ساد الصمت المكتبة تمامًا بعد كلمات داميان القاطعة.
حتى بعد اعتذاري، ردّ عليّ كالسيف دون تردّد.
ما زلت لا أستطيع فهم طبيعة هذا الطفل.
هل أنا حقًا انغمست في عالم الرواية؟ هل قرأتُ القصة الأصلية كما يجب؟
كان داميان ينظر إليّ بعينيه الهادئتين دون أن ينبس ببنت شفة، وكأن التوتر والارتباك والقلق كلّها تخصّني وحدي.
لكن ما أثار سخطي حقًا هو أن هذا الهدوء منه أغاظني.
‘طفلٌ صغير يجب أن يتصرّف كطفل، فلماذا يتقبّل كل شيء بهذه البساطة وكأنه شخصٌ ناضج؟ مهما كان بطل القصة، فهذا كثير عليه!’
في تلك اللحظة، أدركت أن لقب “بطل الرواية” لم يعد ذا معنى.
منذ رأيت وجهه ذاك — الوجه الذي يصرخ أنه من دمي ولحمي — شعرت وكأن حاجزًا داخليًا كان يحميني قد تحطّم إلى شظايا زجاجية، تمزّق روحي كلّما تحركت.
عضضتُ شفتي الجافة، ثم مددت يدي أُربّت على ذراعه برفق.
“داميان ، هناك شيء آخر يجب أن أعتذر عنه. هل يمكنني أن أقوله لك؟”
لم أرَ في تلك النظرة حقدًا أو غضبًا، وهذا كان، بطريقةٍ ما، أمرًا مطمئنًا.
في الحقيقة، رغبت لو أنه انفجر في وجهي — لو صرخ، أو غضب، أو حتى بكى كطفلٍ حقيقي.
‘قل إنك تفتقد أمك! قل لماذا لا أُخبر والدك بوجودك! قل إنني لستُ من يحق له أن يتصرّف كوالدتك!’
لكنني كنت أعرف أن لو قالها حقًا، لكان الأمر مؤلمًا أكثر.
‘ما الذي أريده أصلًا من هذا الطفل؟ ماذا أريد أن أفعل به؟’
لابد أن ملامحي كشفت اضطرابي، لأن حاجب داميان ارتفع ببطء، بعينين حادتين تفحصانني.
“أنا لست غبيًّا. أعرف كل شيء.”
“هاه؟”
تلعثمتُ كالأحمق مرة أخرى.
أما هو، الصغير ذو السبعة أعوام، فتابع كلامه بسلاسةٍ تُشبه حديث البالغين:
“في النهاية، البقاء هنا هو الخيار الأفضل بالنسبة لي، أليس كذلك؟”
لم أعد حتى أتعجب من مفرداته الناضجة.
“وأعرف أيضًا… أن الخالة والعم لا يفرحان بوجودي كثيرًا.”
اتسعت عيناي من الدهشة، واضطررت إلى الردّ فورًا.
كيف لي أن أقرّ بكلامٍ كهذا؟
“ما الذي تقوله يا داميان ؟ لماذا تظن ذلك؟ أنت في بيت إستيلا، في الجناح الخاص بها! لو لم تكن موضع ترحيب، لما كنت هنا من الأساس!”
لكن رغم نبرتي القلقة، ظلّ ينظر إليّ بلا انفعال، ثم قال ببرودٍ مؤلم:
“قلت لك إنني لست غبيًّا. هنا على الأقل يُقدّمون لي طعامًا حقيقيًا.”
ثم شدّ طرف ثوبه قليلًا وأضاف، بنبرةٍ هادئةٍ تقتل أكثر مما تصرخ:
“ورائحته لم تعد كريهة.”
رفع نحوه نظره الحمراء اللامعة، حدّق بي مطولًا، وكأنه يوازن فكرةً ما في رأسه، ثم همس بجملةٍ كالصاعقة:
“…ولأنك تشبهين أمي تمامًا.”
تذبذب بصره القرمزي هنا وهناك، ثم عضّ شفتيه الصغيرتين بشدّة.
رأيت قبضتيه الصغيرتين تنغلقان بإحكام.
‘اللعنة…’
أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتهما ببطء.
دون أن أشعر، امتدت يدي نحو خدّ داميان ، وبدأت أُداعب وجنتيه الناعمتين ببطء.
“داميان ، آسفة، لكن هل يمكن لخالتك أن تتحدث بصراحة قليلاً؟”
أومأ داميان برأسه دون اكتراث، رغم أنّ الشخص الجالس أمامه كان بعيدًا كل البعد عن الهدوء.
‘حسنًا، على الأقل هو هادئ، هذا مطمئن نوعًا ما.’
“هل تريد أن تصبح إمبراطورًا؟”
عقد داميان حاجبيه فورًا وكأنه يقول بوضوح: ما هذا الهراء؟
حدّق بي طويلًا، وكأنه ينتقي كلماته بعناية، ثم تكلّم أخيرًا.
“ولِمَ عليّ أن أفعل ذلك؟”
مددت ساقيّ بعد أن كنت جاثية، ثم وقفت وأمسكت بيد داميان .
جلسته برفق على الأريكة وقلت بأكبر قدر ممكن من الهدوء:
“هناك ما يُسمّى بـ ‘ظروف الكبار’. الآن، لا خيار أمامي سوى أن أجرّ خالك أيضًا في هذا، وأن أضع كل ما أملك على طاولة مقامرة واحدة معك يا داميان . ما رأيك؟”
نظر إليّ هذه المرة بعينين متسعتين من شدّة الذهول.
فابتسمت له وأجبت بلطف، ‘إذا كان مستوى وعيه أكبر من عمره، فعليّ أن أتعامل معه على هذا الأساس، لا مفرّ.’
“آسفة يا داميان ، لكن بصراحة، القرار محسوم. يجب أن تصبح إمبراطورًا.
وإلا أنت، وأنا، وأخوالك…”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ورسمت بإبهامي خطًا على عنقي.
“لكن من باب الأخلاق، كان لا بدّ أن أسألك رأيك، أليس كذلك؟ صحيح، أنت لا تعرف شيئًا، ومع ذلك أريد أن أسمع منك إجابة واضحة حتى أخفف من شعوري بالذنب وأُقنع نفسي ببعض المنطق. أتدري لماذا؟”
أشرت إليه بإصبعي وواصلت قولي:
“لأنني أشعر نحوك بذنْبٍ كبير. لكن لا تفكر ولو للحظة أني قبلت مسؤوليتك مجبرةً بدافع ذلك الشعور فقط.”
تنهدت بعمق وأمسكت بكلتا يديّ كتفيه الصغيرتين، أنظر إليه بثبات.
“لم تُنبَذ يا داميان . قراري هذا سببه أن وضع والدك الآن في غاية السوء، وإن انكشف أمرك فستصبح في خطر.
لكن إن عَلم بوجودك يقينًا، فسيُقدِم على تحمّل المسؤولية الكاملة.
إن تكلمنا بصراحة، لم يكن والدك يتجاهل أمك عمدًا، لقد حاول الوصول إليها، حاول فعلًا. وهذه نقطة يجب أن نُقِرّها.”
بدأت عينا داميان ترتجفان.
‘الوضع ليس الأفضل، لكن هذا هو الصواب. فالوحيد الذي يملك حق القرار في كل هذا هو داميان نفسه، لا أنا.’
“إذن، يا داميان ، هل يمكن حقًا أن تتصرف خالتك على هواها؟
هل أنت متأكد أنك لا تريد رؤية والدك الآن؟”
تردّد داميان قليلًا.
يبدو أنه ظلّ يعتقد طوال الوقت أن والده قد تخلّى عنه وعن أمه.
ورغم أن ذلك الاحتمال كان كبيرًا، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
‘حتى لو كان ولي العهد يحبّ رانييل حبًا حقيقيًا، فالوضع من الأساس ميؤوس منه.
فالحب لا يطعم خبزًا، وإذا كان جادًا في حبها، لكان وجد طريقة لإنهاء ارتباطاته السياسية وطلّق زوجته الحالية على الأقل.’
‘لكن لا فائدة من العواطف وحدها. ما نفع الحب إن لم يستطع البالغون مواجهة الواقع؟’
ومن هنا كان واضحًا تمامًا أن انكشاف وجود داميان لن يجلب لولي العهد سوى المتاعب.
‘نعم، ربما يحبّه لأنه ابنه ولأنه يحمل ملامح المرأة الوحيدة التي أحبها… لكن ذلك الحب؟’
‘حتى من دون أن أرى، يمكنني تخيّل النهاية.’
كيف يمكن لداميان أن يعيش في القصر الإمبراطوري مدلَّلًا ومحبوبًا من والده، بينما أمير إنداميون نفسه —أقوى ممثلي فصيل النبلاء الشرقيين— ما زال على قيد الحياة وتراقب كل شيء بعينيه الزرقاوين الحادتين؟
مستحيل.
سيُضطر إلى العيش مختبئًا طوال عمره.
حتى أبناء النبلاء غير الشرعيين يعيشون متخفّين، فكيف بابنٍ غير شرعي من سلالة ملكية؟ سيكون الأمر أسوأ بكثير.
بل إن ولي العهد نفسه سيحرص على إخفائه أكثر، كي يضمن سلامته.
‘اللعنة، حياتي أنا على المحك أصلًا، والآن عليّ أن أقلق بشأن حقّ الحضانة أيضًا؟’
أمسكت يد داميان بإحكام، ونظرت إليه بجدية.
صحيح أنه في السابعة فقط ولا يملك الأهلية لاتخاذ قرارات حاسمة، لكن من الأفضل أن أسمع رأيه على أي حال.
“هل يمكنني أن أستغلّك قليلًا؟”
تسمرت شفتا داميان ، وبدت عليه الحيرة.
وكأنه يسأل بعينيه: ولماذا تسألينني شيئًا كهذا أصلًا؟
انعقد حاجباه الصغيران، وبدأت يداه تعبثان بيدي الممسكة به، يفكر بجدّية.
‘أتفهّم ذلك تمامًا.’
لو كنتُ في مكانه، وظهرت لي فجأة “خالة” مجهولة لتقول هذا الكلام، لرششتها بالملح وطردتها من حياتي.
لكن داميان … بدا أنه يفكر بطريقة مختلفة.
“إذا فعلتِ ذلك، فلن أضطر للبقاء وحدي؟”
“…….”
زفرت بعمق، ثم احتضنته بشدّة.
“ولِمَ أتركك وحدك أصلًا؟ لن تكون بمفردك حتى لو لم أفعل شيئًا من هذا القبيل.
ما دمتُ على قيد الحياة، وما دمتُ أنا من وجدك، فلن تكون وحيدًا بعد الآن.”
شعرت به يتحرك في حضني، يحاول أن يندسّ أكثر بداخله.
‘ما ذنبه؟ إنه مجرد طفل في السابعة من عمره.’
بدأت أربّت على مؤخرة رأسه بحنان.
رفع رأسه قليلًا وسأل بصوت خافت:
“لن تتركيني؟”
“داميان ، لم تُترَك أصلًا، أليس كذلك؟
أنت تعلم أن أمك لم تتخلَّ عنك، فلا تفكر بتلك الطريقة السلبية.”
عندها ضغط جبينه الصغير على صدري كما لو كان طفلًا غاضبًا يعبّر عن امتعاضه.
ظلّ هكذا لبرهة، ثم قال فجأة:
“أنا أتألّم.”
“…….”
تجمّدت مكاني. ماذا؟ الآن؟
وبينما يتكلم، بدأ جسده يصدر حرارة قوية بشكل مفاجئ.
التعليقات لهذا الفصل "103"