كان جين يلهث كما لو كان قد ركض مسرعًا، ولحسن الحظ لم يكن هناك أحد خلفه.
شعرت فجأة بأن توتري الذي ظل مشدودًا طيلة الوقت قد انفرج دفعة واحدة، فاحتضنت دميان بقوة وانهرت على الأرض وأنا لا أزال ممسكة به.
كان دميان قد فقد وعيه تمامًا، يخرج أنفاسًا متقطعة وهو ممدد فوق جسدي، أما إرث إستيللا المعلق حول عنقه فقد فقد قيمته في لحظة وأصبح لا يساوي أكثر من مجرد قصاصة ورق.
فكرت في داخلي: ‘لقد انتهى أمري… قريبًا سيصل خبر ما حدث إلى مسامع الكونت.’
كانت قيمة هذا العقد تقارب ما يعادل 2500 مليار وون تقريبًا، فهو أحد أغلى القلائد في الإمبراطورية. ولو كان الأمر أشبه بلعبة، لكان من القطع الأسطورية النادرة.
لكن هذا العقد تلوث للتو. يا للروعة!
صرخت من بين أسناني: “إنداميون هيرس، ذلك الحقير… سأجعله يدفع الثمن يومًا ما…”
كنت أضم قبضتي بقوة ويدي ترتجف، بينما لا يزال دميان مستلقيًا فوق بطني. بالطبع، لا ينبغي أبدًا التلفظ باسم أحد أفراد العائلة الإمبراطورية علنًا، لكن ما أهمية ذلك الآن؟ من سيسمعني أصلًا.
مع كل نظرة ألقيها على دميان المغمى عليه، كان الغضب يغلي في داخلي أكثر فأكثر.
من هو السبب الحقيقي وراء كل هذه الفوضى؟
إنهم أولئك النبلاء من العائلة الإمبراطورية الملعونة. لا يملكون أي كفاءة حقيقية، ومع ذلك يتفاخرون بدمائهم النقية ويعتلون قمة هرم الطبقية الاجتماعية. هذا وحده يكفي لجعلي أفقد صوابي.
والمضحك أنني وُلدت في هذه الحياة ضمن الطبقة المميزة نفسها، ومع ذلك قضيت عمري أحاول الهروب من الواقع وأعيش مطيعة، لا أثير أي ضجة.
لكن كما هو واضح، لقد انهار كل شيء تمامًا.
أشرت بيدي إلى جين الذي كان يقف عند الباب محدقًا بي بوجه مرتبك، وقلت له: “ما بالك واقفًا هناك كالأبله؟ إن لم يكن لديك ما تقوله، فأغلق الباب وادخل بهدوء.”
أسرع جين إلى إغلاق الباب وتقدم إلى داخل المكتبة. عدلت جلستي بعد أن كنت ممددة على الأرض، واحتضنت دميان مجددًا بينما ملامح الضيق تملأ وجهي.
‘يا ترى، ما الذي كان يتحمله هذا الطفل بمفرده؟ كيف لم أنتبه إلى أن حالته كانت تسوء؟’
لا يُعقل! صحيح أنني كنت مشغولة مؤخرًا بمحاولة فهم الوضع السياسي العام، لكنني لم أهمله أبدًا. كنت دائمًا بجانبه لأدعمه نفسيًا.
ومع ذلك لم ألحظ شيئًا.
قال جين وهو يحدق بي: “ليدي، ما الذي…”
لكن نظرته انزلقت نحو الفتحة الصغيرة في ملابس دميان حيث ظهر الإرث العائلي، فتجهم وجهه على الفور.
قاطعت كلامه بسرعة: “أعرف، فلا داعي لأن تذكرني بذلك.”
كنت أعلم ما كان سيتفوه به، ولحسن الحظ لم يتبع كلامي أي توبيخ إضافي منه.
جلست مستقيمة أراقب حالة دميان. كان عرقه البارد يبلل جبينه، وشعره الأبيض التصق بجلده كخط مستقيم.
سألته: “هل استدعَتك كاثرين؟”
رد جين: “ليس تمامًا. لكن الآنسة كاثرين بدت منشغلة فجأة بإرسال رسائل لإلغاء مواعيدك، فقلقت وجئت لأرى ما الأمر.”
كان جين يتحدث بنبرة هادئة غريبة، وكأنه يتعمد التماسك. ألقيت نظرة على التحفة السحرية المتحكمة في مظهره والمثبتة بدقة في يده.
قال بصوت متردد وهو يحدق في القلادة المعلقة على عنق داميان : “هل السيد الصغير بخير؟”
لا عجب أن الأمر أزعجه، فالقلادة التي كانت تتلألأ قبل قليل قد تحولت على الفور إلى لون أسود كئيب ينذر بالشؤم.
عبست ونظرت إلى القلادة الملعونة. مجرد النظر إليها كان كافيًا لجعل شعور غريب من الظلام يتسلل إلى المكان، وكأنها قطعة تحمل لعنة.
بمعنى آخر، هناك أحد الأوغاد الحقيرين الذين تجرؤوا على إدخال شيء كهذا في جسد طفل.
هل يمكن أن يكون إنسانًا؟
لكن، من سيستطيع التمييز بين الإنسان والوحش في هذا المكان البائس أصلًا؟
قرصت خدي بقوة وأنا أشعر بأن ما تبقى لدي من إنسانيتي يتلاشى يومًا بعد يوم.
‘لا تفكري بسوداوية. كلما سمحتِ لهذا الاشمئزاز بأن يتجذر، لا يعود إليك سوى الحزن في النهاية.’ ومع أنني أعرف هذا جيدًا، إلا أنني أعود وأقع في نفس الدوامة كل مرة.
قلت بصوت حازم وأنا أحمل داميان بين ذراعي: “لا شيء. على ما يبدو أن التجربة التي خضع لها في ذلك المرفق لم تجرِ على ما يرام، وظهرت بعض الأعراض الغريبة، لكن يبدو أننا تمكنا من السيطرة عليها، فلا تقلق كثيرًا.”
ثم تابعت وأنا أتقدم خطوة إلى الأمام: “هل يمكنك أن ترشدني إلى غرفتي؟ كما ترى، من الأفضل أن أبقى بجانبه.”
—
كان داميان يتجول داخل حلمه. كل ما حوله كان أسود.
قال صوتٌ بعيد: “يا إلهي… كيف يمكن لطفل أن يتعرق هكذا وهو نائم؟”
مرّ على جبينه ملمس دافئ وناعم. كان هناك من يمسح العرق عن جسده باستمرار، فيما هو مستلقٍ بهدوء على سرير ناعم لم يختبر مثله من قبل.
رائحة نظيفة، دافئة، لم يعرفها من قبل.
نسيم لطيف يهب في المكان.
لا صوت لحشرات تزحف على الأرض، ولا صرير فئران تتسلل من شقوق الجدران.
لا رائحة عفن، ولا دم، ولا غبار.
وقبل كل شيء…
وجه دافئ كان قد نسي ملامحه تقريبًا مرّ أمام عينيه.
قال الصوت برقة حزينة: “انظر إليه، حتى في نومه يتمتم باسم أمه… كم هو مؤلم. حتى لو أردتُ، لا يمكنني أن أكون مكانها.”
وفجأة، انهمرت الذكريات على عموده الفقري كطعنة باردة.
‘أنت لست بشراً.’
‘أرجوكم… سامحوني… أنا آسف… أستطيع أن أفعل أفضل… أرجوكم!’
‘داميان ، ساعدني!’
فتح داميان عينيه فجأة. لم يكن في غرفة تربية أشبه بقفص بعد الآن، بل كان السقف مزينًا بلوحات فنية فاخرة، ووجه مألوف يواصل مسح عرقه البارد.
“آه، داميان ، استيقظت؟ كيف تشعر؟ هل يؤلمك شيء؟”
تطلع داميان بملامح متحفظة نحو روين إستيلا، ثم نظر لا إراديًا إلى يديه وقدميه. شعر بأن كل الإحساس الثقيل الذي كان يثقل جسده قد اختفى. حتى الطنين الكريه في رأسه قد تلاشى.
مد يده إلى عنقه ليتفقد إرث والدته، ثم عبس. كان الحجر الذي كان يومًا ما يلمع، قد اسودّ وتلبسته هالة مخيفة تنذر بالشر.
قالت روين بنبرة عابثة وهي تحاول إبعاد نظره عن القلادة: “كفّ عن التحديق في القلادة. إن واصلت الانحناء هكذا، ستصاب بتقوس في عنقك.”
كان واضحًا أنها أجبرته على تحويل نظره عنها. لمس داميان القلادة بأصابعه، ولم يستطع إخفاء امتعاضه.
قالت روين مبتسمة: “بالمناسبة، أليست أجمل بكثير الآن بعد أن أصبحت سوداء؟ إنها تبدو أنيقة جدًا، أليس كذلك يا جين؟”
رد جين، الذي كان متكئًا على الحائط في الزاوية، بهزة رأس مترددة وملامح غير مرتاحة.
“نعم، حسنًا… تبدو فاخرة نوعًا ما. هاها.”
لقد تسبّب هو في تدمير إرث والدته الوحيد. الشيء الوحيد المتبقي منها تحطم بالكامل.
وفجأة، مدّت روين يدها تعبث في جيبها، ثم ناولت داميان دفترًا صغيرًا.
قالت بهدوء: “أمك تركته عندي.”
رفع داميان رأسه ببطء ونظر إلى وجه روين دون أن ينبس ببنت شفة. روين لوّحت بالدفتر الصغير أمامه وهي تقول بحزم:
“هذا هو إرث والدتك الحقيقي. أما القلادة التي ترتديها، فهي في الواقع تعود إلى جدك، لا إلى أمك. لذا، لا تصنع ذلك الوجه الحزين.”
أُدخل الدفتر في يده الصغيرة، فأمسكه بقوة.
“لا تشغل بالك بتلك القلادة، إنها لا تعني شيئًا. فقط لا تخلعها إلا للضرورة. والآن، كيف تشعر؟ إن كنت تتظاهر بأنك بخير رغم الألم، ستتعرض للتوبيخ من خالتك.”
ظل داميان يحدق بصمت في الأرض بينما قبضته تشدّت على الدفتر. شعور خانق، موجة من الانفعال تصاعدت من أعماق معدته حتى بلغت حلقه بسرعة خاطفة.
ضغط على أسنانه لا إراديًا.
قال جين بنبرة خفيفة محاولًا كسر التوتر: “إحم… ليدي، سأذهب الآن لأنجز بعض الأمور. أراك لاحقًا، هاها.”
كان قد التقط بذكاء الجو المشحون، فانسحب من الغرفة. وما إن أُغلِق الباب، حتى انفجرت كل تلك المشاعر التي ظل داميان يكبتها طوال الوقت.
حدق بالأرض محاولًا ألا يبكي. قبضتا يديه كانتا ترتجفان بقوة، لكن الدموع تساقطت رغمًا عنه، مبللة بنطاله المصنوع من قماش فاخر لا يناسبه.
وفي اللحظة التالية، غمره دفء لطيف من كل الجهات.
قالت روين بصوت دافئ وحنون: “لا بأس… لا داعي لأن تكتمها. أمام خالتك، يمكنك أن تبكي. لا أحد سيلومك على ذلك.”
احتوته بين ذراعيها، يلفه عبق مريح وملمس ناعم. التصق رأسه بصدرها وبدأ جسده يرتجف.
“ههق… خه… ههق…”
خرجت أصوات بكاء مكبوتة من بين أسنانه، فيما راحت تربت على ظهره برفق وإيقاع ثابت.
قالت بهدوء: “حين تُبقي الألم في داخلك، فإنه يتعفن يا داميان . لا أعلم ماذا قالوا لك في ذلك المكان، لكن تجاهل كل ما قالوه أولئك الوحوش. فهم لم يكونوا يومًا بشرًا حقيقيين، فكيف تثق بكلامهم؟”
داعبت أناملها الدافئة خده، وما كان منه إلا أن عقد ملامحه وبدأ يبكي بصدق.
قالت روين بابتسامة خفيفة وهي تشدّه إلى صدرها أكثر: “خالتك ستلقّنهم درسًا… أعني، ستعاقبهم. عندما أقرر فعل شيء… فأنا أستطيع تنفيذه.”
ثم نظرت إلى عينيه مباشرة، وابتسمت بلطف أكبر: “خالتك تعرف أشياء كثيرة أكثر مما تتخيل.”
كانت الرؤية أمامه مشوشة من الدموع. حاول مسح عينيه بأكمامه، لكن يد روين أوقفته برفق، ثم أمسكت بقطعة قماش ناعمة ومسحت دموعه بنفسها.
قالت بنبرة هادئة وحازمة في آن واحد: “خالتك ستحميك يا داميان . لذا… لا تتحمل كل شيء وحدك. دع خالتك تتحمل معك القليل، أليس كذلك؟”
التعليقات لهذا الفصل "105"