قررت أن أبدو واثقةً قدر الإمكان. لم يهمّني اضطراب الفرسان التابعين للكونت من حولي، ولا أن الكونت نفسه سيغضب أشد الغضب حين تصله رسالته ويعلم أنني صعدت إلى العاصمة.
جلست أصغي بهدوء لتقريرٍ يقدّمه أحد المعلّمين الجدد لداميان ، وقد انحنى أمامي باحترام.
“لقد بدأ السيّد الصغير دروسه، لكن يبدو أنه ما زال غير منسجم معها. مع أن هذا متوقع نظرًا لذكائه الفائق على أقرانه.”
عندها، قطّب ‘إيان’ حاجبيه وهو يرمقني والمعلّم بنظراتٍ متبادلة، وكان شعره مبعثَرًا من أثر مجيئه على عجل.
“ما هذا؟”
فأجبته بلطفٍ مصطنع:
“وجدته بشقّ الأنفس. كان يعمل بجدٍ تحت الوزير، لكنّه طُرد بسبب ألاعيب السياسة في البلاط.”
“روين، ألستِ تبالغين مؤخرًا في قول أشياء لا معنى لها؟ ثمانون بالمئة من كلامك لا أفهمه.”
“اعتد عليّ.”
ضرب إيان جبهته بكفّه بتنهيدةٍ يائسة.
“أين ‘أدريان’؟”
“قال إنه مشغول بأمرٍ عاجل وسيأتي غدًا… لكن هذه ليست المشكلة، روين. ما الذي تفكرين به بحق السماء؟ وهل يصح أن تقولي مثل هذه الأمور أمام الفرسان؟”
زفر إيان بقوة ثم اعتدل في جلسته وقال بوجهٍ صارم وهو يحدّق بالفرسان الواقفين:
“كل ما يُقال هنا سرّي تمامًا. من يجرؤ على فتح فمه خارجه، فلن تُتاح له فرصة تحريك لسانه مجددًا، مفهوم؟”
“ن، نَعم يا سيدي!”
اصطفّ الفرسان على عجل وهم يرتجفون.
‘حتى وإن كان الابن الثاني، فالكونت هو الكونت على ما يبدو.’ أم أنّني أنا فقط من يتساهل معهم؟
على كل حال، كانت النتيجة فعّالة بما يكفي لتثير دهشتي.
“باستثناء المعلّم، الجميع يخرج.”
ومع صرير الدروع المعدنية، غادر الفرسان الغرفة واحدًا تلو الآخر.
“أخيرًا بعض الهدوء.”
تنفّس إيان الصعداء برقيّ وهو يحتسي رشفةً من الشاي، ثم نظر إلى المعلّم الواقف بأدب من رأسه حتى قدميه وقال:
“أيّ نوع من الخطط تخططين له حتى تحتاجي إلى رجلٍ عمل تحت الوزير نفسه؟”
“يجب أن يمرّ بتجربة التعليم الأساسي والحياة الاجتماعية بنفسه.”
ثم التفتُّ إلى المعلّم الذي بدا متوتّرًا ومطأطئ الرأس أمامي وقلت ببرود:
“اذهب ونفّذ ما أمرتك به.”
“حاضر، سيدتي.”
خرج المعلّم، فمال إيان برأسه متسائلًا:
“ما الذي يدور في بالك حقًا؟ ذلك المرتزق الذي كان يرافقك دائمًا… هل تخلّصتِ منه أخيرًا؟”
“لقد وضعت حارسًا خاصًّا لِداميان. دفعتُ مبلغًا ضخمًا مقابل استئجاره، لذا يجب أن نستفيد منه جيدًا طوال فترة العقد. لا تقلق بشأنه سدىً، بل أخبرني… هل تحقّقت مما طلبتُ منك؟”
عقد ‘إيان’ حاجبيه مجددًا وردّ بنبرةٍ ضجرة:
“تحقّقتُ، نعم. لكن توقّفي عن السؤال، فمجرد إعداد جدول جديد للأنشطة الاجتماعية غير المخطط لها أصلاً سبّب لي صداعًا لا يُحتمل.”
كان مما يدعو للارتياح أنّ ‘إيان’ و’أدريان’ أبديا تعاونًا أكبر مما توقّعت.
يبدو أنّ وفاة ‘رانييل’، واكتشاف أن لها ابنًا، شكّلا عليهما صدمةً كبيرة. أو ربما لم يكن لديهما الحافز الكافي لخوض المعمعة في هذا الوضع الطارئ.
“بالنسبة إلى ‘داميان ‘، سأستخدم قطعة أرتيفاكت لتغييره شكليًّا إلى طفلٍ في الثالثة عندما يحضر معي المناسبات الرسمية. أمّا أنت يا ‘إيان’، فمهمتك أن تجمع القوى – القوية منها والضعيفة – لتكوّن شبكةً آمنة تحمي توازننا إن حدثت فوضى.”
اتّسعَت عينا ‘إيان’ باشمئزاز وهو يقول:
“أعرف، أعرف. يا إلهي… لا أستطيع حتى أن أتخيّل إلى أيّ مدى نلعب بالنار ونحن نتحرك ضد العائلة الإمبراطورية. لكن على أيّ حال، فهمت.”
“لا تقلق، فالمتاعب الحقيقية سيتولاها ‘أدريان’.”
—
“داميان ، كيف كانت دروس اليوم؟”
أجاب الفتى بوجهٍ خالٍ من التعبير، ممسكًا بسيفٍ خشبيٍّ يغرسه في الأرض مرارًا وهو يرمق ‘إيان’.
أما ‘إيان’ فكان يزفر بين حينٍ وآخر بينما يطالع بعض الأوراق.
“لو علم والدكِ بما تفعلين الآن، يا ‘روين’، لما ترككِ تعيشين بسلام.”
“ولهذا السبب بالذات استدعيتُ الدرع الواقي، ‘إيان’. أرجوك استخدم عقلك العبقري في شيءٍ نافع للمرة الأولى.”
رفع ‘إيان’ حاجبيه بدهشة، فاغرًا فاه قليلًا.
“كلامك صحيح، لكن… هل كنتِ دائمًا بهذه الطباع؟”
“الناس يُظهرون طبيعتهم الحقيقية عندما يضيق الخناق عليهم. أليس كذلك، يا ‘داميان ‘؟”
احتضنته برفق وأسرعتُ بإخفاء القلادة الموروثة المعلّقة حول عنقه داخل ملابسه وهمست:
“داميان ، لا تُرِ هذه القلادة لأيّ شخص بعد الآن، فهمت؟”
هزّ رأسه بكسلٍ دون اهتمام، لكنني كنت أعلم أنه سيلتزم.
“إذن، ما رأيك في الدروس اليوم؟”
رفع نظره نحو ‘إيان’ وقال بلهجةٍ متحفظة:
“تعلّمتُ بعض الأشياء هنا وهناك.”
أدهشني أنه حتى في حضرة ‘إيان’ حاول أن يتحدث بأدب.
“وأصدقاؤك؟”
“بخير… إلى حدٍّ ما.”
عندها رفع ‘إيان’ عينيه عن الأوراق وتكلّم بنبرةٍ متعالية:
“طبيعيّ. فطالما يمضي وقته مع أولئك الفتيان الحمقى من العامة، يتظاهرون بأنهم نبلاء وهم ليسوا سوى مهرجين. ‘روين’، سأطلب من أحد خدمي أن يعثر على مُدرّسٍ خاصٍّ محترم له، لذا أرجوك توقفي عن هذه التصرفات السخيفة.”
ابتسمتُ له ابتسامةً واسعة وأنا أردّ:
“ولِمَ لا تنشر إشاعة بأن هناك طفلًا غامضًا في السابعة من عمره يعيش بيننا؟ يجب أن تبقى القصص غامضة، لا أحد يعرف إن كان في الثالثة أم السابعة. الغموض يُثير الخيال، أليس كذلك يا ‘داميان ‘؟”
نظر إليّ ‘داميان ‘ بوجهٍ خالٍ من الانفعال، وكأنه يقول: ‘“ألا تشعرين أنك تجاوزتِ الحد؟”’
‘أعرف، يا صغيري… وأنا مثلك تمامًا.’
“ثم كيف سنجد مُدرّسًا خاصًّا في ظلّ هذه الظروف؟ هل تملك المال الكافي يا ‘إيان’؟”
“بالطبع لديّ ما يكفي لدفع أجر معلّمٍ خاصٍّ، ولكن…”
“هل حسبت المبلغ بعد خصم كلّ ما استثمرتِه؟ هل تظنّين أنّه سيبقى ما يكفي للحفاظ على مظهركِ الأرستقراطي؟ بما أنكِ وصلتِ إلى العاصمة، فقد انتهت خياراتكِ يا ‘روين’. إن كنتِ جئتِ حقًّا من أجل أختكِ، فافعلي فقط ما كانت لتفعله هي. أرجوكِ… لا تتصرّفي كفتاةٍ ريفيةٍ جاهلة.”
لم أجد ما أردّ به على هذا، لأن عائلة ‘إستيلّا’ في الحقيقة تعيش في الريف. اكتفى ‘إيان’ بالتعبير عن استيائه بتقليب الأوراق بين يديه بعصبية.
“ثم إنّ ‘داميان ‘ أذكى منّا جميعًا، لذا لا حاجة إلى إهدار المال على مقدّماتٍ مملّة ودروسٍ لا طائل منها. التعلم المكثّف يناسبه أكثر. أما أنت يا ‘إيان’، ألم تهرب من القصر لأنك سئمت الجدل العقيم والحديث النظري؟”
لم يتمكّن ‘إيان’ من الردّ.
‘يا لهذه العائلة الفوضوية… عائلة إستيلّا الحقيقية بحق.’
تساءلت للحظة كيف كان سيؤول الحال لو أنني لم أتمالك نفسي في صغري وتصرفت على طبيعتي.
ربما كانت ‘رانييل’ لتعيش حياةً مختلفة… أو ربما كانت لتُصبح اثنتين بدلاً من واحدة.
زفرتُ تنهيدةً طويلة وبدأتُ أعبث بشَعر ‘داميان ‘ بعشوائية.
“لكن، يا ‘داميان ‘، تبدو مرهقًا اليوم أكثر من المعتاد. هل لم تنم جيدًا الليلة الماضية؟”
ارتجف قليلًا وتجنّب نظراتي.
“‘داميان ‘؟”
“… كنتُ أدرس. آسف، نمتُ متأخرًا.”
رفع ‘إيان’ ذقنه وقال ببرود:
“حسنًا، لقد ورث حبّ الدراسة عديمة الجدوى من ‘رانييل’ نفسها، نسخة طبق الأصل.”
“إيان، ‘داميان ‘ في السابعة فقط. ‘رانييل’ لم تبدأ دراسة السحر جديًّا إلا بعد الثانية عشرة.”
عندها اتّسعت عيناه وكأنه تذكّر فجأة خطأه.
“ماذا كنتَ تدرس حتى وقتٍ متأخر؟ ألم أقل لك أن تلهو قليلًا بعد الدروس؟ ألم أقل أيضًا أنه يمكنك المجيء إليّ إن شعرت بالملل؟”
قلت ذلك بنبرةٍ يعلوها العتاب، لكنه لم يواجهني، بل حدّق نحو الأفق وهمهم قائلًا:
“كنتُ أدرس الحياة.”
“… ‘داميان ‘، هل هذه كلمة تخرج من فم طفلٍ في السابعة؟”
أجاب بهدوء وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة. شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في جسدي.
‘هذا بالضبط ما كان يفعله ‘جين’!’
أربكني الأمر بشدة. ما باله يتصرّف هكذا؟ هل هذا تطوّر جيّد؟ لقد أصبح غريبًا… بل وماكرًا أيضًا.
“صحيح، لا ينبغي لي أن أحصرَك في قالب الطفل ذي السبع سنوات. فأنت فتى نابهٌ وذكي، ومن الطبيعي أن تستخدم كلماتٍ راقية. العيب عيبي أنا، لا عيبك.”
رمقني ‘إيان’ بدهشةٍ ممزوجة بالذهول وقال:
“… ماذا؟ ما هذا الكائن؟”
“ما هذا؟ إنه طفل، لا تُبالغ بردّ فعلك يا ‘إيان’. قلتُ لك إنه ذكي. إنه أفضل ما أنجبته عائلة ‘إستيلّا’، فاحترمه كما يليق.”
مررتُ أصابعي مجددًا في شعر ‘داميان ‘ بحنان، بينما تمتم ‘إيان’ غير مصدّق:
“أتساءل كيف ستكون ردة فعل ‘أدريان’ غدًا… لا، في الواقع، أكثر ما يثير فضولي هو ردة فعل والدنا.”
تنهدتُ بعمق وقطّبتُ حاجبيّ كمن مضغ قشر بيضةٍ عن طريق الخطأ.
“فقط، لا يحاول أحد منكم خيانتي.”
قال ‘إيان’ وهو يرفع حاجبه ساخرًا:
“روين، هل تظنين حقًّا أن خطة ادّعاء كلٍّ منّا أنّه والده ستنجح؟”
فور سماعي ذلك، لاحظتُ أن وجه ‘داميان ‘ قد انعقد بامتعاضٍ واضح.
“ولِمَ لا تنجح؟ فكّرتُ في الأمر جيدًا، ووجدتُ أن افتعال الفوضى بثلاثة أشخاصٍ معًا سيكون أكثر فاعلية من أن أتحرك وحدي. فقط أدّوا أدواركم بإتقان، فهذا هو السبيل الوحيد ليعيش ‘داميان ‘ بأمان. سمعتَ يا ‘داميان ‘؟”
تمتم الصغير بصوتٍ خافت:
“الأمر أصبح مختلفًا الآن…”
“هاه؟ ماذا قلت يا ‘داميان ‘؟”
أملتُ رأسي مستغربةً، فابتسم لي فجأة بابتسامةٍ طفوليةٍ لا تليق أبدًا بحديثه السابق وقال بلطفٍ مصطنع:
“لا شيء يا خالتي… أو، لا أدري، ماذا عليّ أن أناديكِ من الآن فصاعدًا؟”
التعليقات لهذا الفصل "116"