56
في الآونة الأخيرة، كانت إيفلين غريبة. كان الجميع في قصر ولية العهد يشيرون إلى ذلك، سواء الخدم أو العاملين في القصر.
“يبدو أنها فاقدة للطاقة، أليس كذلك؟ لم تعد تبحث عن الحلويات.”
“صحيح، كما أنها قللت من الكلام. هل هي مريضة؟”
“ربما لأنها فقدت خادماتها المقربات؟”
“هذا ليس صحيحًا…فهمي لم تبحث عنهما. أليس كذلك، دوقة؟”
توجهت الأنظار إلى جوليا.
“هل يجب أن أعد لها طعامًا صحيًا؟”
“… لا حاجة لذلك. سأذهب وأتحدث إليها.”
قالت جوليا بصوت هادئ. كانت تعلم السبب وراء صمت إيفلين هذه الأيام. يمكنها أن تشعر أن إيفلين كانت تراقبها.
“أنا لست شخصًا يمكنه الوثوق بالعديد من الأشخاص في العالم. لكنكِ يا جوليا ، واحدة من القلائل الذين يمكنني الوثوق بهم.”
صوت فقد كل قوته. عينان منخفضتان أكثر من المعتاد. الجدية التي كان يقنع بها جوليا لعدة أيام.
كل هذا كان غير معتاد من سيرتين. وحتى الصدق الذي كشف عن مشاعره الحقيقية وكأنه يكشف عن ضعفه.
“سأخبر إيفلين. إذا كان بإمكانك أنتِ يا جوليا مساعدة إيفلين، أعتقد أنني سأستطيع أن أشعر بالراحة.”
في البداية، كان الأمر صادمًا.
إيفلين، التي كنت أعتقد أنها تتمتع بذكاء طفلة، كانت عاقلة بالفعل.
شعرت بالأسف على حياة إيفلين، التي كان عليها أن تتصرف هذا النحو لكي تنجو، وفي الوقت نفسه، شعرت بالحزن لأنني تعرضت للخداع.
حقيقة أنني شعرت بهذه الطريقة يجب أن تعني أنني منحت إيفلين الكثير من المودة دون قصد.
ومن بين كل المشاعر المعقدة، كان الشعور الذي أزعجني أكثر من غيره هو.
“هل سأتمكن من القيام بعمل جيد؟ هل سأكبح جماح نفسي؟”
كانت هذه الفكرة هي ما يخيفها. كانت إيفلين في وضع خاص الآن. لم تستطع إخبار أي شخص بمشاعرها الحقيقية، ولم تستطع أن تثق بأحد.
حتى أقاربها بالدم كانوا كذلك.
عندما سمعت أن إيفلين تعرضت للإساءة من قبل دوق سبيلمان، غرق قلبها.
كانت إيفلين وحيدة حقًا.
“ماذا لو أصيبت سموها بأذى بسبب خطئي؟ ماذا لو أصيبت بأذى بسبب عدم انتباهي؟ إذا لم تستطع أن تثق بي، فهل سيثق سموك بي حينها؟”
“إذا ارتكبتِ خطأ، فسيفعل الآخرون ما هو اسوء لآخرين.”
كان العبء يثقل على كتفيها. لكن جوليا قررت أن تكون شجاعة. لقد فكرت بعناية خلال الأيام القليلة الماضية واتخذت قرارًا.
“لا داعي للقلق. الأميرة إيفلين أقوى بكثير مما اعتقد.”
إذا لم تكن قوية، لما كانت لتتحمل الأمر حتى الآن. قال سيرتين إن إيفلين استعادت رشدها بعد زواجهما. لقد كانت تخفي الأمر لشهور، و هي تستعد لذلك.
كم كان الأمر مخيفًا؟ لابد أن الأمر كان أشبه بالاستيقاظ من نوم طويل.
لم تستطع جوليا أن تفهم عمق قلبها و مدى صبرها.
* * *
ومع ذلك، اعتقدت جوليا أن الأمر سيكون أقل صعوبة لأنها ليست المرة الأولى.
بما أن سيرتين قد كشف الأمر لها بالفعل، فلن يكون من الصعب إخبار جوليا.
لكن الأمر لم يكن كذلك.
لقد كان الأمر مختلفًا. لم يكن مجرد كشف للمعلومات، بل إنه يتعلق بكشف إيفلين للأمر بنفسها أمامها .كان من المؤلم أن تضطر إلى الانتظار حتى تقبلها إيفلين.
دخلت جوليا بمفردها بصينية.
‘همم….’
كانت هناك أوقات حيث يبقى كلاهما معا على هذا النحو، ولم تكن تعرف ماذا تقول. خاصة بعد أن اكتشفت أن سيرتين قد أخبر جوليا بسرها.
لم يبدو أن جوليا تهتم بي كثيرًا. كانت لا تزال تجهز الطاولة وتقدم المرطبات كالمعتاد.
لم تقل شيئًا عن ذلك؟ أو هل من الممكن أن سيرتين خدعني؟
لكن المرطبات كانت عادية للغاية. كان هناك قهوة لم تكن موجودة من قبل على الطاولة، ولم يكن هناك المزيد من البسكويت في طبقي.
بمجرد أن استدارت جوليا، التقت أعيننا.
“هل سوف تستمرين بملاحقتي هكذا؟ حتى رودريك وليا لا يفعلان ذلك.”
“آه… همم.”
الآن بعد أن التفكير في الأمر.
كنت ألاحق جوليا دون أن أدرك ذلك. منذ أن دخلت جوليا غرفتي.
توقفت وحدقت في جوليا بلا تعبير. ابتسمت جوليا بلا حول ولا قوة.
“يمكنك الجلوس براحة. يبدو الأمر و كأن مالكة الغرفة قد تغيرت.”
لا أعرف ماذا أقول الآن.
“مالكة القصر هي صاحبة السمو إيفلين. يمكنك الجلوس و التحدث بشكل مريح هنا…. انظري إلى تعبيري وجهي”
انحنى كتفا إيفلين عند هذه الكلمات.
هل كانت هناك فترة منذ أن دخلت في هذا الجسد حيث نظرت إلى تعبير وجه شخص ما؟ الآن، أصبح هذا جزءا من عاداتها. التفكير في مشاعر وعواطف الآخرين قبل مشاعرها.
ماذا لو تم اكتشاف هويتي؟ ماذا لو مت بسبب ذلك؟
لم أكن أعلم أن اخباري بالتصرف براحة كان صعبًا إلى هذا الحد.
“…ألم تكوني غاضبة مني؟ لقد كذبت على جوليا؟”
ضحكت جوليا ضحكة صغيرة عند سماع كلامها ، وعندما تلاقت أعينهما ، هزت رأسها.
“أنا لست غاضبة. لا استطيع فهم الأمر تمامًا لأنني لم أعش ما عشتِه تماماً. لكنني أفهم ما الذي كانت تحاول صاحب السمو إيفلين القيام به “.
حدقت في جوليا للحظة.
“وأعتقد أنني أفهم لماذا كان يجب عليكِ فعل ذلك. اعتقد أنني أستطيع أن أتخيل كم كنت وحيدة.”
“… جوليا.”
يبدو أن هذه الكلمات ضربت قلبي.
أنا وحيدة . لا أعرف لماذا انهمرت الدموع على وجهي عندما سمعت تلك الكلمات.
فركت نظفت وجهي لأمسح الدموع .
“آه لماذا دموعي … “.
“أنا ضعيفة للغاية لدرجة أنني لا أعرف ما إذا كان بإمكاني تقديم أي مساعدة.”
ناولتني جوليا منديلًا.
لقد كان هذا هو الوقت المناسب.
لقد كان مجرد وقت شاي عادي، واعتقدت أن جوليا ربما سترفضني.
كنت قد جئت إلى هنا بمفردي من قبل، كما كنت دائمًا، وكنت أواسي نفسي قائلة انني سأتمكن من تجاوز الأمر كما فعلت من قبل.
كنت أطمئن نفسي بأن سيرتين كان بجانبي، لذا كان الأمر على ما يرام. لكنني لم أتوقع أنني سأسمع هذه الكلمات.
أخذت منديل جوليا ولففته حول أصابعي. حتى الشعور الناعم به بدا غير حقيقي.
كانت لحظة انتشر فيها الصمت مثل الأمواج عبر الغرفة.
“لكن إذا كنتِ بحاجة إليّ، سأبذل قصارى جهدي.”
لم أتمكن من قول شيء، فقط أومأت برأسي بحماقة.
لقد حصلت على صديقة حقا.
“… شكرًا لكِ، جوليا.”
حولت جوليا وجهها ومسحت أنفها. بخار الشاي الذي كان يتصاعد من الفنجان اختفى، لكن قلبي أصبح أكثر دفئًا من ذي قبل.
لم أعد وحيدة.
* * *
في تلك اللحظة.
نزل أوغستين من العربة وألقى نظرة على القصر الذي كانت تنبعث منه أجواء غريبة إلى حد ما.
“ها.”
قبض أوغستين قبضته، واحتكّت أسنانه بعنف.
“أوغستين، ما الخطب؟”
سمع صوتًا غبيًا من الداخل.
لم يهتم أوغستين بالرد، بل تجاهل السؤال كما لو أنه لا يحتاج حتى إلى تحريك رأسه. طوال الطريق إلى الغرب، كان عليه تحمل تلك المرأة.
كانت بعيدة جدًا عن ابنة ماركيز ريموند.
كانت بلا إرادة، غبية، وكل ما كانت تعرفه هو الأكل.
كل ما كانت تعرف قوله : ” ألأ تشعر بالجوع؟ أنا جائعة…”
لم تكن كالحشرات الملتهمة للطعام فقط.
لذلك، تلك المرأة الطفيلية لن تفهم حتى معنى هذا المكان.
” تبا”
لم يستطع أوغستين قبول حقيقة أنه تم نفيه. كان قد بذل قصارى جهده من أجل سبيلمان ، ولكن الآن أصبح في هذا الوضع بدلاً من والده.
“أوغستين؟”
خرجت امرأة ضخمة كانت مكومة في العربة، كانت تجاهد لتنزل. لم يفكر أوغستين حتى في مساعدتها.
كانت الابنة الكبرى لعائلة إيشيلد، التي كانت قد فرّت من المركز وذهبت إلى الغرب بعد تدمير ثروتها.
على الرغم من أن العائلة كانت تدعي بلقب “الكونت”، إلا أنها كانت قد باعت ابنتها إلى الأقارب في القصر الإمبراطوري لتحصل على المهر.
ثم أصبحت تلك المرأة ملكًا لأوغستين.
“أوغستين؟”
ارتجفت معدة أوغستين عند سماع الصوت القاسي. بالكاد كبح جماح رغبته في الصراخ.
لقد قوبلت خطة أوغستين للزواج من ريموند و تأمين موقع قوي له في المركز و الهروب من ظل والده بفشل ذريع.
“أوغستين!”
“اصمتي! أيتها الحشرة!”
رأى كيف توقفت المرأة لحظة، لكن من يهتم. كانت مجرد امرأة لا يعرف حتى اسمها.