ꕤ الفصل 1 ꕤ
“آه!”
قبضة فظة أمسكت بخصلة شعرها الأحمر القاني بعنف.
أما النظارة التي كانت ترتديها، فقد كانت قد طارت منذ زمن إلى مكانٍ لا تعرفه.
“أيتها الجرذ القذر، أتجرؤين على قتل إخوتي ثم الهرب؟“
صرخ الرجل وهو يشهر سكينًا أخرجه من حزامه.
“كنتُ أنوي سلبكِ فقط وترككِ حية… لكنني غيّرتُ رأيي.”
تمتم كالمجنون وهو يلوّح بالسكين، فتلوّت الفتاة التي كان يشدّ شعرها.
وبسبب مقاومتها، انحرف النصل ومزّق معطفها البالي.
رفرفت قطعة المعطف الممزقة وسقطت باتجاه أسفل الجبل، حيث كانت جثث قطاع الطرق الملقاة هناك.
لم تستسلم الفتاة، بل أخذت تصرخ وتقاوم بكل ما أوتيت من قوة.
“قلتُ لك إنني لم أقتلهم!”
تلألأت عينا الرجل المحتقنتان بالغضب، ولوّح بالسكين مرة أخرى.
أغمضت الفتاة عينيها بإحكام.
وفي اللحظة التالية…
بدلًا من الإحساس ببرودة النصل وهو يشقّ جلدها—
شووخ… طخ.
دوّى صوت شيءٍ اندفع بسرعة من فوق رأسها.
وسط رعبٍ كاد يقطع أنفاسها، شعرت بأن اليد التي كانت تشدّ شعرها ترتخي وتسقط ببطء.
“ما… ما هذا…؟“
فتحت عينيها بتردّد ورفعت رأسها، فرأت قاطع الطريق ينهار أمامها والدم يسيل من جبينه حيث استقرّ سهمٌ غليظ، ورأت في الجهة المقابلة فتىً أسود الشعر يوجّه نحوها نشّابًا.
“آه…”
زحفت الفتاة بيأس فوق الثلج محاولة الابتعاد عن جثة اللص وعن مجال تصويب النشاب.
وما إن رآها الفتى حتى أنزل سلاحه ببطء.
في اللحظة التي التقت فيها عيناها بعينيه الذهبيتين الباردتين اللتين لا تناسبان ملامحه الغضة—
“…….”
استدار الفتى فورًا وسحب قلنسوة معطفه السميك على رأسه.
عندها فقط استطاعت الفتاة أن ترى بوضوح القلعة الهائلة التي كان يتجه نحوها.
تلك القلعة التي لم تكن تراها طوال الوقت إلا بشكلٍ ضبابي بسبب تساقط الثلج… قلعة الدوق الأكبر في ألبر، ها هي أخيرًا ماثلة أمام عينيها.
‘يا إلهي… لقد وصلنا فعلًا…’
ما إن أدركت ذلك حتى تراخى التوتر، وغادرتها القوة من جسدها.
انقشعت الغيوم، فصار الضوء ساطعًا يؤلم عينيها.
لا تدري إن كان سبب الدموع هو وهج الشمس أم غير ذلك، لكنها كانت تنهمر بلا توقف، ولم تعد تملك حتى طاقة مسحها.
نفدت كل قدرتها على السير.
وهي تلعن ركبتيها اللتين كانتا تخذلانها، مدت يدها نحو الفتى الذي أخذ يبتعد عنها شيئًا فشيئًا.
“من فضلِك… هل يمكننا أن نسير معًا قليلًا…؟“
لكن صوتها لم يكن أسرع من خطواته المتجهة نحو بوابة القلعة.
ومع أن تنورتها ابتلّت بالثلج المتراكم، واصلت التقدّم على ركبتيها وكأنها تتوسّل الوصول.
وفي النهاية—
سقطت أرضًا.
قرق.
وفوق كل ذلك، بدأ جسدها الغبي يعلن جوعه بلا حياء.
صرخت في داخلها بيأس.
‘لا… لا يمكن… بعد كل هذا الطريق، وقد بقي القليل فقط…!’
مدّت ذراعها بصعوبة وهمست بكلمة واحدة:
“أنـا جائعة…”
وما إن انتهت من همستها الواهنة، حتى أظلمت الدنيا أمام عينيها.
* * *
طَق… طَق…
كان الفتى قد توقف وعاد أدراجه دون أن تشعر.
نقر لسانه بانزعاج وهو ينظر إليها.
“هل قالت للتو إنها جائعة؟“
“يبدو ذلك…”
“……”
إلى جانب الفتى، انحنى أحد الفرسان ونظر إلى الفتاة وسأل:
“هل نحملها معنا؟“
تحرّكت نظرة الفتى ببطء لتستقرّ على القلادة المعلّقة في عنق الفتاة.
كانت فاخرة إلى حدٍّ مبالغ فيه، ولا تنسجم أبدًا مع هيئتها الرثة.
ضاقت عيناه الذهبيتان وهو يحدّق في عنقها.
حُليّ لا تليق بمن يحملها… ومطاردة كذلك.
“ما زلت أفكّر.”
“عفوًا؟“
“انظر إليها. تبدو كفتاة خفيفة اليد. من الواضح أنها سرقت شيئًا ثم وقعت في ورطة وهي تهرب.”
“لكن… هل يعقل أن تأتي إلى مكان كهذا؟“
“لصّة تجرؤ على سرقة شيء كهذا لن تكون ذكية جدًا. وعندها… لماذا لا؟ قد تصل إلى هنا فعلًا.”
ورغم أنه كان يرى أن ما جرى لها قد يكون نتيجة أفعالها، إلا أن الفتى ركلها بطرف قدمه إشارةً إلى الفارس كي يحملها.
تقدّم الفارس دون اعتراض وحمل الفتاة على ظهره، بينما فكّ الفتى القلادة التي لا تنسجم مع حالها من عنقها.
“غالبًا مسروقة… وإن ادّعت أنها لها، يكفي أن نقول إننا احتفظنا بها كأمانة—هم؟“
تحرّك حاجباه السوداوان فجأة.
سأل الفارس، وهو يستعد للتقدّم بها:
“ما الأمر؟“
“تأكدت الآن أنها مسروقة.”
“ماذا؟“
شدّ الفتى قبضته حول القلادة وقال بصوتٍ خافت:
“وصاحبتها… شخصٌ أعرفه.”
* * *
الخادمة ذات الشعر الأحمر، ميلي، كانت تعيسة الحظ.
بل الأدقّ من ذلك: كانت تحمل التعاسة معها أينما ذهبت.
أولًا، كانت يتيمة.
وكان الجميع يرى أن عدم نشأتها كابنةٍ محبوبة في أسرة “طبيعية” أمرٌ بديهي، ما دامت تجلب النحس معها.
أما ميلي نفسها، فكانت أحيانًا تذهب أبعد من ذلك، فتفكّر أن تعاستها ربما امتدّت إلى والديها، فتسبّبت في موتهما المبكر.
ثانيًا، كان شعرها أحمر.
في نظر شعب إمبراطورية ألبيونيا، كان الشعر الأحمر نذير شؤم.
فهو نادر من جهة، ومن جهة أخرى ارتبط عبر التاريخ بأشخاص سيئي السمعة دوّنت أفعالهم المشؤومة في السجلات.
طاغية قتل الناس بتثبيتهم على الأوتاد، ساحرة ادّعت القداسة، قرصان أُعدم شنقًا، قائد فرسان حاول التمرّد… وغيرهم.
ولهذا السبب، كان كثيرون يتجنّبون الزواج من أصحاب الشعر الأحمر أو حتى مخالطتهم.
وحين عرفت ميلي بذلك، خطرت لها فكرة موجعة: لعل والديها قد تخلّيا عنها بسبب لون شعرها.
ثالثًا، لم تستطع يومًا أن تعمل في مكانٍ واحد أكثر من ثلاثة أشهر.
كانت ميلي بالنسبة ليتيمة شوارع، جميلة على نحوٍ غير محظوظ، لكنها لحسن الحظ كانت ذكية إلى حدٍّ لا بأس به.
وبفضل ذلك، أدركت أن إخفاء لون شعرها بغطاء رأس، وتمثيل دور فتاة بسيطة التفكير لكنها لطيفة ومهذبة، يجعل العمل كخادمة أمرًا غير صعب.
غير أن إخفاء الشعر لم يكن كافيًا لمنع التعاسة من الحدوث من حولها.
ففي المهمات التي كانت تُكلَّف بها، كانت تقع حوادث عربات متكررة أو صفقات احتيال، وأحيانًا كان يصيب المتعاملين معها مكروه.
وإذا عملت في المطبخ، فما إن ترفع عينيها لحظة حتى تشتعل النار في القدر.
أما الفطر والأعشاب الجبلية، فكان لا بدّ—لسوء الحظ—أن تختلط بها أنواع شديدة السمية.
ومع ذلك، فإن ميلي نفسها، التي كانت تقف في قلب كل تلك المصائب، نادرًا ما كانت تتعرّض لأذى مباشر.
وهو ما جعل أيّ شخص يشكّ بها أمرًا لا مفرّ منه.
وفوق ذلك، كان غطاء الرأس الذي يلفّ شعرها ينزلق في أسوأ الأوقات، وكأنه بلا حسّ ولا توقيت.
— نأسف، لكننا نفضّل أن تغادري القصر.
— سيمنحك السيّد بعض مكافأة نهاية الخدمة، ولو كانت قليلة.
— يا لسوء الحظ، كنتِ حمراء الشعر!
— آوينا يتيمة لا مأوى لها، فإذا بها تخدعنا منذ البداية!
الخادمة الحمراء التي تجلب التعاسة.
في مرحلة ما، انتشرت السمعة، وصار يكفي أن تُرى عيناها الخضراوان وغطاء رأسها حتى تُقابَل بالطرد من على الأبواب.
ومع نموّها وازدياد جمالها، لم تعد ضحية مصادفات نحس فحسب، بل وقعت أيضًا فريسة لغيرة قذرة ورغبة في التملّك.
— وأنتِ مجرد خادمة في بيتنا، كيف تجرؤين على الترفّع على سيّدك الصغير؟
— أنتِ… ألقيتِ لعنة شيطانية على ابني، أليس كذلك؟ لقد رأيت ذلك!
ذلك الزمن الذي كانت تتقاضى فيه مكافأة، وتحزم أمتعتها، وتغادر القصر بقدر من الكرامة، كان قد ولّى منذ زمن.
ففي النهاية، وُسمت بلقب الفاتنة الشريرة أو الساحرة، وطُردت حافية القدمين.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد أمامها سوى إخفاء وجهها بنظارات سميكة ومعتمة قدر المستطاع.
رابعًا، كل من ساعدها… مات.
فتاة جميلة تُطرَد حافية تسير في الشوارع بثياب رثة.
شعرها الأحمر المجعّد الكثيف يلفت الأنظار حتى من بعيد، وملابسها بالية لا قيمة لها.
في اللحظة التي كادت تقع فيها فريسة لأشرارٍ لاحظوها بأبشع طريقة، كانت التي أنقذتها عجوزًا تعيش وحيدة في القرية، تُدعى كاثرين.
— يا صغيرتي، لا بدّ أنكِ جائعة؟
رغم علمها بأنها تنقل الشؤم معها، ورغم تعبها من النبذ والإشارات والاتهامات في كل مكان، لم تستطع الفتاة أن تقاوم رائحة الحساء المتسلّلة من داخل البيت.
لم يكن معلومًا إن كانت كاثرين مريضة من قبل أم لا.
لكن المؤكّد أن جسدها بدأ يضعف يومًا بعد يوم منذ أن أدخلت ميلي إلى بيتها.
‘لا أريد أن تموت الجدة بسببي.’
وهكذا، بعدما قرّرت الرحيل وبدأت تستعدّ لذلك بهدوء، جاء يومٌ لم تعد فيه كاثرين قادرة حتى على النهوض من فراشها، فنادت ميلي.
— لا داعي لأن تتعبي نفسك. سأموت قريبًا.
— لا تقولي هذا!
— غضبك لن يطيل عمري. لذا أرجوكِ، نفّذي لي طلبًا.
— …وما هو؟
كان طلب كاثرين بسيطًا في ظاهره.
— خذي هذه القلادة إلى قلعة الشتاء، في أقصى الشمال.
— يبدو أنني لن أتمكّن من وطئ تلك الأرض مرة أخرى وأنا على قيد الحياة.
أقصى الشمال، قلعة الشتاء.
كان هذا هو اللقب الذي تُعرف به قلعة دوقية آينسورث الواقعة في قلب إقليم ألبر، أقصى شمال الإمبراطورية.
أسرة آينسورث كانت عائلة عريقة تضاهي الأسرة الإمبراطورية مكانة، إذ تولّت منذ تأسيس الإمبراطورية وحتى اليوم مهمة حماية الحدود الشمالية.
وكما يليق بحماة الحدود، كان الفرسان التابعون لها جميعًا ذوي مهارات فائقة، حتى قيل إن هيبتهم كانت يومًا ما طاغية.
لكن منذ بضعة عقود، لم تتوقّف العواصف الثلجية، فعُزل الدوق ومن في القلعة عن العالم، وبدأ نفوذهم يضعف تدريجيًا، حتى لم يعد أحد يقصد الإقليم، وبات وجودهم شكليًا لا أكثر.
‘هل سأصل إليها بسلام؟‘
سؤالٌ لم يخطر ببالها إلا لأنها كانت تعرف أن ذلك شبه مستحيل.
العربة التي استأجرتها بعد أن توسّلت وزادت الأجرة تعرّضت لحادث.
وحين حاولت عبور الجبال وحدها، واجهت ذئابًا ودببة.
وبعد أن أفلتت من الوحوش واطمأنّت قليلًا، صادفت قطاع طرق.
كانت ميلي تريد فقط… أن ترتاح.
— خذوا هذا! سأعطيكم إياه! خذوه، واتركوني وشأني!
ما حدث بعد ذلك لم يعد عالقًا في ذاكرتها بوضوح.
هل ضحك اللصوص وهم يتسلّمون القلادة؟
لم يكن ذلك مهمًا.
لأن العالم انقلب بعدها مباشرة……
‘نأسف، لكننا نفضّل أن تغادري القصر.’
حين استعادت وعيها، كانت قد عادت إلى الماضي.
نعم.
خامسًا، ولسببٍ مجهول، كانت تعود مرارًا وتكرارًا إلى طفولتها التعيسة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
رواية جديدة من المترجمة بوني تشااان حدها 92 فصل بس ، طبعا الروايه نشرت في شهر 10 يوم 10 2025 بالكوري وانا هلق بديتها، صراحه استغرب كيف محد ترجمها لانها تجنن بس يلا انا لديكم لا خوف عليكم.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"