ꕤ الفصل 8 ꕤ
* * *
على جدار كاتدرائية الكنيسة العظمى كان هناك مكان يُسمّى “جدار الرحمة“.
لعلّ هذا الاسم جاء في البداية من اللوحات الجدارية التي صُوِّرت فيها قدّيسة من قدّيسات إكليسيا وهي تُفيض بالرحمة، لكن اللوحات بهتت حتى تلاشت نصفها تقريبًا، وصار المكان اليوم يُعرف بمعنى آخر؛ إذ يفترش المتسوّلون والفقراء الأرض أمامه طلبًا لرحمة المارّة.
“يقال إن من يخرج من الكاتدرائية بعد الصلاة ينبغي أن يتصدّق عند جدار الرحمة حتى يجلب الحظّ الطيب. لذلك كان الناس يمرّون به ويلقون قطعًا نقدية. لكنني رأيتُ شخصًا واحدًا لم يتلقَّ صدقة من أحد… شخصًا ذا شعر أحمر مثلكِ تمامًا.”
كان المتسوّل ذو الشعر الأحمر يلفّ عينيه بقطعة قماش متّسخة، ويبدو أنّه لم يكن يرى.
ولأنّ عدد المتسوّلين عند جدار الرحمة يفوق ما يسمح به حجمه، فقد كانوا يجلسون متلاصقين بعضهم إلى بعض.
وكان الاقتراب من بوابة الكاتدرائية الرئيسة يعدّ موضعًا جيدًا لهم.
لكنّ صاحب الشعر الأحمر جلس في أقصى مكان بعيد عن البوابة، وكأنّ شعره المشؤوم دفع الجميع لترك مسافة حوله.
كان الخوف من أن ينتقل سوء حظه يجعلهم لا يقتربون منه إطلاقًا.
“وأذكر أنّني شعرتُ وكأنّ عيني التقتا بعينيه… كنتُ أقشّر تفاحة لوجبة الغداء، وانجرحت إصبعي.”
كانت كاثرين التي رأت في الشعر الأحمر فألًا سيّئًا تهمّ بمغادرة المكان فورًا، لكنّ نظرتها وقعت على قشرة التفاحة الحمراء التي سقطت، وعلى قطرة الدم المتجمّعة عند جرح إصبعها.
كان اللون واحدًا… لونٌ لا يختلف عن شعر ذلك المتسوّل.
يا لها من سخرية… ما أكثر ما يُخاف من الحظ العاثر وهو ليس سوى وهم.
وحين رفعت رأسها مجددًا نحو المتسوّل، رأت أنّ سلّته وحدها كانت خالية تمامًا، على عكس سلل الآخرين.
“وما إن استوعبت ما يحدث حتى وجدتُ نفسي أضع قطعة تفاح في يده من غير وعي.”
لم يبدُ المتسوّل مندهشًا.
فقط قال: “شكرًا لك.” وبدأ يأكل التفاحة ببطء.
أما الناس من حولهما فقد رمقوهما بنظرات خاطفة، ثم أسرعوا بصرف وجوههم وكأنّ المرض قد يصيبهم إن أطالوا النظر.
“ثم فجأة مدّ يده نحوي… وكأنّه يطلب مني أن أمسك بها.”
كان من الطبيعي أن تتردّد في لمس يده.
لكن ما الفرق وهي التي اقتربت منه وعطفت عليه وناولته طعامًا بينما يهرب منه الجميع؟
عندها قالت لنفسها ‘ليكن…’
وأمسكت بيده.
شعرت كأنّ المتسوّل تحت عصابته يبتسم قليلًا… ثم حدث شيء مدهش.
إحساس غريب يصعب وصفه سرى في يدها وما إن نظرت إلى إصبعها حتى اختفى الجرح تمامًا.
“سمعتُ من قبل أن القوة المُقدسة يمكنها فعل ذلك… لكنني لم أختبرها بنفسي قط. دهشتُ إلى حدّ أني لم أعرف ما أقول.”
ظلت تحدّق في إصبعها وقد عاد كما كان، ثم سألت بارتباك شديد متلعثمة:
“هل هذه هي القوى المقدسة؟“
لم يجبها المتسوّل، بل اكتفى بابتسامة ذات مغزى وهو يضع إصبعه على شفتيه في إشارة إلى الصمت.
فخفضت كاثرين صوتها لكنها لم تستطع كتم انفعالها وهي تسأل:
“لماذا… لماذا أنت هنا؟ لستَ شخصًا يفترض أن يكون في هذا المكان…!”
لكنّ ما جاء بعدها كان أعجب.
إذ كلّمها بصوت خافت يكاد لا يسمعه سواها:
“هذا لا يهم. المهم هو أنّ العقد الذي تملكينه… أقوى من هذا بكثير.”
تجمدت كاثرين في مكانها شاخصة إليه.
لم يكن أحدٌ يعلم أنّها تحمل العقد، ولا يفترض بأي كان أن يعرف.
وعندما سألته كيف عرف؟ أجابها ببرود، كأنّ معرفة السبب ليست ذات أهمية، ثم واصل كلامه:
“كأس الشفاء… الكنز الأسطوري الذي أنعمَتْ به الإلهة. ذلك الذي يشفي أي جرح أو داء. هذا هو سرّ العقد.”
عند وصفه العقد بأنّه كنز أسطوري أنعمَتْ به الإلهة، تتابعت في ذهن كاثرين الأسطورة التي يعرفها كل فرد في الإمبراطورية، من الصغير إلى الكبير:
“في البدء، كان هناك أخان: كبير تحدّى الإلهة، وصغير قدّم لها إيمانًا صادقًا.
دبّ الخلاف بينهما، فرحمت الإلهة الأخ الأصغر، ومنحته مادة النعمة ليظفر في الصراع.
وهكذا أصبح الأخ الأصغر ملك هذه الأرض.
أمّا الأخ الأكبر الخاسر، فقد أُمر بأن يمكث في الشمال البارد القاسي، ليحرس النعمة المفعمة بقوة الإلهة هو ونسله من بعده إلى أن يأتي يوم يحتاج فيه الملك إليها.”
أن يكون ذلك العقد نفسه “النعمة” الأسطورية؟
ارتجفت عينا كاثرين وكأن عقلها يرفض التصديق.
لكن المتسوّل لم يترك لها مجالًا للتفكير، بل تابع بصوت أخفض:
“لطالما رغب الناس في استغلال الكأس لمصالحهم، ولذلك حُجب شكله الحقيقي. ودورك… هو أن تعيدي الكأس إلى حارسه عندما يحين الوقت، وتخبريه كيف يستعيد شكله الحقيقي. والطريقة هي…”
* * *
— في أعمق نقطة من أعمق كهف متلألئ في مقاطعة ألبَر. عليكِ أن تحملي العقد إلى هناك، وتلطّخيه بدم الحارس [أي مالك العقد الي هو الدوق] ، ثم تنادي الإلهة… وستجيبكِ.
“هذا ما طلب مني أن أبلّغه.”
ظهر على أدونيس وآنا غريتا أنهما يسمعان ذلك لأول مرة. لكن عند ذكر الكهف، همست آنا غريتا بـ“آه…” كأنّ وصف المكان أيقظ في ذهنها صورة مطابقة تمامًا، مما يدلّ على أنّ مثل هذا الكهف موجود بالفعل في المقاطعة.
“هل يكون كهف الجليد في جبل الثلج…؟ لكنه ضيّق للغاية. لا يكاد يتّسع لراشد صغير الحجم. أذكر أنّ أليك (دلع الدوق) حاول إدراجه ضمن خطة تطوير المناجم، لكنه تراجع لأنه شديد الخطورة. لا أعلم إن كان هذا ممكنًا.”
لكن بينما كانت الدوقة الكبرى تفكّر جديًّا، بقي أدونيس باردًا على حاله.
“لا يا أمّاه. هل تصدّقين هذا الكلام؟ أنا لا.”
“… وما الذي سأجنيه إن كذبت؟“
صحيح أنّ كاثرين نفسها قالت إنّها نقلت هذا الكلام من شخص مجهول، وميلي لم تفعل سوى إعادة ما سمعته، فلا أحد يعرف إن كان صحيحًا حقًا.
“إن كان من الصعب عليك التصديق، فدعوني أذهب بنفسي وأتأكد. أنتما يمكنكما البقاء في القصر.”
“أنتِ—”
غير أنّ ميلي لم تستطع احتمال أن تُعامَل كلمات كاثرين التي لفظتها قبل موتها كأنّها هراء.
“أو لعلّكم تخشون إعطاء العقد لعائلة سارقة؟“
“كيف تجرئين—”
فانفجرت ميلي غضبًا غير آبهة بما قد يجرّه ذلك، وفي اللحظة التي همّ فيها أدونيس بالنهوض وقد صُدم من حدّة كلامها لأول مرة في حياته—
“كفى.”
أوقفت آنا غريتا الجدال.
“أريد أن أخوض هذه المحاولة.”
توقّفت ميلي وأدونيس عن التحديق بعضهما في بعض، والتفتا إليها معًا.
“على أي حال، لوينغرين لن يعود قبل خمسة أيام. بينما يمكن الوصول إلى الكهف والعودة في نصف يوم فقط. من الأفضل أن نجرب كل الاحتمالات قبل عودته، ما دامت الخطوة لا تتطلّب جهدًا هائلًا أو ثمنًا باهظًا.”
غرقت في الأريكة وهي تتابع:
“نحتاج العـقد… وكذلك الدم، لكن لا يمكن أن نأخذ أليك بنفسه. سنجمع دمه في وعاء ما. أمّا الشخص القادر على دخول ذلك المكان الضيق فالوحيد الذي يخطر ببالي هو اللورد لانس، لكنه غادر مع اللورد لوينغرين. إذن…”
“أنا سأذهب.”
“أرسلوني أنا.”
نطقا أدونيس وميلي الجملة نفسها في اللحظة ذاتها، ثم رمقا بعضهما بنظرة قصيرة.
التزمت ميلي الصمت أولًا كأنها تسمح له بالكلام.
فشمّر أدونيس عن ساعده مظهرًا عروقه الزرقاء البارزة، وقال موجّهًا كلامه لميلي:
“إن ذهبتُ أنا، فلن نحتاج إلى أخذ دم والدي، ولن نقلق من ضيق المكان. ولن تكون هنالك خشية من أن سرقة العقد، كما ألمح البعض.”
نظر إلى ميلي من فوق بابتسامة ساخرة، ثم أنهى كلامه:
“لذا… أنا من سيذهب.”
“لكن ذهابك وحدك خطر.”
“ألا تثقين بي؟“
“لا… ليست المسألة مسألة ثقة بك، بل بعدم القدرة على الوثوق بالطبيعة نفسها. ثم…”
قبضت آنا غريتا على كتفيه بكلتا يديها ونظرت في عينيه.
كانت عيناها البنيّتان ترتجفان بشدّة.
“لا أستطيع أن أفقدك بعد أن كدت أفقد أليك. أتفهم ذلك يا بُني؟“
“أمّاه…”
حين رآى أدونيس تلك النظرة في عينيها، عجز عن إيجاد ما يقوله.
“سأُرسل معك الفارس كاي والفارس غيراينت احتياطًا لأي طارئ. من دون هذا الشرط… لن أسمح لك.”
“… فهمت.”
ولمّا قبل أدونيس بمرافقة الفارسين، بدا أنّ آنا غريتا أخيرًا استعادَت بعض الطمأنينة.
“كهف الجليد يقع هنا.”
نشرت الخريطة أمامها وأخذت بأطراف أصابعها تتبع الطريق من القلعة إلى الكهف.
كان عليه أن يخرج من الباب الشمالي خلف الأسوار، ثم يقطع مسافة تستغرق ساعتين على الأقل.
“ماذا لو انطلقتُم مع بزوغ الفجر؟“
اقترحت وقت الانطلاق بعد أن تأكدت من الطريق والمدة اللازمة.
لكن أدونيس هزّ رأسه.
“لا، والدي في حالة حرجة. سأذهب فور جهوز الاستعدادات.”
“النهار ما زال قائمًا الآن، لكنك حين تصل إلى الجبل ستبدأ الشمس بالغروب. سيكون خطيرًا.”
“أليس هذا سبب إرسالكِ الفرسان معي؟ ما دمنا سنذهب، فمن الأفضل أن نعود بسرعة. حالة والدي تزداد سوءًا مع مرور الوقت.”
تبادل الاثنان نظرات صامتة لثوانٍ، ثم كانت الأم هي من تنازلت أولًا.
“حسنٌ… اذهب إذن، وعد سريعًا.”
شدّت آنا غريتا حبل الجرس فاستدعت الفرسان، وأمرت بتجهيز ملابس دافئة وطعام بسيط للرحلة.
“سأذهب أنا أيضًا لأستعد.”
غادر الخادم الذي تلقّى التعليمات من الدوقة المكتبة، ثم ألقى أدونيس جملة قصيرة بدوره، وغادر المكان.
وبقيت ميلي وحدها مع الدوقة الكبرى في المكتبة.
راحت تبحث في داخلها بسرعة عن أي ذريعة للانسحاب، بينما تبذل جهدها لإخفاء ارتباكها… لكن آنا غريتا بادرت بالكلام قبلها وهي ترفع يدًا إلى جبينها:
“أودّ أن أعتذر عمّا حصل قبل قليل. تصرّف ذلك الصبي على هذا النحو… هو خطؤنا نحن في النهاية.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"