكةً مصطنعة.
“يداكِ ناعمتان يا سيدتي.”
“……ما الأمر؟”
“ما الأمر؟ مجرد مديحٍ بسيط لا أكثر.”
غمز بعينٍ ماكرة متصنعًا الخفة، لكنني رأيت ذلك بوضوح — خطًّا من العرق البارد ينزلق على عنقه.
—
كبح جين رغبته في السبّ بأقصى ما يستطيع، متصنعًا البرود.
‘يا لهذا المهرِ المجنون.’
كانت تلك فكرةً أقرب إلى التمرد، لكنه لم يستطع حقًا كبحها. ‘ظننتُ أنه احتمالٌ مستبعد، ومع ذلك فعلاً ظهر! من أين خرج هذا؟!’
تذكّر جين طفولته للحظة، لكنه لم يكن من هذا النوع من الفوضى. صحيح أن معلمه عانى منه كثيرًا، لكنه كان مجرد مراهقٍ عاصٍ بعناد العاصفة، لا كائنًا لزجًا كالعلقة كهذا الصغير.
‘لو أنه فقط بقي في القصر كما أُمر، لماذا تبعنا؟’
خصوصًا وأن مسكنه ليس شقةً رديئة في العاصمة يسكنها أعزبٌ بائس، بل القصر الرئيسي لعائلة إستيلّا! فما الداعي للهرب منه؟ لا يفهم، ولا يريد أن يفهم أصلاً.
‘وحتى لو فهمتُ، فماذا سأستفيد؟’
تأفف جين وهو يشعر بالضيق من مهارة داميان العجيبة في إخفاء أثر المانا وكأنه يتحدى المراقبة.
‘أكره هذا الطفل فعلاً.’
وكلما فكّر في الأمر ازداد حيرة: لماذا عهدت السيدة روين إستيلّا بداميان إليه أصلًا وهي حتى لا تعرف أنه “مستيقِظ”؟
صحيح أن ذلك يعني أنها تثق به بدرجةٍ ما، لكنّه لم يجد في نفسه ما يقوله عن ذلك سوى التنهيدة.
“ما بك؟ لمَ كل هذا الارتباك؟”
حاول جين أن يبتسم، متجنبًا النظر إلى الجهة التي سبّبت المشكلة. كانت السيدة تملك حاسة ملاحظةٍ حادّة على نحوٍ مزعج.
‘لكن مهلاً… لماذا أحاول حتى أن أغطي على هذا؟’
فوجئ بنفسه وهو يتصرف بنزعةٍ إيثاريةٍ لا تشبهه، ثم شعر ببعض الراحة وهو يفتح فمه ليقول:
“السيد الصغير، لا أعلم منذ متى، لكنه كان يتبعنا سرًا— مممف!”
وفي تلك اللحظة، ومن العدم تمامًا، وكأن قردًا صغيرًا سقط من السماء، هبط فتى في السابعة من عمره مباشرة على كتفيه، واضعًا كلتا يديه على فم جين ليمنعه من الكلام.
بقي جين صامتًا ينظر بلا انفعالٍ إلى روين إستيلّا، فيما لا يزال الطفل متشبثًا به فوق كتفيه.
كان وجهها المصدوم مثيرًا للاهتمام إلى حدٍّ لا يُوصف.
‘لكن على كل حال… إذا كان سيظهر بهذه الطريقة العلنية، فلماذا كلّف نفسه عناء تغطية فمي؟’
ظننته أذكى من هذا، لكن يبدو أنه في النهاية طفلٌ لا أكثر.
‘مهلًا، نقل فوري؟ في هذا العمر؟ هذا جنونٌ تام.’
أُعجب جين بصدقٍ بقدرة داميان ، وتوقّع أن المشهد التالي سيكون حافلًا بالفوضى — ولم يَخِب ظنّه.
فقد سقطت فجأة كلّ تلك الرصانة المصطنعة التي كانت روين إستيلّا تحاول الحفاظ عليها كنبيلةٍ متحضّرة.
“……داميان .”
“…….”
ظلَّ داميان فوق كتفي جين، كفّاه الصغيرتان ما زالتا تغطيان فمه، ولم يقل شيئًا. وكان من المؤسف أن جين لم يستطع رؤية ملامح وجه ذلك القرد الصغير. لا بد أنها كانت جديرة بالمشاهدة.
لكن الأمر لم يهمه كثيرًا — ما فائدة النظر في وجه صبيٍّ في السابعة؟ كان وجه روين إستيلّا أمامه أكثر إثارةً بأضعاف.
“هل جننتَ…؟ انزل فورًا، يا هذا!”
كانت تلك أول مرةٍ يرى فيها غضبًا دراميًّا حقيقيًّا منها، رغم أنه لم يكن غضبًا مروّعًا بقدر ما كان مشهدًا يشبه الأمهات اللواتي يصرخن في أزقّة الأسواق خلف أطفالهنّ المشاغبين.
ولم يكن يتوقع أن يرى ذلك منها… أمام شخصٍ من العامة مثله.
“…….”
“داميان إستيلّا. بأيّ وجهٍ تظلّ صامتًا وأنت فوق رأس رجلٍ بالغ؟ ألم أقل لك كيف تتصرّف بأدب مع الكبار؟ انزل الآن!”
كان وجه روين إستيلّا ينتقل بين الشحوب والاحمرار في نوباتٍ متعاقبة من الغضب والحرج، والمشهد كلّه بدا مضطربًا.
أما جين، فشخصيًّا لم يفهم لِمَ كلُّ هذا الغضب.
فهي تعرف تمامًا أن داميان مستيقِظ، وتعرف أيضًا أنه أذكى من أقرانه، ومع ذلك تفرط في القلق عليه بهذا الشكل المبالغ فيه.
‘تغرق في النعمة حتى الاختناق.’
رفع جين بصره إلى داميان الذي كان يرمقه بنظرةٍ مملوءةٍ بالاستياء والغضب، بلا أيّ تعبيرٍ على وجهه.
‘أذكى مما يجب، أم أغبى؟ لو كنتُ مكانه لبقيتُ في القصر كما أمرتْه السيدة روين. كيف يثق بسهولةٍ هكذا، وهو لا يعرف متى سيتخلى الناس عنه مجددًا؟’
‘……أو ربما لأنه ذكيٌّ فعلاً، فقد قرأ طبعها أسرع مما ظننت؟’
تجمّد وجه جين لحظةً وهو غارق في التفكير، ثم سرعان ما رسم ابتسامةً واسعة.
“لقد حذّرتُك بما فيه الكفاية يا سيدي الصغير. التحديق هكذا مخيف، هاها!”
‘الإنسانُ يمدّ رجليه على قدر فراشه.’
فكّر جين وهو يبتسم لداميان ابتسامةً شبه اعتيادية.
ويبدو أن ذلك الطفل قرّر بالفعل أن خالته هي فراشه الآمن الذي سيرقد عليه.
التعليقات لهذا الفصل "140"