ꕤ الفصل 10 ꕤ
― “ذلك الطفل مريض. والأطفال المرضى،كما تكون أجسادهم واهنة تكون نفوسهم مرهفة ومتحفّزة، فينصبّون أشواكهم سريعًا ويجرحون من حولهم.”
كان حديثها طويلًا إن شئت اعتباره طويلًا، وقصيرًا إن شئت عكس ذلك.
وحين أعادت ميلي استرجاعه في ذهنها، تنفّست بعمق وكأن زفرةً ثقيلة انفلتت من صدرها.
‘أم لعلّه العكس؟ ربما لأن جسده عليل، يتمسّك بكبريائه أكثر.’
وبينما كانت تقلب الفكرة السابقة وتمشي، رفعت ميلي رأسها فجأة.
السماء التي كانت متوهّجة بحمرة الغروب امتزجت الآن بزرقة داكنة فتكوّن لون بنفسجي غامض ينسكب فوق السهل الثلجي الممتدّ كصفحة بيضاء بلا نهاية.
كان المشهد آسرًا بحق، فتنهدت دون أن تشعر.
“واو… ما أجمله.”
“…يا لحظكِ العاثر. لسنا هنا في نزهة سياحية، هاه… فلا تسيئي الفهم.”
وكأنه كان ينتظر تعليقها، التقط أدونيس كلماتها وسدد إليها ردًا لاذعًا.
وعلى الرغم من انقطاع عبارته واختلاطها بأنفاس متلاحقة تُظهر بوضوح أنه يلهث، فإن طباعه الحادة بقيت على حالها.
‘إذا كان يلهث إلى هذا الحد لمجرد أن يتكلم، أليس من الأفضل أن يتظاهر بعدم السمع ويمضي بصمت؟‘
فكّرت ميلي وهي تعترف في قرارة نفسها أنها مهما حاولت تفهّم أدونيس لا تستطيع منع نفسها من الغضب من كل كلمة يتفوّه بها.
“الشمس توشك على المغيب. ينبغي أن نسرع.”
“حسب الخريطة، المفترض أن يكون هنا… فلماذا لا أرى المدخل؟“
خطف غيراينت الخريطة من يد كاي وأخذ يتفحّصها مادًّا عنقه وهو يجول بنظره في الجوار.
استعاد كاي الخريطة منه بعد لحظة، واقترب أدونيس وميلي ليتأملاها معًا.
صحيح أن الخريطة كانت مبسّطة إلى حد كبير، لكن النقطة المحددة كمدخلٍ للكهف كان يفترض أن تكون قريبة من موقعهم الحالي، إن لم يكونوا قد تجاوزوها بالفعل.
مسح أدونيس عينيه المتعبتين وسأل:
“متى تظنّ أن هذه الخريطة استُخدمت آخر مرة؟“
“سمعتُ من سموّها أنها استُعملت آخر مرة عند فحص احتياطي حجر الجليد البلوري.”
عند سماع ذلك، انتبهت أذنا ميلي.
حجر الجليد البلوري معدن يُستخرج غالبًا من شمال القارة، ويشبه في هيئته قطعة جليد ضخمة كما يدل اسمه.
ويُقال إن فيه طاقة غامضة شبيهة بالقوة المقدسة، لذا تعادل قيمته الذهب أو الألماس، بل ربما تفوقهما.
حتى إن الناس يمزحون قائلين إن من يعثر على عِرقٍ منه يغنيه خمسة أجيال، فلا يحسد الإمبراطور نفسه.
وبالنسبة لميلي التي لم تعش قط في الشمال ولم تعرف طريقًا إلى الثراء الفاحش، لم يكن حجر الجليد البلوري سوى جوهرةٍ من الأساطير.
‘إذن هو موجود حقًا.’
أدركت مجددًا أنها في أرض غريبة تمامًا عنها.
وفي الوقت ذاته، خطرت لها فكرة سرية: لو استطاعت أن تلتقط قطعة واحدة من الكهف، فهل تعينها في بقية حياتها؟
“قالوا إن ذلك كان قبيل بدء شتاء ألبر مباشرة… أي عندما كان سموّه في مثل عمر السيّد الصغير تقريبًا.”
بمعنى أن الخريطة لم تُراجع منذ عقود.
تداخلت ميلي قائلة:
“أفلا يُحتمل أن التضاريس تغيّرت مع مرور الزمن؟“
يقولون إن عشر سنوات تكفي لتغيّر الجبال والأنهار، فما بالك بأرض ألبر التي تتساقط عليها الثلوج يومًا بعد يوم لعقود؟
فالثلج المتراك إذا تراكم بلا انقطاع ينضغط حتى يصير جليدًا صلبًا وثقيلًا.
تخيّلت ميلي بسهولة كيف يمكن لثلج لا ينقطع أن يشكّل جدارًا جليديًا يسد مدخل الكهف، ثم تُدفن الفتحة تمامًا بطبقاتٍ جديدة من الثلج.
وكأن غيراينت تخيّل الأمر نفسه، فشهق قائلًا:
“تبًّا! أليس معنى هذا أن مدخل الكهف قد اختفى؟“
“مع ذلك، لا بد أن يبقى منفذٌ ما. الوحوش لا بد أن تدخل وتخرج من جحورها، والثلج قبل أن يتجمّد قد ينساب إلى الأماكن المنخفضة.”
أكّد أدونيس ذلك مستحضرًا لقاءهم السابق مع قطيع الذئاب البرية، فتلقّف كاي كلامه:
“لنصعد قليلًا. وكما قلتَ، قد تكون هناك فجوات ينساب منها الثلج فجأة، فعلينا الحذر. سنتقدّم نحن أولًا.”
ومع أن غيراينت أخذ يطلق تعليقات عبثية عن مستقبله المشرق، فإنه أخرج عصًا طويلة وتقدّم مع كاي.
هذه المرة، حين بدأ يشرح نصائح البقاء، بدا أكثر جدية من ذي قبل.
“أخطر ما في الجبال الثلجية ليس الوحوش ولا البرد، بل العزلة. قد تختبئ تحت الثلج شقوق ضيقة أشبه بأودية صغيرة، إن وطئتموها انهار بكم السطح وابتلعكم، فلا يُعثر عليكم أبدًا. لذا امشوا فقط حيث نتأكد نحن.”
كان الشقيقان يغرزَان العصا في الأرض أثناء تقدّمهما ليتحققا من وجود فراغات.
وسارا ميلي وأدونيس خلفهما جنبًا إلى جنب.
كانا منهكَين بالفعل من السير في ثلج يغوص حتى منتصف الساقين متيقظَين لكل خطوة، لكن بعد أن غربت الشمس لم يعد من السهل اقتراح التوقف.
في تلك اللحظة تحديدًا—
قرقر بطنها.
ولحسن الحظ لم يكن الصوت مرتفعًا بما يكفي ليسمعه الآخرون، فمسحت ميلي على بطنها الفارغ بخفة.
‘…أنا جائعة. هل حان وقت العشاء؟ همم؟ وبالمناسبة…’
انتبهت فجأة إلى السيّد الصغير النحيل الذي يسير بجوارها مجبرًا.
هي والفرسان تناولوا الغداء، أما أدونيس فلم يأكل إلا بالكاد.
لا بد أنه بلغ حدّه منذ زمن.
إن لم يتوقفوا ليأكل شيئًا، فسيكون الأمر خطرًا.
همست له بصوتٍ خافت لا يسمعه الفرسان:
“ألا نرتاح قليلًا؟ ينبغي أن تتناول عشاءك يا سيدي الصغير…”
“أتتذرّعين بي لأنكِ تريدين الراحة؟ عَشائي… لا شأن لكِ به.”
“حسنًااا.”
أجابت ببرود، ثم رمقته خلسةً بنظرة جانبية.
هكذا دائمًا؛ لذا يلمّح الفرسان إليها كلما احتاج أدونيس إلى الراحة.
أما الآن فهم منشغلون بالحذر من الظلام وما تحت أقدامهم، ولم يبقَ لمراقبة حالته سوى هي.
وكما توقعت—
كان يصعد الجبل وهو يلهث بشدة، وما إن شقّ طريقه في الثلج المتراكم حتى منتصف ساقيه حتى ترنّح فجأة.
مدّت ميلي ذراعها بسرعة وأمسكت به.
“أرأيت؟ قلتُ إن عليك أن ترتاح!”
“قلتُ لا حاجة لذلك!”
نفض أدونيس يدها بعنف دافعًا إياها بقسوة.
كادت تسقط على ظهرها في الثلج، فتخبّطت محاولة الحفاظ على توازنها، وتراجعت جانبيًا بخطوات متعثرة.
عندئذٍ—
انبعث من الموضع الذي وطئته صوتٌ مريب، كأن كميات هائلة من السكر أو الملح تُسكب دفعةً واحدة.
“هاه؟“
“آااه!”
انهار الثلج تحت قدميها فجأة وابتلعتها الأرض.
التفت الفرسان متأخرين وهم يصرخون:
“خطر!”
مدّ كاي عصاه أو غمد سيفه نحوها.
مدت يدها لتحاول الإمساك، لكن الثلج المنهار اندفع إلى وجهها وحجب رؤيتها.
شعرت أنها أمسكت بشيء غير أن الإحساس بالانجراف إلى الأسفل تزايد، وما لبثت أن فقدت ما كانت تمسكه.
هل كانت لا تزال تسقط؟ أم أنها سقطت بالفعل؟ لم تعد تدري.
نظرت حولها بذهول.
كان الأمر غريبًا للغاية.
“الثلج الذي أعرفه أبيض… لكن هنا كل شيء…”
ظلام.
* * *
لا تدري إن كانت قد فقدت وعيها، لكن ضوءًا ساطعًا اخترق جفونها فجأة ففتحت عينيها بسرعة.
“آه… الضوء ساطع…”
الغريب أن مصدر الضوء لم يكن شمسًا ولا مصباحًا.
تحسست نظارتها وارتدتها ثم أخذت تبحث بعينيها عن مصدر الإضاءة—لتكتشف أن الضوء ينبعث من داخل صدرها.
“…ما هذا؟“
لم تسمع قط أن صدر إنسان يمكن أن يشع نورًا.
ارتبكت، ولمّا تحسست موضع الضوء لمست شيئًا صلبًا باردًا تحت ثيابها.
أخرجته بسرعة—
كان عقدها يضيء.
“كيف حدث هذا…؟“
راحت تقلب القلادة في يدها وتتفحصها، ثم لاحظت أمرًا آخر: شدة الضوء تختلف بحسب الاتجاه الذي تمسكها به.
كان الموضع الذي سقطت إليه تحت الأرض أشبه بنفقٍ ضيّق يمتد في اتجاهين.
فإذا وجّهت القلادة نحو أحد الجانبين خبا ضوؤها حتى يكاد ينطفئ، وإذا أدارتها نحو الجهة المقابلة أطلقت نورًا متوهّجًا شديدًا.
وفي موقفٍ ظنّت فيه أنها هالكة لا محالة، كان ذلك بصيص عزاءٍ وحيدًا لها.
“هل سقط غطاء رأسي وأنا أهوي…؟“
صحيح أنها كانت تضع المنديل لإخفاء شعرها، لكنه كان مريحًا أيضًا؛ فلفّ الرأس به كان أسهل من ترك الشعر منسدلًا.
أما الآن، وبعد أن فقدته، صار شعرها يلامس وجنتيها ومؤخرة عنقها باستمرار، ولم تستطع التكيّف مع ذلك الإحساس المزعج.
“سأبحث مرةً واحدة أخرى ثم أتحرّك— آه!”
وبينما كانت تمسك القلادة كأنها شمعة، تتحسّس بها الأرض بحثًا عن المنديل، لم تقع يدها على قماشٍ أبيض بالٍ كما توقعت… بل أمسكت بذراع إنسان.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"