ꕤ الفصل 5 ꕤ
* * *
في اليوم التالي.
كانت ميلي في النهاية تستعد للذهاب لتفقّد المكان الذي سيصبح مسكنها الجديد.
ما اقترحه الدوق في اليوم السابق كان مجرد: “هل تودّين الذهاب لرؤيته؟“، لكن ميلي كانت ترغب في الاختفاء من أمام عيني وريث الدوق بأسرع ما يمكن.
ولذلك كانت تنوي، إن سمحت الظروف، أن تستقر هناك فورًا.
“على أي حال، لم أُحضر معي الكثير، سأحمل كل شيء، وإن راق لي المكان فسأقول إنني سأبدأ العيش فيه من اليوم.”
بهذه النوايا الخفية، جمعت ميلي كل ما تملك من أمتعة القليلة وحملتها دفعة واحدة، ثم بدأت تعلّق مجددًا اللوحات التي كانت قد أنزلتها إلى الأرض في زاوية الغرفة.
ومن الغريب أنه منذ وصولها إلى قلعة الدوق لم يصبها أي سوء، إلا أنها لم تكن تعلم متى قد يحدث ذلك، فلم تستطع التخفيف من توترها.
لذلك، ومنذ اليوم الأول، وبعد استئذان كبير الخدم، كانت قد أنزلت إلى الأرض كل ما قد يسقط في حال حدوث شيء.
“حسنًا.”
“هل انتهيتِ من الاستعداد؟“
“آه! لقد أفزعتِني!”
كانت تضع المزهرية الخزفية على حافة النافذة عندما سمعت فجأة صوتًا خلفها، فانتفضت ميلي مذعورة.
كانت ماريا صاحبة الصوت تحاول إخفاء حرجها بينما تمسح بعينيها على اللوحات التي أعادتها ميلي إلى أماكنها.
“همم، كانت كثيرة نوعًا ما، فلا بد أن تذكّر أماكنها كان مرهقًا… لكنك علّقتها كلها كما كانت. هل دوّنتِ أماكنها في مذكرة أو شيء كهذا؟“
حكّت ميلي خدّها.
“ليس تمامًا… على كلّ، أنا جاهزة.”
وعندما رفعت ميلي حقيبتها الصغيرة ـ التي كانت في الحقيقة كل ما تملك من متاع ـ أومأت ماريا برأسها، وظلت صامتة لبرهة طويلة.
ولم تفتح فمها إلا حين بدأت ميلي ترتسم على وجهها ملامح الاستغراب.
“هل… رحلت كاثرين بسلام؟“
كان سؤالًا غير متوقع جعل قلب ميلي يهوي.
لكن ماريا التي سألت حاولت التظاهر بالتماسك، رغم أن صوتها كان يرتجف بشدّة، فشعرت ميلي بألم مماثل.
وعاد إلى ذهنها ذلك المشهد الذي رأته مرارًا: حين قبّلت ظهر يد كاثرين المجعدة والابتسامة التي كانت تلوح على وجهها دائمًا في تلك اللحظات.
كانت كاثرين دائمًا تمسك يد ميلي وتبتسم.
“نعم، رحلت بسلام.”
“… شكرًا.”
لم تعلم إن كانت تشكرها على الإجابة، أم على بقائها معها في لحظاتها الأخيرة، لكن ماريا استدارت وفتحت الباب قائلة:
“حسنًا، لننزل الآن.”
* * *
“آه، ذ… ذلك….”
ما إن وصلت ميلي مع ماريا إلى ساحة القلعة، حتى رأت عربة هي الأجود من بين كل ما رأت في حياتها، رغم أنها بدت قديمة قليلًا.
كانت مصنوعة من أجود أنواع الخشب، مزينة بالذهب، وتحمل ختم عائلة أينسورث، والخيول التي تجرّها كانت قوية ومعتنى بها بعناية فائقة.
لكن ميلي ترددت في ركوبها ولم تستطع الاقتراب فورًا.
فلاحظ الدوق ذلك، وأطلق تبريرًا بدا كأنه تبرئة لنفسه أكثر منه شرحًا.
“لم يكن لدي مناسبة للخروج لسنوات، فلا توجد عربات مستخدمة إلا هذه. قد تكون فاخرة، لكن لا تهتمي واصعدي.”
“الأمر هو… أنّ…”
كانت هناك أسباب كثيرة تمنع ميلي من الصعود.
فالعربة كانت فخمة إلى حد لا يحلم به أيّ من العامة طوال حياته، وهي وحدها من سيجلس داخلها، بينما سيرافق العربة الدوق ومستشاره المالي وعدد من فرسانه على ظهور الخيل.
لكن السبب الأكبر كان شيئًا آخر تمامًا:
كانت ميلي تتعرض دائمًا لحوادث في كل مرة تركب فيها عربة.
دائمًا ما كانت العربة التي تركبها تصطدم بأحد، أو تنفصل إحدى عجلاتها، أو تنفلت زمامها وتنحرف عن الطريق، أو تغوص عجلاتها في الطين في سوء الأحوال الجوية… وإن لم يحدث ذلك، كانت تقع في طريق قطاع الطرق.
وأمسكت ميلي بيد مرتجفة قليلًا وسألت:
“أ… ألا يمكننا… الذهاب سيرًا؟“
“هاها، يا آنسة، السير سيستغرق خمس ساعات على الأقل! مستحيل.”
‘اللعنة…’
حتى ميلي نفسها فكرت أن هذا الطلب يبدو غير منطقي إطلاقًا، خصوصًا مع وجود عربة بهذا المستوى.
وبدأت تدرك أنه لا مفر من ركوبها، لكنّها فكرت أنه من الأفضل أن تذهب وحدها.
صحيح أنه خلال بقائها في القلعة لم يصبها سوء، لكن ذكريات حوادث العربات التي مرت بها سابقًا لم تكن شيئًا يسهل تجاهله.
نظرت داخل العربة، ثم صرفت بصرها عنها ورفعت عينيها إلى الدوق.
“حسناً… ربّما يكفي وجود فارسٍ واحد… لا داعي لقدومكم جميعًا… الدوق لا يجب عليه أن يتكبّد عناء الذهاب….”
لكن الدوق اكتفى بالابتسام من خلال نافذة العربة المفتوحة.
“هل رأيتِ الطقس أنتِ في طريقكِ للدوقية؟ سماء معتمة، وعاصفة ثلجية لا تهدأ… لا أحد يمكنه الخروج ممتطيًا الخيل في طقس كهذا. الناس الذين كانوا يخرجون من أجل معيشتهم كانوا يخاطرون بحياتهم كل يوم.”
تذكرت ميلي ذلك جيدًا.
ففي مثل تلك العاصفة قد يفقد المرء حياته بسهولة إن ضلّ الطريق نصف يوم فقط، وكان الثلج لا يزال يتساقط بلا توقف.
“كنتُ سأضيع للأبد وسط الثلج….”
“أرأيتِ؟ لهذا فإن القدرة على الخروج هكذا في نزهة غير ضرورية نعمة بحد ذاتها. لو استطعت لمنحتك قلعة كاملة.”
“لا! لا أحتاج إلى هذا قطعًا!”
“أرأيت؟“
ضحك الدوق متوقعًا ردها، وقررت ميلي التزام الصمت بدلًا من مواصلة الجدال.
وبعد وقت من انطلاق العربة من القلعة…
بدأت الثلوج تتساقط بغزارة خارج النافذة، ثم بدأ صوت الرياح العاتية يتسلل من شقوق باب العربة.
واهتزت العربة بعنف تحت وطأة العاصفة المفاجئة.
“آااه؟!”
وبينما كانت ميلي تشدّ قبضتها على المقبض بقوة كي لا تُقذف إلى طرف العربة، توقفت العربة بالكامل.
وسمعت من الخارج صراخ الفرسان وهم يكافحون العاصفة للتفاهم فيما بينهم.
“ما الذي يحدث؟!”
فتحت ميلي الباب قليلًا لترى ما يجري، وما إن أخرجت رأسها حتى…
“يا صاحب السمو الدوق، احترس!”
“هييييييييهـ!!”
تعالت صرخة الخيل الطويلة مع صياح أحدهم.
ثم تلا ذلك…
دَفّة.
صوت ارتطام شيء صلب بالأرض.
“آآآاااه!!”
صرخت ميلي دون وعي، بينما علت الأصوات وعمّت الفوضى.
“أحضروا النقالة!”
“نادوا الطبيب!”
“أعيدوا سموّه إلى القلعة فورًا!”
كان رجال القلعة الذين اعتادوا الدقة والنظام يركضون مذعورين.
وظلت ميلي تحدّق فيهم في ذهول، وكأن كل الأصوات تأتي من مكان بعيد.
داهمها الدوار فأغمضت عينيها.
والمفارقة المضحكة أن التوتر الذي ظل يلازمها خوفًا من حدوث مكروه… اختفى للحظة واحدة فقط.
“هاها، بالطبع.”
كم كان بعيدًا عنها معنى كلمة “الحظ“.
شعرت في خضمّ الفوضى بنوع من الألفة الكئيبة، فحزّ في نفسها ذلك الشعور.
لامست العاصفة الثلجية وجنتيها من جديد.
وكأن أحدهم يهمس:
“ها أنتِ ذا يا ميلي… التعاسة تليق بك.”
* * *
وفي النهاية أُلغيت الرحلة بسبب حادث الدوق.
“لقد تعرّض صاحب السمو لإصابة خطيرة في الرأس وفقد وعيه! أين الطبيب؟ أين السيد تيريل؟“
“ماذا؟ الطبيب غادر منذ يومين لحل مسألة مع مورّد الأعشاب…!”
“اللعنة، في مثل هذا الوقت! حسنًا، تعال أنت معي.”
لم تتذكر ميلي كيف عادت إلى القلعة بعد سقوط الدوق من على صهوة الحصان وإصابته.
في طريق العودة كان أدونيس قد قابلها… وبدا واضحًا أنه يحمّلها اللوم.
كان رأسها مثقلًا حتى أن كلماته وصلت إليها كأنها تتلاشى.
ــ ـــ ـــ ـــــ ـ ـــــــ.
كل ما بقي في ذاكرتها هو وجهه الشاحب، وعيناه الذهبيتان وقد اختفت منهما تلك العجرفة المعتادة، لتحلّ محلّها الخوف واليأس.
عادت ميلي إلى غرفتها والتفّت فوق السرير وهي تضم ركبتيها.
وبمجرد عودتها، انهالت عليها الأصوات التي حاولت دفنها في أعماق ذاكرتها، كأصوات أشباح.
“نعتذر يا ابنتي… لكن أودّ لو غادرتِ المنزل.”
“أنتِ! لقد ألقيتِ تعويذة شريرة على ابني! لقد رأيتكِ!”
“استقبلنا يتيمة بلا ملجأ… فخدعتِنا منذ البداية!”
“…لا… لا….”
كانت ميلي تهز رأسها داخل الوسادة وتسدّ أذنيها بيديها، لكن الأصوات التي تهاجمها في رأسها لم تتوقف.
وانضم إليها صوت أدونيس أيضًا.
آه، نعم… تذكّرت الآن. لقد قالها هكذا:
―لم أكن أبحث عن شيء مثلكِ.
وأخيرًا تجمّعت الفوضى في رأسها في فكرة واحدة.
―هذا بسبَبِك.
‘بسبَبِي.’
كان شعرها الأحمر مبعثرًا على الفراش الأبيض بينما تلهث بأنفاس مضطربة، ثم فجأة انتفضت جالسة.
فالحل كان واضحًا.
لا ينبغي لها البقاء هنا.
‘يجب أن أختفي… بأسرع وقت ممكن.’
وحين عقدت عزمها، تحركت بسرعة.
ولحسن الحظ، حين نظرت من النافذة وجدت العاصفة الثلجية وقد هدأت كأنها لم تعصف منذ قليل.
أسرعت بارتداء عباءتها، وربطت شعرها بإحكام، ثم وضعت قبعة كبيرة تخفيه بالكامل قبل أن تغادر غرفة الضيوف.
كان جميع من في القلعة منشغلين ومضطربين، لذا لم يكن صعبًا عليها التظاهر بأن لديها أمرًا عاجلًا وهي تتنقل بينهم مسرعة.
* * *
“الدوق أليكْسيس أينسورث دوق ألبير الذي حمى حدود الشمال في إمبراطورية ألبـيونيا جيلاً بعد جيل، سقط عن صهوة جواده وأصيب في رأسه، وحالته حرجة.”
لو قال أحدهم هذا الكلام لأي شخص من شعب الإمبراطورية، لسخر منه عشرة من أصل عشرة.
فالأمر مستحيل إلى هذا الحد.
والأسوأ أن سبب فزع الحصان كان تافهًا هو الآخر: قيل إن كتلة من الثلج المتراكمة على غصن شجرة سقطت أمامه فأفزعته.
ولو كان الأمر مجرد إشاعة لكان أفضل، لكن جميع الذين شهدوا الحادث من أتباع الدوق المقربين خدموه في دوقية ألبر لأكثر من عشر سنوات.
ولهذا لم يستطع أحد إنكار هذا الحدث غير المعقول.
ولم يكن أدونيس، الذي كان يمسك بيد والده المحتضر، استثناءً.
“أبي…”
جلس أدونيس إلى جانب أليكْسيس، وقد لُفّ رأسه بالضمادات وهو فاقد للوعي وناداه بصوت مبحوح.
لكن لم يأتِ الرد المألوف الهادئ الذي اعتاد عليه.
كانت هذه أول مرة يرى فيها والده بهذه الحال، فكتم أدونيس دموعه وهو يحوّل نظره إلى النافذة.
فالسماء كانت قد انقشعت فجأة، كأن العاصفة لم تهب أصلًا.
سقوط عن الحصان؟ يا لها من نكتة.
هذا لا يمكن أن يكون صدفة… مستحيل.
كان أدونيس واثقًا.
فوالده خرج برفقة تلك الفتاة ذات النظارات من أجل “التعويض” الذي طلبته.
لا شك أن لهذه الفتاة علاقة بالأمر.
وفجأة لمح شيئًا خارج النافذة.
شخصٌ ما يرتدي عباءة ذات قلنسوة كبيرة يمشي مسرعًا نحو الباب الخلفي الصغير المؤدي إلى الممر الجانبي الغربي.
كان ينظر حوله بقلق وكأنه يتأكد من خلو المكان.
كان تصرفه مريبًا.
حينها انخفض بصر أدونيس الحاد مثل حيوان مفترس يثبت نظرته على فريسته.
‘متسلّل؟‘
أمسك بقوسٍ صغير، وتقدّم نحو النافذة ببطء.
* * *
لسببٍ ما، صفت السماء فجأة، لكن الهواء كان شديد البرودة بفعل العاصفة التي هدأت للتو.
كانت ميلي تمشي فوق الثلج الذي لم يكتمل تراكمه بعد متجهة نحو الباب الصغير في سور القلعة.
كان الناس هنا طيبين.
لو أخبرتهم أنها سترحل وحدها لمنعوها بشدة، وإن أصرّت لرافقها أحدهم.
فمع الحادث الذي تعرّض له الدوق بسبب سوء الطقس، لن يتركها أحد ترحل بهذه السهولة.
لكن ميلي، بلا أدنى شك، كانت ترى أن سبب الحادث هو هي نفسها.
لذلك أرادت أن تغادر دون أن يلحظها أحد.
وحين وصلت إلى باب السور…
شوووق. طَق.
مرّ شيء بسرعة فوق قمة رأسها واستقرّ مغروسًا في الجدار أمامها.
“آااه!”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"