كان يجب أن أسحب يدي، لكنّ يده الكبيرة منحتني القوّة فلم أستطع.
استنشقتُ بعمق مستندة إلى الدفء القادم من يده الدافئة، فطرق هاروت المكتب الخشبيّ بقوّة.
«لماذا سرقتِ أغراض ليز وكذبتِ قائلة إنّها تضايقك؟ هناك شهود، فلا تفكّري في الكذب».
«سرقة أغراض ليز؟ لم أفعل ذلك أبدًا».
«الدبّوس! ظننتِ أنّنا لن نعرف بسرقة دبّوس ؟»
ارتجفت كتفا مينا عند صراخ هاروت.
«نـ، نسيتُ. رأيته صدفة وكان جميلًا جدًّا فلم أتمالك نفسي! أخطأتُ!»
نظر الجميع إلى مينا ببرود، باستثناء رئيسة الخادمات التي لم ترَ التسجيل لأنّها ذهبت لإحضارهما.
«لكنّ ليز كانت تضايقني حقًّا. كانت تتصرّف بلطف أمام الناس، لكنّ ذلك كلّه تمثيل».
أومأ الحارس السابق بقوّة، غير مدرك للوضع.
«كانت تفرّغ ضغوطها التي تتلقّاها من تمثيل الطيبة عليّ كرفيقة غرفة. تجبرني على تنظيف الغرفة، وتركلني إذا ساء مزاجها. الضرب كان يوميًّا».
«متى فعلتُ ذلك؟»
لم أتحمّل فسحبتُ كرسيّي ووقفتُ. نظرتْ مينا نحوي بفزع عند سماع الصوت.
«ليز؟»
تفحّصتني ثمّ شوّهت وجهها، كساحرة من القصص القديمة.
«مينا، متى ضايقتكِ أصلًا؟ هل أذيتكِ قبل مرضي؟»
رغم وجود بعض الفراغات، استعادتُ الكثير من الذكريات في قصر ستيا. ولم يكن بينها أيّ خلاف مع ميني.
«إذا لم يكن كذلك، لماذا اختلقتِ أكاذيب؟ صحيح أنّ مكاني كان قذرًا، لكنّني كنتُ أنظّف الغرفة بانتظام، ولم أرفع يدي عليكِ أبدًا. والدبّوس لم تريه صدفة، بل بحثتِ في أغراضي!»
غضبتُ أكثر مع الكلام، فدفعتُ الطاولة جانبًا وتقدّمتُ.
وقفتْ مينا فجأة بعد أن رأت فستاني الفاخر ومجوهراتي، وحدّقتني بشراسة.
«كنتُ أكرهك».
كانت نظرتها شديدة جدًّا جعلتني أتراجع خطوة دون إرادة.
«لماذا أنتِ! لماذا لستُ أنا بل أنتِ؟ لماذا اختارك الدوق! من أنتِ أصلًا!»
«ذلك…».
«لو لم تكوني أنتِ والدوق تحبّان بعضكما، لما اضطررتُ لإغواء هذا الغبيّ البائس!»
ارتعش حاجبا الحارس السابق، مدركًا الوضع أخيرًا.
«أغويتُ هذا الأحمق ليُزعجك، لكنّه لم يعالجكِ بشكل صحيح! لماذا عدتِ سليمة!»
الآن فهمتُ تصرّفات مينا الغريبة عندما انتشرت إشاعة أنّني عشيقة هاروت السرّيّة.
لم تستطع الشتم علنًا، فتصرّفتْ بهذه الطريقة الخبيثة. حقًّا، ماري التي تشتم علنًا تبدو لطيفة مقارنة بها.
«نفي الأمر الآن مضحك، لكنّني والدوق ستيا لسنا على تلك العلاقة. صحيح أنّني اشتهرتُ كعشيقته السرّيّة، لكنّ شيئًا لم يحدث».
«لا، أنا أحبّك».
قبل أن أسخر، وقف هاروت فجأة. اقترب منّي مسرعًا ومدّ يده كمن يُدفع إلى حافّة الجرف.
«ألا تتذكّرين حديثنا قبل أن تمرضي؟»
«أيّ حديث تقصد؟»
شعرتُ ببرودة في ظهري فجأة. همس أحدهم في أذني أنّه لا يجب أن أعرف.
«لا، لا داعي لقوله».
تراجعتُ مسرعًا جدًّا فاصطدمتُ بالطاولة.
«آه».
وقف وليّ العهد ليساعدني، لكنّ هاروت أمسك يدي أسرع. كانت كفّه الخشنة مألوفة وغريبة في الوقت نفسه.
«حقًّا نسيتِ كلّ شيء بيننا».
قالت غريزتيّ اهْرَبي، لكنّ قبضته القويّة منعتني.
«قبل أن أذهب لقمع التمرّد، اعترفتُ لكِ، ألا تتذكّرين حقًّا؟»
بلّلت عيناه السوداوان الداكنتان بالدموع.
«قلتُ إنّني أحبّك، فاقبلي حبّي».
«أنا…».
«كنتِ دائمًا ترفضين، لكنّ تلك المرّة كانت مختلفة. قلتِ إنّكِ ستفكّرين جدّيًا، وستعطيني الجواب عند عودتي».
«نعم، رفض».
أجاب أشيريل بدلًا عنّي. احتضن كتفيّ من الخلف ووضع ذقنه على رأسي.
«يبدو أنّها نسيتْ لأنّها لا تريد الإجابة. فتوقّف عن إجبار ليز الجميلة؟»
«اخرس!»
دفع هاروت أشيريل بقوّة. انبعثت طاقة سوداء من يده.
«ماذا، هل نتقاتل؟»
«كفّا! كفّا كلاكما. ماذا لو أصيبت الآنسة ريليز؟»
سحب أشيريل وهاروت قوّتهما، لكنّهما استمرّا في التحديق بشراسة.
ليس من حقّي القول، أنا السبب في شجارهما، لكنّ صداقتهما تبدو رخيصة جدًّا بسبب امرأة واحدة.
«دوق ديلات، ألا يجب أن ندع دوق ستيا يكمل حديثه أوّلًا؟ حقّ الآنسة ريليز في الاستماع ثمّ اتّخاذ القرار».
«ماذا لو قبلتْ حبّ هذا الوغد؟»
«حينها…».
حسنًا، لحسن الحظّ أنّ وليّ العهد طبيعيّ.
«ماذا لو عالجنا دوق ستيا أوّلًا؟»
«ثمّ أنتَ وأنا، واحد لواحد؟ جيّد».
إلغاء كونه طبيعيًّا.
على أيّ حال، عقد أشيريل ذراعيه ومال برأسه، لكنّه أغلق فمه. بقي وليّ العهد صامتًا كعادته.
كان هاروت لا يزال غارقًا في مشاعره، عيناه رطبة كأنّه لم يتقاتل أبدًا.
«قرّرتُ الانتظار لأنّكِ فقدتِ جزءًا من ذاكرتك، لكنّني لم أعد أتحمّل. فكرة أن تذهبي إلى رجل آخر تؤلمني جدًّا…».
إذًا، ريليز قبل المرض كانت على علاقة جدّيّة بهاروت؟
على الأقل هاروت كان صادقًا، لذا عاملني بلطف رغم عدم تذكّري شيئًا؟ ظننتُ أنّ اهتمامه بخادمة عاديّة مفرط، لكنّ هناك هذه الحقيقة؟
فقدان الذاكرة ليس خطأي، لكنّني شعرتُ بتأنيب الضمير فجأة.
«ليز، حقًّا لا تتذكّرين شيئًا عنّا؟ تبادل النظرات السرّيّ والابتسام، الارتجاف عند لمس الأصابع، اللقاءات في الحديقة تحت القمر؟»
يبدو أنّ هناك أمورًا غريبة مختلطة، لكنّني ركّزتُ لأتذكّر ولو شيئًا صغيرًا.
هاروت ستيا يقول إنّه يحبّني. تذكّري كلّ ما سمعته، يا أنا!
«آخر مكان التقينا فيه كان عند البركة بعد المبنى الملحق. كانت ليلة هلال».
أضاف هاروت بجدّ، لكنّني مهما فكّرتُ لم أتذكّر شيئًا، ماذا أفعل؟
«سـ، سيدي الدوق».
آسفة، لا أتذكّر شيئًا.
تردّدتُ أمام عينيه الزرقاوين المليئتين بالأمل، فالتقت عيناي بمينا الشاحبة.
«أ…».
ضربتني ذكرى قويّة واحدة.
«أنتِ…».
رفعتُ يدي ببطء مشيرة إليها، فأظلمتْ الرؤية أمامي.
***
كرييك!
في اللحظة التي أدركتُ فيها أنّ الضوء القريب جدًّا هو من مصابيح سيّارة.
<أريد الحرّيّة>.
سمعتُ صوتًا غريبًا ومألوفًا في الوقت نفسه.
هادئًا، لكنّه يشبه صوت سنجاب يصرخ «تشيك!».
<هل هناك مكان لا يفرض فيه النبلاء حبّهم عليّ تعسّفيًّا؟ إذا ولدتُ من جديد، أريد مكانًا كهذا>.
أدرتُ رأسي، فرأيتُ شابّة لطيفة بشعر بنّيّ فوضويّ.
إنّها أنا!
لحظة، إذًا أنا من؟
نظرتُ إلى جسدي مسرعة، فكان جسدي قبل أن أصبح ريليز.
إذًا هذه ريليز قبل المرض. تنهّدتْ طويلًا وأنزلت رأسها.
<رفضته قائلة إنّني خادمة وهو نبيل في مكان عملي، لكنّه لم يفهم، وأنا متعبة جدًّا>.
التعليقات لهذا الفصل " 39"