ꕤ الفصل 4 ꕤ
* * *
كان ذلك مساءَ البارحة.
نجحت ميلي — وبشقّ الأنفس — في الاعتذار عن مأدبة العشاء التي رغبت الدوقة في إعدادها لها احتفالًا بتوقف العاصفة الثلجية أخيرًا وفرح سكان الإقليم، لكن الأزمة الثانية لم تتأخر في الظهور.
“هٰـ–هذا… هل يُفترض أن آكل كل هذا وحدي؟“
“إن لم يرق لك الطعم، فلا بأس أن تتركي ما تشائين.”
“بل لا يمكن ألّا يروق لي! لكن كيف تطلبون مني أن أترك الطعام؟!”
على المائدة وُضع دجاجٌ كامل مشويّ مدهون بالزبدة حتى يلمع، وبطاطا مهروسة غارقة بالكريمة، وخبزٌ منتفخ مخبوز بدهن البقر، وسبانخ مقلية بصلصة الجبن، وأنواع متعددة من لحم الخنزير المُجفف المصنوع يدويًا.
وإلى جانب ذلك، قُدّم لها خيار شراب التفاح العطري أو الشاي الأسود بالحليب الدافئ، فضلًا عن كعكة العسل الطازجة للتحلية.
كان عشاءً يضاهي — بل ربما يفوق — ما اعتادت تناوله في بيت إحدى النبيلات التي عملت لديهن سابقًا.
“إن تركتُ الطعام فسأُعاقَب! أرجوكم… سآكل هذا القدر فقط، أرجوكم!”
“همم… ما دمتِ تصرين إلى هذا الحد فلا حيلة لي. سأرفع الباقي إذن.”
“شكرًا جزيلًا لك سيدي!”
وبإصرارها على الاكتفاء بطبق من اللحم المجفف والسبانخ، وبضع قطع من الخبز، وزجاجة عصير تفاح، تمكنت أخيرًا من إنهاء وجبتها بسلام نسبي.
“الأفضل أن تكوني حذرة.”
“نعم؟ حذرة من ماذا…؟“
“لا أثق بك.”
ثم جاءت الأزمة الثالثة، حين التقت بالدوق الشاب أدونيس وهو يخرج من قاعة الطعام.
بدا وكأنه أنهى طعامه مبكرًا، وكان يسير وحده.
وما إن رآها حتى لم يُخفِ نظرته المشككة.
ارتبكت ميلي واحتجّت بخجل:
“ألم تكن أنتَ من أنقذني؟ لماذا كل هذا الشك…؟“
“ولهذا بالذات لا أثق بك. رأيتُ بنفسي أي مأزق خرجتِ منه، ثم تقولين إنك لا تطلبين شيئًا في المقابل؟“
“أنا صادقة…”
“همف. كلام سخيف.”
كان واضحًا أنه لن يُصغي مهما قيل.
أدركت ميلي ذلك سريعًا فآثرت الصمت.
ويبدو أن قرارها كان صائبًا، إذ اكتفى أدونيس بترك جملة واحدة قبل أن يتجاوزها ويمضي.
“سأراقبك… فقط انتظري.”
غريبٌ كيف يمكن لمن أنقذك ذات يوم أن يصبح مزعجًا إلى هذا الحد خلال يوم أو يومين فقط.
رمقته ميلي بنظرة ضيق ثم هزّت كتفيها وقررت العودة إلى غرفتها للراحة.
لكن ربما بسبب المشادات التي سبقت العشاء…
“معدتي… ليست بخير.”
حاولت ترتيب أغراضها ثم النوم، غير أن شعور التخمة وعدم الارتياح لم يتركها.
وبعد تقلب طويل، استسلمت، ونهضت، ولفّت شعرها بمنشفة، وارتدت نظارتها وعباءة سميكة، ثم خرجت بهدوء من غرفة الضيوف.
كانت تحمل في يدها زجاجة عصير التفاح التي لم تشربها على العشاء بنية التجول قليلًا لهضم الطعام.
ولحسن الحظ، كان القصر شبه خالٍ في هذا الوقت من المساء، ما أتاح لها المشي براحة أكبر.
لكن هذا القصر… غريب فعلًا.
على غير العادة، ومنذ أن فتحت عينيها فيه، لم يحدث أي سوء حظ.
‘في العادة لا أجرؤ حتى على المرور في أماكن معلّق فيها مشاعل أو مفروشات جدارية…’
كانت معتادة على السير في ممرات خالية تمامًا، لأن أي شيء معلّق على الجدران أو الأسقف كان لا بد أن يسقط أو يتحطم.
وبينما كانت تمشي في ممر مزخرف لأول مرة منذ زمن طويل، شدّت حواسها تلقائيًا وغرقت في التفكير.
‘هل لقلادة الحظ تأثير عليّ أيضًا؟ لكن إن كان كذلك… فلماذا لم يحدث شيء عندما كنت أعيش مع الجدة؟ أم أن الحظ لا يعمل إلا هنا؟‘
لم تجد جوابًا، لكنها حين رفعت رأسها وجدت نفسها قد وصلت إلى الطابق الأول.
بدت روائح الطعام وأصوات الصحون قريبة، ويبدو أنها اقتربت من المطبخ.
كانت زجاجات خمر فارغة مكدسة على الأرض هنا وهناك.
لا بد أنهم شربوا كثيرًا.
وبينما كانت تتفادى الزجاجات، بلغ سمعها صوت حديث خافت.
“السيد الصغير ترك معظم طعامه اليوم أيضًا.”
“مع ذلك، أكل أكثر من المعتاد.”
السيد الصغير؟ لم يخطر ببالها سوى وجه ذلك الدوق الشاب ذي الشعر الأسود.
بدا في الثانية عشرة من عمره على الأكثر، أصغر منها بوضوح رغم لهجته المتعجرفة الساخرة.
يبدو أنه صعب الإرضاء في الطعام.
لم تكن متأكدة بسبب الملابس الشمالية الثقيلة، لكن مظهره النحيل لا يوحي بشهية جيدة.
أبناء النبلاء لا يعرفون قيمة الطعام… ثم يشتكون من قِصر القامة.
ومن دون تفكير، خرجت عبر أقرب باب لتبتعد عن الأصوات.
كان تجنب الناس عادة راسخة لديها، اتقاءً للحوادث.
وبينما كانت تتجه نحو الحديقة الخلفية حيث يقلّ المارّة…
— ، — !
سمعت فجأة صوتًا غريبًا.
‘ما هذا الصوت…؟‘
لم تستطع تمييزه؛ أهو صوت إنسان أم حيوان.
وتذكّرت ما سمعته عن الدببة والذئاب في جبال الإقليم، فدبّ فيها الخوف.
لكن خبرتها الطويلة مع سوء الحظ جعلتها تعتقد دائمًا أن أي أمرٍ غير طبيعي يحدث بقربها يكون سببه هي.
وعدم التحقق بنفسها كان يسبب لها قلقًا لا يُحتمل.
‘لا تخافي… لا تخافي.’
قبضت على زجاجة عصير التفاح كأنها سلاح، وتقدمت ببطء نحو الصوت، الذي ازداد وضوحًا.
“أوخ… أوووه…”
كان هناك شخص صغير الحجم منحنٍ يتقيأ.
وبالنظر إلى كثرة زجاجات الخمر، لم يكن الأمر مستغربًا… لولا أن البنية الجسدية الواضحة لا تبدو لشخص في سن يسمح له بالشرب.
“كح… كح…!”
لم يخرج شيء بعد الآن، ومع ذلك استمر في التقيؤ الجاف.
لم يكن ضرب الظهر لينفع.
هذا لم يكن مجرد إفراط في الأكل؛ جسده كان يرفض الطعام لسببٍ ما.
عرفت ذلك جيدًا… فقد مرّت به حين فشلت محاولاتها المتكررة للموت.
اقتربت خطوة، ثم توقفت مترددة.
‘ماذا أفعل…؟‘
خفّت نوبات التقيؤ، وبقي الشخص مطأطئ الرأس يلتقط أنفاسه.
حاولت ميلي أن لا تتأفف من الرائحة الحامضة، ووقفت على مسافة تراقبه.
‘هل تحسّن؟‘
إن كان كذلك، فالأفضل أن تنسحب بصمت.
فهي تعرف تمامًا أن شخصًا مثل أدونيس يكره أن يراه أحد في مثل هذا الوضع.
استدارت بهدوء لتغادر…
فشَش—
لامست حافة عباءتها شجرة في الحديقة،
وسُرعان ما انهمر الثلج المتراك على أغصانها دفعة واحدة.
‘يا إلهي…!’
سمعت خلفها حركة مفاجئة، وكادت تصرخ في داخلها وهي تسرع بالابتعاد.
“مهلًا، أراكِ تهربين.”
“…..”
سمعت صوته المبحوح خلفها لكنها تظاهرت بعدم السمع.
غير أنه لم يتركها تمضي.
“يا ذات النظارات… توقفي.”
‘انتهى الأمر.’
أغمضت ميلي عينيها بإحكام ثم استدارت ببطء.
حدّق فيها أدونيس بدهشة للحظة، ثم ازدادت ملامحه تصلبًا وهو يقترب.
‘…ورطة حقيقية! هو أصلًا لا يستلطفني.’
تفصّد العرق البارد من رأس ميلي.
حين كانت تعمل من قبل، كانت تتعامل مع كلمات زوجة الكونت وكأنها أوامر سماوية، فكيف لها الآن — حتى لو لم يكن ذلك عن قصد — أن تكون قد أهانت ابن الدوق؟
هل يمكن أن يمرّ مثل هذا الأمر مرور الكرام؟
كانت هذه أول مرة تواجه فيها شخصًا بهذه المنزلة الرفيعة، ولذلك بدت لها خبراتها المتراكمة من حيوات سابقة عديمة الجدوى هنا.
وفي النهاية، لم تجد أمامها سوى خيارٍ واحد: أن تستخرج كل ما راكمته عبر سنوات طويلة من العيش في أدنى السلم الاجتماعي، وأن تستخدم خبرتها دون تردد.
وكان ذلك الخيار هو—
“ارتكبتُ ذنبًا يُستحق عليه الموت يا سيدي الشاب!”
أن تبادر هي نفسها بالسقوط أرضًا والتوسل قبل أن يُطلب منها ذلك.
ويبدو أن لهذا الأسلوب أثره فعلًا؛ فقد شعرت بأن الدوق الشاب الذي كان يقترب منها بحدة، قد تردد خطوة.
استغلت ميلي الزخم، وضربت جبهتها بالأرض الثلجية وهي ترفع صوتها في ابتهال صادق.
“أرجوك اعفُ عن خطيئتي، فقد تجولتُ بلا هدى وجهلتُ الطريق، فوقع بصري في موضعٍ أزعج حضرتك!”
“…يا هذه، ماذا تفعلين؟ انهضي فورًا!”
نجحت الخطة.
كان الارتباك واضحًا في صوته، ما دلّ على أن الأسلوب آتى ثماره.
لم تتحرك ميلي قيد أنملة، وواصلت التوسل بنبرة ثابتة وهي تضرب رأسها بالأرض مرارًا.
“أرجوك الصفح—!”
“اللعنة، متى قلتُ إنني سأقتلك أصلًا؟“
“أرجوك اعفُ عني—”
“قلتُ لكِ فهمتُ، انهضي حالًا!”
‘خمسة… أربعة… ثلاثة… اثنان… واحد.’
عدّت ميلي خمس ثوانٍ في سرّها، ثم رفعت جسدها ببطء.
فالقيام سريعًا يُظهرها بمظهر رخيص.
كانت جبهتها تؤلمها من شدة الاصطدام، وعدسات نظارتها مغطاة بالثلج فلم تعد ترى أمامها جيدًا.
“هاه… يا للعجب…”
ورغم أن رؤيتها كانت مشوشة خلف النظارة البيضاء، إلا أنها استطاعت أن تميّز أدونيس وهو يهزّ رأسه بسخط، كأنه لا يصدق ما يرى.
“انتهى الأمر، اذهبي فحسب…”
راقبها لحظة وهي تزيل الثلج عن عدسات نظارتها، ثم تجاوزها ومضى.
لم يكن ذلك لأن غضبه قد زال، بل لأنه بدا وكأنه لم يعد يرى في مجابهتها أي قيمة.
ومع ذلك، فإن نجاتها من غضب الدوق الشاب دون أذى كانت إنجازًا يستحق الذكر.
تنفستُ الصعداء أخيرًا…
لكن بينما كانت تزفر ارتياحًا—
— “أوخ… أووه…”
— “كح، كح…!”
طفا في ذهنها من جديد ذلك الظهر المنحني، وصوت السعال، والأنين الممزوج بالألم الذي رأته قبل قليل.
“…….”
في النهاية، مسحت الثلج عن عينيها على عجل، ثم لحقت به.
“سيدي الشاب! لحظة من فضلك…”
“ماذا أيضًا؟ قلتُ إني سامحتك، اللعنة. أم ماذا تريدين بعد؟“
حين استدار أدونيس، بدا وجهه أشد شحوبًا من المعتاد، ربما بسبب آثار الغثيان.
نظرت ميلي إلى وجهه الشاحب كصفحة بيضاء للحظة، ثم أسرعت ودست في يده الزجاجة التي كانت تمسكها.
“أنا… لم أرَ شيئًا ولم أسمع شيئًا، لكن عصير التفاح معروف بأنه يفتح الشهية ويساعد على الهضم… وأنا أتناوله جيدًا، فخذه أنت. …وسأنصرف الآن!”
“مهلًا، هاي—”
لم تنتظر ميلي سماع بقية كلامه، بل اندفعت تركض كيفما اتفق، وعادت إلى داخل القصر مسرعة.
ومن دون أن تعلم، كان أدونيس واقفًا خلفها ممسكًا بزجاجة عصير التفاح وفمه مفتوح في ذهول يحدّق في ظهرها المتلاشي كدمية تعطلت فجأة.
…ولم تمضِ خمس دقائق على تمدد ميلي على سرير غرفة الضيوف حتى ركلت الغطاء عنها بعصبية.
فهو دوق شاب يستطيع أن يشرب عصير التفاح بالصناديق متى شاء، فما الذي أدخل خادمة معدمة أن تتدخل بهذا الشكل؟
كان كبح رغبتها في تمزيق الوسادة بيديها ليلتها أمرًا بالغ الصعوبة، وبالطبع لم تنل قسطًا يُذكر من النوم.
* * *
…وحتى حين استحضرت الأمر من جديد، شعرت بأن إرهاق تلك الليلة القليلة النوم عاد ليجتاحها.
وفي النهاية، توصلت إلى أكثر الاستنتاجات حكمة:
عليّ فقط أن أغادر بأسرع ما يمكن.
وهكذا، حين كان الدوق ينتظر ردها بشأن الذهاب لرؤية الفيلا التي ستتولى إدارتها، أجابته ميلي بوضوح وحزم:
“…سأفعل.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"