ꕤ الفصل 7 ꕤ
“نعم؟“
كان ينبغي عليها أن تنكر فوراً وتقول إن ذلك مستحيل، لكنها لم تستطع.
لم تستطع سوى أن تُبدي ملامح الارتباك.
ففي أعماقها… راودها احتمال أن يكون ذلك صحيحاً بالفعل.
* * *
كان تيريل طبيب عائلة أينسورث قد ابتعد لسوء الحظ لقضاء عملٍ في إحدى المقاطعات القريبة.
وما إن سمع الخبر السيّئ حتى عاد مسرعاً.
“عالجتُ الإصابات الخارجية، لكن…”
بعد تفحص حالة الدوق أينسورث الممدّد بلا وعي، وضع تيريل الأعشاب والمراهم المناسبة على موضع الجرح، ثم بدا على وجهه قلق بالغ.
“المشكلة في الرأس من الداخل. لا يمكننا شقّه لمعرفة مدى الضرر…”
“إذن ماذا نفعل؟“
“ليس أمامنا سوى الانتظار… وانتظار أن يستيقظ في بيئة مستقرة.”
كان المتحدث والمستمع كلٌّ منهما يحمل التعبير الكئيب نفسه.
وكانت الدوقة آنا غريتا ممسكة بيد زوجها الواهنة بقوة.
“إلى… متى علينا الانتظار؟“
“على الأغلب… ليس طويلاً.”
أومأ تيريل برأسه نفيًا.
“علامات الحياة ضعيفة للغاية. التنفس… والنبض… كلاهما يضعفان أكثر فأكثر.”
“إذن لا يوجد أي شي يمكن فعله غير الانتظار؟“
“حالياً… نعم. حالة سموّه خرجت عن نطاق الطب. ولم يبقَ إلا التعويل على القوة المُقدسة.”
القوة المُقدسة هي قدرة خاصة لا يستطيع استخدامها إلا الكهنة التابعون للديانة الرسمية للإمبراطورية –إكليسيا– أكبر ديانة في القارة.
لكن المشكلة أن الكهنة القادرين على الشفاء الفعلي هم من رتبة الأساقفة فقط.
وهؤلاء لا يقيمون في المعابد الصغيرة، بل في الكنائس الكبرى في المدن.
وأقرب كنيسة كبرى تقع على مسافة تحتاج ثلاثة أيام متواصلة من الركض على ظهور الخيل.
“وصاحب السمو لم يتناول أي شيء منذ الأمس… قد لا يصمد لأسبوع.”
“هل يمكن نقله إلى كنيسة الشمال؟“
“مستبعد تماماً.”
فكيف يمكن نقل رجل مصاب في رأسه عبر طرق جبلية متجمدة، في عربة تهتز طوال الطريق، وعلى السرعة القصوى؟
مجرد وصوله حياً سيكون معجزة.
لم يستغرب أحدٌ، بل تناثر الصعداء الثقيلة في الغرفة.
“إذاً لا خيار لدينا سوى إرسال من يجلب لنا الأسقف بأقصى سرعة.”
“للأسف… نعم.”
“فلنقم بالمحاولة على الأقل. استعد يا لورد لوينغرين. اختر بنفسك الرجال الذين سيرافقونك.”
“أمرك يا مولاتي.”
توجهت آنا غريتا وجهها شاحب إلى مكتبها لكتابة رسالة للأسقف في الشمال، ثم سلمتها إلى أسرع فارس في الدوقية اللورد لوينغرين.
وبينما كانت تدلك صدغيها المنهكين، وقعت عيناها على صندوق كريستالي بداخله قلادة.
نجمة أورورا…
رمزٌ قيل إنه يجلب الحظ.
ودعت في سرّها أن تجلب لها الحظ هذه المرة حقاً.
* * *
“لو هربتِ مرة أخرى فسأرى ماذا أفعل.”
“قلتُ لك لن أهرب.”
كان أدونيس وميلي قد عادا للتو من تجربة بسيطة للتأكد من علاقتها بالتغير المناخي الغريب الذي حدث عند البوابة الغربية حيث ظهرت الذئاب.
كان الاختبار بسيطاً: أن تخرج ميلي من القلعة بينما يراقبها أدونيس.
وما إن ابتعدت لخمس دقائق حتى اسودّت السماء فجأة واندلعت عاصفة ثلجية قاسية واضطرّت للعودة راكضةً والثلج عالق بكل جزء من عباءتها.
وما إن دخلت… حتى انقشعت العاصفة وظهرت الشمس.
“ما حقيقتك؟ من يقف خلفك؟ جدتك؟ لديكِ قدرة كهذه وتتوقعين أن أصدق قصة مهمتك السخيفة؟“
“أنا مثلك، لا أفهم ما يحصل لي…”
لا يزال أدونيس يشكّ بها، يخشى أن تكون تملك دوافع خفية.
وميلي من جهتها تحاول فهم سبب حدوث كل تلك المصائب كلما غادرت القلعة.
باختصار:
طالما بقيت داخل القلعة، كان الطقس صافياً ولم تقع أي مصيبة.
لكن بمجرد أن تخرج… تهبّ عاصفة فورية وتحدث كوارث كالذي أصاب الدوق أو ظهور الذئاب.
هل من الممكن أن شيئاً ما—شيئاً يجلب لها سوء الحظ—كان يمنعها من مغادرة القلعة؟
‘ولكن… لماذا؟‘
لم تعرف السبب، لكن إن كان الافتراض صحيحاً فقد تتمكن من استغلاله.
ولتحقيق ذلك، عليها البقاء في القلعة مؤقتاً… حتى لو اضطرّت لتحمل تهديدات أدونيس.
“أدونيس؟“
في تلك اللحظة، صادفا الدوقة والطبيب وسيراً من الفرسان خارجين من المكتبة.
تفاجأ الثلاثة قليلاً بمظهرهما البائس، لكن الفارس بدا مستعجلاً، فانحنى تحيةً قبل أن يتوجه مباشرة إلى الدوقة والدوق الشاب.
“سأنطلق حالاً.”
“إلى أين؟“
أجابت آنا غريتا بنفسها، بعد أن سمحت للفارس بالمغادرة بإشارة من يدها.
“إلى كنيسة الشمال. اللورد لوينغرين سيجلب الأسقف لمساعدة والدك.”
“ماذا؟ لكن الطبيب عاد… ولا يوجد حل؟“
“معذرة يا سيدي، لكن بحالته الحالية… القوة المُقدسة هي الأمل الوحيد.”
“ماذا؟! كنيسة الشمال… حتى لو كان السير لوينغرين، ستستغرق ثلاثة أيام!”
اقتربت آنا غريتا وربتت على كتف ابنها.
كانت يدها، رغم دفئها المعتاد، ترتجف بقوة.
فسكت أدونيس بدوره دون احتجاج.
“كل ما نستطيع فعله هو إرسال طلب زيارة للأسقف… ونأمل أن يصل بسرعة. لنثق بلوينغرين… ونصلّي ألا يتأخر.”
“…حسنًا يا أماه.”
كان الحزن بادياً على وجه ميلي أيضاً، فهمت جيداً ما يعنيه أن ترى أحد أفراد عائلتك يصارع الموت.
وفي تلك اللحظة… لفت انتباهها شيء لامع.
‘هم؟‘
رفعت رأسها قليلًا، فرأت داخل المكتبة التي خرجت منها الدوقة الكبرى وفي داخل صندوق بلوري شفاف العقدَ الذي كانت قد أحضرته معها ميلي يشعّ بضوء غريب.
وما إن رأت ذلك الضوء حتى خطرت ببالها الكلمات التي تركتها لها كاثرين.
— لأنّ هذا العقد في الحقيقة…
“إذًا، يا أمّاه… رجاءً ارتاحي قليلًا.”
وبعد أن ودّع والدته، غيّر أدونيس نبرته في لحظة، والتفت إلى ميلي مهدِّدًا.
“وأنتِ، سأضعكِ في غرفة الضيوف مؤقتًا، لكنني سأراقبك طوال الوقت. وإذا رأيتُ منك أي تصرّف مريب، فسأرميكِ في السجن السفلي، فلتعلمي ذلك.”
وفي اللحظة نفسها التي كانت تنتزع فيها ميلي خيطًا من الأمل من بين ذكرياتها، جاءت كلمات أدونيس لتفجّر غضبها، فرفعت ذقنها وصاحت:
“… هذا سيكون صعبًا قليلًا يا صاحب السمو!”
“ماذا؟ ما الذي—”
‘لا بأس… ليحدث ما يحدث.’
أخذت ميلي نفسًا خفيًا ثم قالت:
“لقد تذكّرتُ للتو طريقة قد تُصلِح بها حالة الدوق الأكبر!”
“ماذا؟!”
لقد قالتها…
واندفع الندم الهائل إليها بعد فوات الأوان.
ارتبكت وخفضت ذقنها قليلًا تراقب ردود الفعل.
دُهش أدونيس، أما آنا غريتا التي كانت تهمّ بالعودة إلى غرفتها، فالتفتت نحو ميلي.
وميلي بدورها كانت تحدّق الآن مباشرة بالدوقة الكبرى لا الدوق الشاب.
“كيف ذلك يا ابنتي؟“
نظرت ميلي نحو العقد الظاهر من خلال فتحة باب المكتبة، ثم عادت لتنظر إلى الدوقة الكبرى، وقالت بصوت منخفض:
“جدّتي أخبرتني قصة… حين سلّمتني ذلك العقد. وقالت إنه إن طرأ أمر يخصّ الدوق الأكبر، فعليّ أن أنقلها لكم.”
اتّبعت آنا غريتا اتجاه نظرها، وحدّقت نحو داخل المكتبة لبرهة صامتة، ثم أشارت بيدها نحو الداخل قائلة:
“لا أظن أنّ هذا حديثًا يقال هنا.”
“أمّاه! أتصدقين كلامها؟“
سأل أدونيس الذي ما يزال يرى ميلي شخصية مشبوهة لا يُعتمد عليها، لكن آنا غريتا أجابت بحزم:
“إن كانت هناك فرصة ولو ضئيلة لإنقاذ والدك، فسأستمع لأي كلمة. أما التصديق والتنفيذ فذلك نقرره لاحقًا.”
“آه…”
وانقطعت كلمات أدونيس.
“هيا ندخل ونستكمل الحديث.”
“حاضر.”
دخلت ميلي المكتبة خلف الدوقة الكبرى، وهي تراقب نظرات أدونيس الحذرة.
* * *
قبل وفاتها، تحدثت كاثرين عن لقاء غريب مرّ بها في الماضي.
فبعد أن هربت من مقاطعة ألبَر، قبل أن تلتقي بميلي، عاشت حياة ترحال من مكان لآخر دون أن تستقر في مكان واحد.
كانت تتنقل متنكرة بزي الرجال تقود العربات أو تبيع المستلزمات البسيطة على النزل واحدًا تلو الآخر… أي عمل يتطلب التجوال كانت تقبل به دون تردد.
“وطبعًا… لم يكن أيّ من ذلك يجري على ما يرام. فمن يسرق حظ الآخرين، لعلّه طبيعيّ أن يفتقد حظّه، هده…”
وفوق كل ذلك، كانت تخشى بيع العقد الذي سرقته في جرأة متهوّرة خوفًا من أن تُكشف.
وهكذا ظلّت تحمل شيئًا يفوق قدرتها على تحمّله، مخبأً في أعمق مكان داخل أمتعتها.
“ثم التقيتُ به. وكان ذلك في العاصمة المُقدسة.”
العاصمة المُقدسة هي المدينة التي تضمّ رئيس كهنة كنيسة إكليسيا، وكذلك كاتدرائية لوكس الكبرى حيث يقيم.
وهي مدينة لا تهدأ أبدًا من كثرة العباد والسيّاح، ولهذا كانت النُزُل فيها كثيرة.
وقتها، كانت كاثرين تبيع مناديل وأدوات مائدة وغيرها من المستلزمات للنُزُل، وما إن تنتهي من صفقة حتى تنتقل إلى منطقة أخرى دون إضاعة وقت.
“لكن… ربما لأن المكان كان العاصمة المقدسة، فقد شعرتُ بأن شيئًا غريبًا يلامس قلبي. لذا بقيت يومًا إضافيًا لأصلّي في الكنيسة. وهناك أدركت شيئًا… في العاصمة المقدسة، عدد المتسولين لا يقل عن عدد العُباد والسياح ورجال الدين.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"