ꕤ الفصل 3 ꕤ
* * *
‘…كان ذلك ندم عمري كله.’
عندما عادت ميلي للمرة الأخيرة وقررت أن تلتزم بوصية كاثرين، رأت أنّ هذه المرة يجب أن تكون مختلفة حقًّا عمّا سبق.
لذلك كان أول ما فعلته هو أن تسأل كاثرين نفسها مباشرة عن حقيقة هذه القلادة وعن الغاية من المهمة التي أوكلتها إليها.
وكما توقعت، لم تكن القصة عادية، ولهذا لم تفتح كاثرين فمها بسهولة.
انتظرت ميلي بصبر، وفي النهاية بدأت كاثرين تسرد حكايتها الطويلة.
“لقد كان أمرًا فعلته بإرادتي، فلا أستطيع أن أصفه بالخطأ… لكنني في ذلك الوقت لم أكن في وعيي حقًّا. فقدتُ زوجي وطفلي معًا. لم يكن ذنب أحد، لكن قلبي الذي لم يجد من يلومه، صبّ غضبه ظلمًا على الدوق السابق…”
تقلص وجه كاثرين المتجعد.
كانت شفتاها تبتسمان لكن عينيها لم تبتسما.
امتزج صوت ضحكتها بنوبات السعال فصار مزعجًا.
هدّأت ميلي كاثرين حتى هدأ سعالها، ومسحت فمها برفق.
وبعد جهدٍ طويل حتى استقرت أنفاسها، واصلت كاثرين كلامها.
“أردتُ أن أُشعره بما يعنيه أن يُسلب المرء أثمن ما يملك. في البداية فكرتُ في سرقة ابنه… لكنني لم أستطع.”
“لأن الطفل لا ذنب له.”
“نعم، نعم، صحيح… الطفل لا ذنب له…”
ثم بكت طويلًا قبل أن تتمكّن أخيرًا من متابعة حديثها.
“لذلك أخذتُ هذه القلادة بدلًا منه. إنها نجمة أورورا، الإرث الذي يحمي حظ قلعة الدوق. إنها مشهورة، ولعلك سمعتِ بها من قبل.”
أومأت ميلي برأسها، فهي تعرف شيئًا عن نجمة أورورا.
فقد قُتل أحد دوقات ألبر قبل أجيال في صراعات سياسية خفيّة، وبقيت الدوقة أرملة بين ليلة وضحاها تربي الدوق الصغير وحدها.
عندها منحها الإمبراطور آنذاك هذه القلادة.
وقيل إنّها حظيت بتكريس من المعبد الأكبر، وتجلب الحظ السعيد.
كانت قصص المؤامرات والكنوز مادة محببة للأطفال، ولهذا أصبحت نجمة أورورا واحدة من الحكايات التي يكبر عليها أبناء ألبيونيا منذ الصغر.
لكن كاثرين هزّت رأسها.
“غير أنّ ما تعرفينه ليس كل شيء. لأن هذه القلادة في الحقيقة…”
* * *
“حين سلّمتني هذه القلادة قالت إنها ندم عمرها كله. أعلم أن اعتذاري لا يكفي، لكنني مع ذلك أنحني أمامكم طالبـة الصفح.”
انحنت ميلي مرة أخرى.
هل سيقتلها؟ ربما لا، لكنها كانت مستعدة لأي شيء قد يأتي، وانتظرت الرد.
إلا أنّ الصمت طال أكثر مما توقعت.
وحين بدأت تشعر بألم في عنقها من طول الانحناء، جاء الصوت أخيرًا.
“هكذا كانت القصة إذن… ارفعي رأسك.”
رفعت رأسها، فلم ترَ في وجه الدوق أي أثر للغضب.
إن كان هناك شيء، فقد بدا أقرب إلى الشوق.
وبينما كانت تتعجب من اختلاف رد فعله عمّا توقعت، سألها:
“لماذا لم تأتِ كاثرين بنفسها، وأرسلتك وحدك؟“
“جدتي… توفيت بسبب المرض.”
“…أهكذا.”
أظلمت ملامح الدوق وكذلك كبير الخدم الواقف خلفه.
هل كان يعرف جدتي؟
لم تستطع ميلي سوى أن تخمّن.
وهكذا انتهى الأمر.
نهض الدوق وهو يقول لها أن ترتاح.
وحين بدا أنّ الدوق الشاب غير مصدّق أن الأمر سيمرّ بهذه البساطة وحاول الاعتراض، أوقفه الدوق وأضاف:
“لا داعي لأن تعتذري عن أمرٍ ليس ذنبك. بل على العكس، بفضل شجاعتك ومجيئك من طريقٍ بعيد… انظري.”
وأشار إلى خارج النافذة.
كانت السماء زرقاء صافية بلا غيمة واحدة كسماء الخريف تملأ الإطار كله.
“سماء بهذه الصفاء نادرة جدًا عندنا. شكرًا لإعادتها.”
* * *
“…حقًّا لا أستطيع التأقلم مع هذا.”
حاولت ميلي قدر الإمكان ألا تغادر غرفة الضيوف، لكن كلما اضطرت للخروج لسببٍ ما، شعرت بالأنظار تلاحقها، وهو أمر أثقل كاهلها.
ففي العادة كان الناس يديرون وجوههم عنها علنًا، قائلين إن النظر إلى الشعر الأحمر وحده يجلب النحس.
ورغم أن لم يضايقها أحد هنا بسبب لون شعرها، إلا أنها واصلت إخفاءه بقطعة قماش كما اعتادت، لهذا السبب بالذات.
ولم يكن ذلك كل شيء.
‘وما هذا اللقب الذي أطلقوه عليّ؟! “الفتاة التي أوقفت العاصفة الثلجية“؟!’
صحيح أنها جاءت وهي تعلم مسبقًا أن القلادة تجلب الحظ، لكنها لم تتخيل قط أن يظهر أثرها بهذه الصورة.
ربما الأدق أن يقال إنها أوقفت سوء الحظ.
والمثير للدهشة أنّ هذا المكان لم يُعرف بلقب «قلعة الشتاء الأبدي» إلا بعد أن سرقت كاثرين القلادة وهربت.
فقد استمر الشتاء طوال العام، مما أجبر كثيرين على فقدان أعمالهم ومغادرة الإقليم.
وفوق ذلك، كان الخروج من الإقليم في هذا الطقس القاسي مقامرة بالحياة نفسها، ومن لم يكن قادرًا على تحمّل تلك المشقّة اضطر للبقاء مكتفيًا بالتنهّد كلما نظر إلى السماء.
لذلك، لم يكن مجيء ميلي لهم أقلّ من غيثٍ بعد قحط.
…ومع ذلك، وبما أنّ ميلي نفسها اعتادت أن تُعامل كرمزٍ للنحس، فإن هذا اللقب الجديد كان كفيلًا بأن يثير القشعريرة في جلدها.
‘…لن أصبر إلا قليلًا! قريبًا سأنتقل إلى بيتٍ جديد.’
ورغم أن الدوق الشاب ما زال ينظر إليها بعدم ارتياح، متأثرًا بانطباعه الأول عنها كلصةٍ صغيرة وبسبب احتكاكاتهما المتكررة، فإن الدوق والدوقة أرادا أن يمنحا ميلي تعويضًا لائقًا.
بل إنهما ما إن انتهت إجراءات التحقق الشكلية من القلادة، حتى سألاها مباشرة عمّا تريد، لأنها لم تطلب شيئًا مقابل ما فعلت.
“نودّ أن نكافئك على إعادة القلادة. إن كان لكِ طلب، فقولي ما تشائين.”
“مكافأة…؟“
ترددت ميلي قليلًا لأنها لم تكن تتوقع مكافأة أصلًا.
لكن يبدو أن الدوق أساء فهم هذا التردد، فضحك بصوتٍ عالٍ وأضاف:
“في رأيي أنتِ شخص ذو كفاءة لا بأس بها، ويمكنني تلبية معظم الطلبات، فلا تقلقي وقولي ما تريدين. وإن كان الأمر صعبًا حتى عليّ… هاها، عندها نبحث له عن حل.”
“إذًا… أرجو أن تمنحوني بعض الوقت للتفكير.”
بدل أن تصحح سوء فهمه، قررت ميلي أن تجلس مع نفسها وتفكر فيما تريده حقًّا.
أومأ الدوق برأسه، وبدأت هي تفكر.
حوادث لا تنتهي كلما حاولت فعل شيء.
أناس من حولها يتضررون بسبب ذلك.
نظرات تتغير بمجرد رؤية الشعر الأحمر.
‘لقد سئمت.’
وعلى عكس ما توقعت، جاء القرار ببساطة.
فتحت ميلي فمها لتتكلم، وفي تلك اللحظة انزلقت قطعة القماش البيضاء التي كانت تغطي شعرها، فانكشف اللون الأحمر القاني.
“أنا سيئة الحظ. دائمًا ما تتحطم الأواني في الأماكن التي أعمل فيها لأسباب تافهة لا تُذكر، والذين يعملون معي يتعرضون للإصابات باستمرار. وفي كل مشوار أُكلَّف به، لا بد أن يقع حادث في الجهة المتعاملة معنا، ولا يتركني أصحاب العمل وشأني أبدًا.”
ربما بسبب ما سمعه من كلام غير متوقع، عقد الدوق حاجبيه، لكنه ظل صامتًا يصغي إليها وكأنه يشجعها على المتابعة.
“وهذه مجرد أمثلة، فمثل هذه الأمور تلاحقني بلا حصر. لا أعرف السبب، ولذلك لا أستطيع إيجاد حل. ولهذا، فإن حلمي هو أن أعيش بهدوء، من دون أن تظهر هذه الأعراض، ومن دون أن أحتك بالناس، وأن أعيش من غير أن أسبب الأذى أو الإزعاج لأحد.”
كانت القصة مختلفة تمامًا عما توقعه، وثقلها جعله يلتزم الصمت للحظات.
ثم فتح فمه أخيرًا، ولخص حديثها بجملة واحدة:
“إذن، تريدين أن تعيشي في مكان قليل الناس، بلا همّ المأكل والملبس والمسكن، حتى لا يتورط الآخرون في سوء حظك. هل فهمتُك على نحو صحيح؟“
كان تلخيصًا دقيقًا تمامًا.
حدّقت ميلي فيه لثوانٍ بدهشة، ثم أومأت برأسها.
“إذًا… نعم، هذا صحيح.”
“سيكون ذلك وحيدًا بلا شك.”
عند هذه الكلمات، ارتسمت على وجه ميلي ملامح حزن خفيف.
“الاعتياد على فقدان ما لم يكن موجودًا أصلًا أقل وحدةً من فقدان شيء امتلكته يومًا.”
“…حسنًا، فهمت.”
وكأنما تذكّر موت كاثرين، بدا أن الدوق قد تفهّم الأمر فارتسم على وجهه حزن مشابه وتنازل خطوة إلى الوراء.
ثم غرق لحظة في التفكير قبل أن ينادي على البارون كينغستون، المسؤول المالي الذي كان حاضرًا معه.
“نورمان، أليس في إقليمنا مبنى في مكان ناءٍ قليلًا يحتاج إلى من يتولى إدارته؟“
“بلى يا سيدي. كان الدوق السابق يخطط لبناء فيلا صغيرة في مكان تصله الشمس جيدًا، لكن خطأ في مرحلة التصميم جعل حجمها أصغر من المتوقع. أظنها تقع قرب سهل أوبْرين.”
“هذا مناسب! كنا نفكر في تعيين وصي على المنطقة، لكن إن كانت الآنسة لا تمانع، فبإمكانها تولي الأمر هناك.”
“…..؟“
بهذه السهولة؟
رمشت ميلي بعينيها وهي في غاية الذهول.
“ما دمنا قد بدأنا، فلنُتمّ الأمر سريعًا. ما رأيك أن نذهب غدًا لإلقاء نظرة؟ بما أنه مكان ستعيشين فيه، فمن الأفضل أن تريه بنفسك قبل اتخاذ القرار.”
“غدًا؟“
لم يمض وقت طويل منذ تعرّفها إلى الدوق أليكسيس، لكنها أدركت بسهولة أنه شخص حاسم، سريع القرار، لا يتردد في إنجاز الأمور.
أليس هذا سريعًا أكثر من اللازم؟
وبينما كانت ميلي غارقة في ترددها، تذكرت فجأة لقاءها مع الدوق الشاب أدونيس في الحديقة بعد العشاء.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"