الفصل التاسع
───
يبدو أن الهيدرا قد فقد صوابه حقًا ، إذ بدأ بشن هجمات تختلف تمامًا عن سابقتها من حيث المدى.
قبل قليل كان يتخبط بالقرب من جسده … أما الآن ، فقد مد عنقه ليشن هجومًا واسع النطاق.
طراخ —!
“… أوه”
أمسك بي.
دببببببب!!!
سُحبتُ من كاحلي لأتدحرج على الأرض بضجيج صاخب.
كان ذلك نتيجة إهمالي و احتمالية قدرة الهيدرا على تحريك القصر نفسه ، إذ غفلت عن ذلك لتركيزي فقط على استطالة عنقه.
تدحرجتُ بعنف لدرجة أن عدم تكسر رأسي عند سقوطه أولًا كان معجزة ، لكن الغريب في الأمر هو عدم وجود خدش واحد على جسدي.
“يبدو أنكِ حقًا لا تصابين بجروح بالطريقة العادية؟”
بالتزامن مع قوله شعرت بالخطر و أدرت رأسي بسرعة و لكن …
تششششش —
كان السم قد مرّ بجانب خدي الأيسر بالفعل.
ما مدى قوة سم الهيدرا؟ هل كان قويًا أم ضعيفًا؟ أتذكر أنه كان شديد السمية.
و سواء كان ضعيفًا أو قويًا ، فبمجرد تسممي لن تنفعني المراوغة للنجاة. حسمت أمري ، و التقطت قطعة من الرخام المتناثر حولي و ضربتها بكل قوتي.
“… مقاومة عديمة الفائدة!”
خدشت قطعة الرخام التي ألقيتها رأس الهيدرا ، لكنها للأسف لم تتجاوز حد الخدش. و من هنا توصلت إلى حقيقة واحدة.
‘الهجوم … يؤثر فيه؟’
كان حديثي مع نفسي خافتًا جدًا ، و يبدو أنني الوحيدة التي سمعته. و لكن ، ما السبب الذي يجعل البشر يخافون الأشباح؟
المظهر المرعب؟
الأجواء الموحشة؟
كل هذا صحيح ، لكن السبب القاتل هو ‘عدم فاعلية الهجمات الفيزيائية’. و هذا يعني —
“يا أنت”
“ما الذي تودين قوله”
“استعد لتلقي ضربة تحطم أسنانك”
ضربة محملة بروح الكوريين ، سأريك إياها اليوم حتى لو كان ذلك آخر عهدي بالحياة.
ضحك الأفعى باستخفاف و أكمل كلامه.
“هه. مهما فعلتِ ، فأنتِ الآن مصابة بسمي ، أليس كذلك؟ قولي وصيتكِ الأخيرة”
“من يدري. بما أنني سآخذك معي حتى لو مت ، أليس لديك أنت وصية؟”
“ماذا؟”
بالتزامن مع قولي ، مزقت الستارة السوداء و ألقيتها على رأس الهيدرا و ركضت. كانت الستارة المعلقة على الزجاج المعشق واسعة بما يكفي لتغطي حتى عيون رؤوس الهيدرا التسعة.
بما أن الهجمات الفيزيائية تؤثر فيه ، فليس أمامي سوى فعل شيء واحد تمليه علي ذاكرتي عن أسطورة الهيدرا.
“أيتها المجنونة!!!”
سمعت صراخ الهيدرا من خلفي لكنني لم أعر الأمر اهتمامًا.
“تم الأمر”
التقطت مصباحًا يشبه الشمعة كان معلقًا بالكاد على جدار القصر ليدل على مكانه. و بالرغم من أن هذا الضوء كان ضئيلًا …
“هل هربتِ إلى هناك لمجرد حجب رؤيتي …؟”
في تلك اللحظة القصيرة ، استعاد الهيدرا رؤيته و هاجمني ، لكن ذلك لم يعد يهم الآن.
إذ لم يستطع الهيدرا التخلص من الستارة تمامًا.
و اشتعال ——!!!!
وجود الستارة كوسيط للاحتراق مع النار كان يعني انتصاري الوشيك.
“مجنـ … أأنتِ مجنونة؟ كيـ … كيف يمكن لبشرية!!!”
نمت تلك النار الصغيرة بسرعة ، و بدأت تلتهم الستارة و معها الهيدرا المتصل بها في لمح البصر.
“يا للهول. ألم تكن أنت من قال أولًا إنني لست بشرية. فلا داعي للتحجج بكوني بشرية الآن”
“كيف عرفتِ نقطة ضعفي …!”
كانت الشمعة صغيرة ، لكن كان هناك الكثير منها في أنحاء القصر. كنت أعرف نقطة ضعف الهيدرا بالفعل ، لكنني لم أتحرك إلا الآن لعدم تأكدي من مدى فاعلية الهجوم الفيزيائي عليه. و حجب الرؤية بالستارة لم يكن إلا لحظة عابرة.
لو لم تكن النار نقطة ضعفه ، لكنت الآن فريسة في جوفه.
أجل. لولا أن النار هي نقطة ضعفه ، لكنت الخاسرة في هذه اللحظة.
و خشية ألا تكفي النار ، أحضرت ببرود بقية الشموع و ألصقتها بجسد الهيدرا. تقول الأسطورة إنه خالد … و حتى لو مات ، فهو في قصر أشباح ، سينتهي به المطاف كشبح و انتهى الأمر.
و بعد مرور فترة طويلة على خمود النيران ، لم أرخِ دفاعي ، و نظرت إلى الهيدرا المتفحم الذي لم يعد يُعرف شكله و قلت: “يا هذا ، أتبكي؟”
“…….”
“أتبكي؟ سألتك إن كنت تبكي”
على عكس السابق ، لم ينفجر غضبًا من استفزازي. و مع ذلك ، شددت دفاعاتي. و تحدثت و أنا أنظر إلى الشمعة بهدوء ، عازمة على حرقه فورًا إذا نطق بأي رد غريب.
“ألا تدرك أن التظاهر بالموت لن ينفعك. أعلم بالفعل أن رأسك التاسع خالد”
ربما يكون قد مات حقًا ، لكنني لم أنسَ قصة خلوده ، فخاطبته بصوت هادئ.
ماذا لو كان قد مات فعلًا؟
حسنًا ، سينتهي الأمر بإحراجي وحدي فقط.
“كيـ … كيف”
كما توقعت ، كان هذا الأفعى الماكر يحاول التظاهر بالموت ، إذ كان صوته المرتعش يجيبني. قررت التظاهر بالجهل.
“من يدري. لا أفهم حقًا عما تتحدث”
قلت ذلك و أنا أتفقد حالة الهيدرا. يبدو أنه قرر التوقف عن التظاهر بالموت ، فنزع الستارة عنه و جعل بؤبؤي عينيه السوداوين يرتجفان بشدة. ما الخطب؟ من ماذا أنت خائف هكذا؟
في البداية ، ظننتُ أنه صُدم ببساطة لأن ثمانية من رؤوسه التسعة أصبحت مهترئة لدرجة استحال معها إحياؤها ، لكن نظراته كانت مثبتة باستمرار على خدي.
أجل. كان ينظر إلى خدي الأيسر الذي مسّه سمه قبل قليل.
لم يبالِ بقطع أعناقه ، و ظل يحدق بعينيه الكبيرتين البشعتين في خدي دون انقطاع ، و تمتم كمن يتلو تعويذة: “مستحيل ، حـ … حتى لو كان وحشًا ، فإن سمي”
“أجل ، لم يؤثر فيّ؟ في الحقيقة ، أظن أن ذلك الوحش الذي سممته لم يكن سوى وحش من درجة متدنية. و خلاصة قولي هي —”
أخذت نفسًا لزيادة حدة التوتر ، ثم نظرت إلى الهيدرا و أكملت كلامي ببرود: “لقد حان الوقت لتدفع ثمن طغيانك و تجاوزك لقدرك. أليس كذلك ، يا صغيري”
* * *
‘وحش متدنٍ؟ لا تقول ترّهات’
هكذا فكر الهيدرا.
سُمّ الهيدرا كان يُعامل بحذر شديد لقدرته على إصابة أيّ شيء بجروح. في الأصل ، كان سبب سجنه في هذا القصر هو سمه الذي ‘يمكنه جرح حاكم الأزل’.
و تلك المرأة قامت بتحييد ذلك السم دون أن تشعر بأي ألم.
لم يستطع الهيدرا إخفاء ارتباكه أمام هذا الواقع غير التصديقي.
إنها كائن لا ينتمي لهذا العالم.
و هذا يعني أن حقيقة تلك المرأة هي كائن من مستوى عالٍ جدًا ، لدرجة أنّه لا يمكنه مواجهتها بشكل صحيح.
على الأقل ، هذا ما فهمه الهيدرا.
أي شخص يسمع هذا سيظن أنه كلام لا يعقل. و قد يظن البعض أنه مجرد تظاهر بالقوة.
و لكن ، و مع ذلك …
في رأي الهيدرا ، لم يشعر أبدًا أن ما قالته المرأة كان مجرد ادعاء.
فبمجرد النظر إلى أقوالها و أفعالها ، كان من السهل إدراك أنها لم تكتفِ بتحييد السم بطريقة عادية. ‘ذلك الشيء’ ليس حاكمًا. و ليس بشرًا أيضًا.
تذكر الهيدرا ما قالته المرأة: ‘يمكنك أن تعتقد ما تشاء. فأيًّا كان ما تفكر به ، لن يؤثر ذلك علي كثيرًا’
تلك الجملة التي اعتقد أنها مجرد تظاهر بالقوة لا يعقل.
الأشباح توجد بفضل الإيمان بها. و إذا لم تكن هناك ‘أساطير’ أو ‘حكايات’ أو ‘قصص مرعبة’ تدعمهم ، أو إذا وُجدت و طُمست ، فإن قوتهم ستتأثر. و لكن …
كيف تقول إن ما يفكر به لن يؤثر فيها بشكل كبير … هل هذه جملة يعقلها عقل؟ كانت المرأة صامدة و كأن لا شيء يمكنه التأثر بها. و قد أثبتت صدق كلامها ببساطة حين قامت بتحييد سم الهيدرا ، الذي لا يمكن لأحد في هذا العالم علاجه ، و كأن شيئًا لم يكن.
مهما نظرت إليها ، لم تكن بشرًا.
و مهما نظرت إليها ، لم تكن شبحًا.
و إذا لم تكن حتى حاكمة ، فما هي تلك المرأة بحق الخالق؟
ابتلع ريقه من التوتر.
لا يعلم لماذا ، ولأي غرض ، نزل ذلك ‘الشيء’ المجهول الهوية إلى أرض هذا العالم و استوطن ذلك الجسد … و لكن حاليًا.
“لقد حان الوقت لتدفع ثمن طغيانك و تجاوزك لقدرك. أليس كذلك ، يا صغيري”
كان تجنب غضب تلك المرأة أهم من أي شيء آخر.
المرأة ، إيلي ، كانت تبتسم و ترفع زوايا فمها فقط. المرأة التي تحمل اسم ‘إيلي’ كانت جميلة بلا شك ، و لكن في هذه الأجواء الموحشة ، لم تكن تلك الابتسامة المنحوتة سوى مصدر للرعب.
اتخذ الهيدرا … قراره.
بووف!
كان عليه أن يتوارى لينجو.
* * *
تلقيت صوت “بووف” و توترت سرًا و أنا أرى الهيدرا يختفي وسط الدخان. هل هذه … المرحلة الثانية؟ عادة ، لا تنتهي شخصيات الزعماء بمرحلة واحدة ، بل هناك زعماء مملون يشبهون الصراصير لا ينتهون مهما قتلتهم.
‘واو ، مجرد التفكير في الأمر يثير الاشمئزاز’
بما أن مواجهة وحش يملك حياة لا تنتهي بجسد بشري محدود تعني المخاطرة بالحياة لا محالة ، فلم يكن أمامي سوى التوتر. لقد هزمت المرحلة الأولى بصعوبة ، فماذا أفعل إذا ظهر بشكل أقوى؟
و لكن تلك المخاوف تحولت إلى حيرة بمجرد انقشاع الدخان. ما ظهر بعد انقشاع الدخان لم يكن الهيدرا بهيئة الأفعى الذي رأيته قبل قليل ، بل —
“أرجوكِ ، ارحميني”
رجل وسيم …
هاه؟
فركت عينيّ.
لأنني شعرت بشك عميق في أنني رأيت شيئًا خاطئًا. و لكن مهما رمشت بعينيّ ، لم يختفِ الرجل الوسيم الواقف أمامي.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"