ꕤ الفصل 6 ꕤ
إنه سهمٌ.
تجمّدت ميلي في مكانها من شدة الفزع، واستدارت بسرعة.
وفي اللحظة نفسها انشقّ الجزء العلوي من قلنسوتها إلى نصفين.
يبدو أن السهم قد شقّ قمتها وهو يمرّ.
“آه؟“
كان الشخص الذي يصوّب القوس نحوها من النافذة يقطّب حاجبيه وهو يخفض ذراعه.
إنه أدونيس، ابن الدوق.
“مـ… ماذا؟“
لو كان السهم أكثر انخفاضًا قليلاً لربما كان الأمر قاتلًا.
كان أدونيس يصرخ بشيء ما بوجهٍ متجهم، لكن عقلها كان جامدًا من الصدمة فلم تفهم كلمة واحدة.
أخذ جسدها يرتجف من الخوف.
“يـ… يجب أن أهرب بسرعة!”
تراجعت ببطء حتى التصق ظهرها بالباب.
* * *
‘ما شأن هذه الفتاة؟‘
كان أدونيس يهبط الدرج مسرعًا وهو يفكر.
صحيح أنه أطلق السهم ظنًّا منه أنها متسللة، لكن ذلك لا يغيّر شيئًا من حقيقة أنها لم تروِ له ارتياحًا منذ رأى وجهها لأول مرة.
لقد التزم هو الصمت احترامًا لضيافة والديه، ومنحها فرصة بدلًا من استجوابها.
والنتيجة؟
خرج والده مع تلك الفتاة لمنحها “تعويضًا“، فعاد في حالٍ حرجة.
لا يمكنها التنصل من المسؤولية.
والآن، وفوق كل ذلك… تجرؤ على الفرار؟
حتى لو تحوّل الشك إلى يقين، فلن تجد ما تحتج به.
ومع ذلك، رغم أنني رأيتها، تستمرّ في الهرب؟
لا بد أن هناك أمراً تخفيه.
وإن كانت بالفعل على صلة بحادث والده، فلن يتركها دون أن يكشف كل ما وراءها… ولن يغفر.
“هـ… هاه…”
لم يكن قد تناول شيئًا، لذا سرعان ما انقطع نفسه أثناء الجري.
وما إن خرج من باب الطوارئ حتى لمح خصلات الشعر الأحمر تتمايل في الريح وهي تمرّ عبر الباب الخارجي الصغير للسور.
كاد ينادي أحد الحراس ليقبض عليها فورًا.
“ما… هذا؟“
فجأة تسلّل بردٌ مرعب إلى عظامه.
السماء الزرقاء انقلبت رمادية، والثلج بدأ يتساقط بعنف مع رياح هوجاء.
عاصفة ثلجية أخرى… ظهرت من العدم.
تردد أدونيس للحظة دون قصد.
أما ميلي فلم تكترث، بل اندفعت داخل العاصفة.
‘لقد جنّت. هذا طقس قاتل.’
في الشمال لا يجرؤ أحد على دخول طرق الجبال في مثل هذا الطقس دون حماية.
فالنتيجة كانت الموت المحتم.
‘لم أرَ شيئًا، ولم أسمع شيئًا، تفضل يا سيدي. أنا سأذهب الآن!’
تذكّر فجأة زجاجة عصير التفاح التي وضعتها في يده تلك الليلة. وتذكّر كيف كانت ترتجف وتصعد الدرج نحو غرفة الضيوف حين وبّخها قائلاً إنه لم يكن يجب أن ينقذ “شيئًا مثلها“.
وحين جمع كل ذلك، كان الاستنتاج بسيطًا للغاية.
إن لم يمسك بها الآن، فقد تموت بسببه.
صرخ وهو في حالة ارتباك:
“توقفي! قفي مكانك!”
لكن ميلي لم تسمع سوى صوتها الداخلي وهي تركض.
‘تبًّا… لقد أفزعتها بشدة.’
ندم أدونيس، ولم يجد بدًا من اللحاق بها.
* * *
بدأت العاصفة تهبّ مجددًا. لكن ميلي لم تتفاجأ هذه المرة.
أيّ أمرٍ من أمور سوء الحظ الذي يلاحقها كان منطقيًا أصلًا؟
حتى الدوق ألبر، حامي الحدود، سقط عن جواده…
“بل هذا أفضل.”
ذلك الفتى الضعيف لن يتمكن من اللحاق بها وسط هذا الجو.
وفوق ذلك، العاصفة ستحجب رؤيته ولن يستطيع إصابتها بالقوس.
صحيح أنها ستعاني في هذا الطريق الجليدي، لكن النزول أسهل بكثير من الصعود، خصوصًا بعد أن طاردها قطاع الطرق حين أتت.
وإن ماتت… فستعود إلى الماضي كما في كل مرة.
“وإن متُّ إلى الأبد… فربما لا بأس.”
قالت ذلك بسخرية حزينة… وفي تلك اللحظة بالذات.
غروووو…
خرجت ذئاب برية ضخمة ضعف حجم الإنسان من بين أشجار الصنوبر.
“لا… أسترجِع كلامي.”
رغم أنها فكرت منذ قليل بأن الموت لا يهم، إلا أن فكرة تمزيقها حيّة في جبل ثلجي على يد هذه الوحوش لم تبدُ مقبولة إطلاقًا… مما يدلّ على أنها لا تزال تتمسك بالعقل.
أخذت تتراجع ببطء مرتجفة متذكّرة ما قرأته في أحد الكتب: تحركي ببطء… لا تثيريها.
يبدو أن الأمر نجح، فالذئاب لم تنقضّ بسرعة، لكنها كانت تقترب ببطء، تقلّص المسافة خطوة بخطوة.
إن استمر الوضع هكذا، فمصيرها محسوم.
‘هل أستطيع التراجع حتى أصل إلى السور؟‘
لا ثقة لديها، لكن لم يكن أمامها سوى محاولة الحفاظ على هدوئها والمضي ببطء خطوة بعد خطوة.
عندها… شقّ صوتٌ حادّ صقيع الريح:
“يا صاحبة الـ… الـ…ـحمر…؟“
لم تفهم بوضوح، لكنه كان يناديها.
والغريب أنّ صوتًا واحدًا منه أثار فيها الطمأنينة رغم أنها قبل دقائق كانت تهرب منه يائسة.
“البشر غريبين حقًا…”
تمتمت بذلك وهي ترفع ذراعيها مكوّنةً دائرة كما قرأت سابقًا أنها إشارة استغاثة.
واستمرت في التراجع بثبات حتى أصبح الصوت أوضح:
“سأطلق سهمًا قرب قدميك! استدرجيها إليه!”
كانت المسافة بعيدة، ومع ذلك وجدت نفسها تهز رأسها دون وعي.
“ثم اركضي حالما تصلين إليه!”
رفعت دائرة أخرى بيديها.
لم يكن هناك مجال للشك.
لم تتذكر حتى أنها فكرت بالموت.
كل ما في رأسها هو النجاة.
أرضٌ تهتز تحت قدمي الذئاب، إحداها هدرت بقوة مهددة.
حاولت أن تكتم خوفها بكل ما تستطيع.
“…سيكون الأمر بخير.”
لقد أنقذني من قبل… أسيعجز عن إنقاذي مرة أخرى؟
ألقت هذه الكلمات على نفسها كنوع من الطمأنة. وفجأة اصطدم شيء بقدمها.
إنه السهم.
فرفعت رأسها.
“اركضي!”
استدارت واندفعت بكل قوتها.
السور لم يكن بعيدًا، ومن بوابته ظهر فتى أسود الشعر يجهّز قوّسه وهو يناديها.
علت أصوات الذئاب خلفها وهي تطلق صرخات تشبه نباح الكلاب تركض خلفها بوحشية.
قلبها يخفق بجنون.
“هـ… هاه… هاه…”
كان الثلج المتراكم يعيق سرعتها، فكرهت ذلك.
لكنّها لم تتعثر مرة واحدة.
‘قليلًا فقط…!’
وكانت عيناه الذهبيتان تحدّقان بها من قرب.
“أسرعي!”
مرّت بجانبه واقتحمت البوابة، فألقى القوس جانبًا واندفع ليغلق الباب بجسده.
“نجونا…”
غروووو…
ومن خلال شقّ الباب ظهر فمٌ عريض، وأسنانٌ مفترسة تلوّح بالتهديد.
“لا!”
صرخت ميللي وهي تهرع إلى جانب أدونيس لتساعده في دفع الباب.
لكن قوة الذئاب كانت أكبر بكثير، ومُنِعا من إغلاقه تماماً.
‘إن استمر الأمر، فلن أموت أنا فقط… بل سيدخل قطيع الذئاب القلعة ويبدأ بالسيد الشاب ثم الآخرين!’
شعرت بالغضب يتفجر بداخلها.
‘سئمت… سئمت من حدوث مثل هذه الأشياء دائماً!’
رمت حاجياتها أرضاً في أي اتجاه من شدّة الذعر، وعضّت شفتها حتى سال الدم، ثم دفعت الباب برأسها بقوة أكبر.
عندها سألها أدونيس بصوت ثابت بشكل غريب:
“ما الذي في حقائبك؟“
“نعم؟“
“الأمتعة… هل فيها طعام؟ شيء يصلح للأكل.”
عندها فقط رأت حقيبتها الملقاة بعشوائية.
كانت قد أحضرت طعاماً تحسّباً لاستقرارها في منزلها الجديد.
رغم ضيق نفسها، أجابت بسرعة:
“خبز، ولحم مُدخَّن، وجبن!”
“جيد. ثابري على الإمساك بالباب للحظة.”
ما إن رفع يده عن الباب حتى صار دفعه بالغ الصعوبة.
وعلى الرغم من البرد القارس، شعرت بعرقها يتصبب.
“لا… لن أقدر على الثبات!”
“اثبتي.”
أخذ شيئاً من حقيبتها، ثم قطع قطعة صغيرة من اللحم المدخّن ورماها عبر الفتحة.
خفّ فورًا الضغط على الباب.
“جيد.”
ثم قذف قطعة جبن، فتراجع ذئب آخر.
وبعد أن تأكد من جدوى الخطة، وضع ما تبقى من الجبن واللحم في السهام، وثبّتها في القوس، وصوّبها عبر الشق نحو خلفية الذئاب.
شوووق… طق.
يبدو أن السهم لم يذهب بعيداً، فقد سُمِع صوت ارتطامه بالأرض، وتبعه مباشرة صوت الذئاب وهي تهرع كلها نحوه.
“نجحنا…! آه!”
إذ فجأة سقطت ميللي على الباب بعد أن اختفى ضغط الذئاب، فأغلقته بجسدها بالكامل عن غير قصد.
“هَاه… هَاه… هَاه…”
نَجَت…
وحين تراخى توترها، انزلقت لتجلس على الأرض.
الثلج البارد بلل ثيابها، لكنها لم تعد تملك قوة لتقف.
حتى أدونيس جلس منهكاً على صخرة قريبة يلتقط أنفاسه.
محاولة تجنب إزعاج الآخرين لم تعد تنفع بعد الآن…
تنهدت وفتحت فمها لتشكره:
“شكراً لك مجدداً على إنقاذي…”
“…مهلاً.”
“نعم؟“
نهض أدونيس وحدّق في السماء بملامح حائرة.
“صفَت السماء مجدداً.”
رفعت ميللي رأسها.
لم يبدُ أن هناك عاصفة ثلجية كانت تعمي البصر قبل دقائق.
وبعد لحظة صمت، خفضت رأسها لتجده يحدّق بها بعينين ذهبيتين ممتلئتين بالذهول.
“…هذا من فعلك؟“
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"