استمتعوا
“سمعتُ صوتَ عصاكِ.”
“سمعتَ هذا الصوت؟ مع أنك في السابق لم تكن تسمع حتى صوت دخولي.”
“أكان الأمر كذلك؟ هذه الأيام، بات السمعُ أوضح.”
كان ذلك أمرًا طبيعيًا.
فحين يُحبَس المرء طويلًا في مكانٍ لا يرى فيه شيئًا، تصبح سائر الحواس أشدَّ حدّةً شيئًا فشيئًا.
لا يقتصر الأمر على السمع فحسب، بل تقوى حاسة الشم، ويغدو اللمس أكثر حساسيةً كذلك.
“هممم، أليسوا يقولون إن الصوت الذي ننتظره بشغف يُسمَع أوضح من غيره؟ سيدي، لعلّك كنتَ تنتظر قدومي، أليس كذلك؟“
ألقيتُ مزحتي كعادتي.
توقعتُ أن ينتفض غاضبًا ويقاطعني قائلًا. أيُّ هراءٍ هذا؟
لكن مهما انتظرتُ، لم يأتِ من كاليوس أيُّ رد.
“سيدي…؟“
لماذا لا تجيب؟
حين لا تتلقّى مزحتي، يصبح الجوّ محرجًا جدًا، أتعلم؟
طال الصمت حتى شعرتُ بالحرج، وكنتُ أحكُّ مؤخرة رأسي، حين قال فجأةً.
“نعم، كنتُ أنتظر.”
“هاه؟ ماذا؟“
رمشتُ بعينيّ مذهولة، غير مصدّقةٍ ما سمعت.
ثم أردف كاليوس بصوتٍ متبرّم.
“…كنتُ أشعر بالعطش منذ فترة، لكنني لم أستطع العثور على قنينة الماء. وفي النهاية، لم أشرب حتى رشفةً واحدة، وسكبتُ الماء في مكانٍ لا علاقة له بالأمر. أين كنتِ حتى الآن؟ ولماذا تأخرتِ هكذا؟“
آه، هكذا إذن.
آنذاك فقط فهمتُ سبب توتّره، فسارعتُ أشرح سبب تأخري.
“كان وقت الغداء، فتأخرتُ لأنني كنتُ أتناول الطعام. أعتذر.”
“ماذا؟ كنتُ على وشك الهلاك من العطش، وأنتِ تتناولين طعامكِ بكل أريحية؟“
“آه، أنا أيضًا عليّ أن أعيش، أليس كذلك؟!”
يا له من تعسّفٍ حقًا.
دعنا نأكل بسلام، أليس كذلك؟
تقدّمتُ إلى الطاولة الجانبية، ورفعتُ قنينة الماء التي كان قد أراق معظمها.
ثم سكبتُ ما تبقّى فيها في كأس.
“الماء هنا.”
“لا حاجة.”
“لماذا؟ قلتَ إنك كنتَ عطشانًا.”
“قلتُ لا حاجة. …بل أنتِ.”
قالها بصوتٍ أشدَّ تصلّبًا.
“من الآن فصاعدًا، تناولي طعامكِ هنا. غيابكِ حين أحتاجكِ أمرٌ مزعج.”
“هنا؟ تريدني أن آكل هنا…؟“
“نعم. ما دام لا يوجد أحد بجانبي، يدخل أيّ كان إلى غرفتي ويخرج.”
توقّف لحظةً قبل أن يتابع.
“مهما كنتُ مثيرًا للسخرية، فليس من المقبول أن يقتحم أحد الغرفة دون إذن…”
“…”
لعلّه كان متأثرًا جدًا بما حدث قبل قليل.
صحيح، حتى أنا لم أكن أتوقع أن تقتحم ماري ودوروثي المكان فجأةً.
ثم إنهما، بعد الحادثة السابقة، كان من المفترض أن يكون دخولهما ممنوعًا منعًا باتًا.
وفوق ذلك…
كما قال كاليوس، ربما كان سبب وقاحتهما أنهما استصغرتا شأن السيد المريض في قرارة نفسيهما.
لا بدّ من تهدئة خاطره.
فتحتُ فمي مسرعةً لأغيّر الأجواء.
“حسنًا، سيدي. سأخبر رئيسة الخدم بهذا الأمر حتمًا.
هل تحتاج إلى شيءٍ آخر غير ذلك؟“
“يكفي ما قلته الآن.”
“لكنّك قلتَ إن غيابي أزعجك…”
“ها.”
أطلق ضحكةً ساخرةً فور سماعه كلامي.
“يبدو أنكِ صرتِ مغرورةً قليلًا. اهتمّي بتصرّفاتكِ أولًا.”
“نعم؟“
“كم أنتِ مهملةٌ في العادة حتى يجرؤ أمثالهنّ على الاستهانة بكِ…”
توقّف فجأةً عن الكلام.
“لا، لا يهم. على أيّ حال، افعلي عملكِ على أكمل وجه من الآن فصاعدًا. ولا تكوني مهملةً في الدوام كما حدث اليوم.”
قالها بحدّة، ثم سُمِع صوتُ تقلّبه في السرير.
“…”
مهملة في الدوام؟ هذا ظلم!
كل ما فعلته أنني ذهبتُ لأتناول الطعام.
أحاول الاهتمام به، وفي النهاية أُوبَّخ أنا؟
يا للعجب.
***
مرّت بضعة أيام بعد أن أبلغتُ رئيسة الخدم بما فعلته ماري ودوروثي.
وحسب ما سُمِع، فقد نُقلتا للعمل حصريًا في غرفة الغسيل، تقضيان اليوم كلَّه في غسل الملابس.
لا بدّ أن أيديهما الآن متورّمة من شدّة العمل.
‘حتى وإن جاء الربيع، فماء البئر لا يزال باردًا جدًا… يجب أن أكون أكثر يقظةً في عملي.’
وبينما كنتُ أقبض يدي بعزم، سُمِع إلى جانبي صوتُ تثاؤبٍ خافت.
كان صوت كاليوس، الذي ظلّ مستلقيًا على السرير طوال اليوم.
‘…’
راقبته لحظةً بصمت، ثم رأيتُ أن الفرصة سانحة، فقلت.
“سيدي، إن كنتَ تشعر بالملل، ما رأيك أن نتمشّى قليلًا؟“
حتى الشخص السليم، إن ظلّ حبيس غرفةٍ ضيّقة دون حركة، لا بدّ أن يمرض.
‘صحيح أنه أغمي عليه في المرة الماضية، لكن حالته الآن لا بدّ أنها تحسّنت كثيرًا.’
لو تعلّم كيف يعيش يومه في هذا الظلام الذي لا يرى فيه شيئًا، لكان ذلك خيرًا له.
لكن كاليوس ضحك بسخريةٍ خفيفة وقال.
“كيف أتمشّى؟ لا أستطيع أن أخرج خطوةً واحدة إلى الخارج.”
“وهل يجب أن يكون التمشّي في الخارج فقط؟ هذه الغرفة واسعة جدًا. يمكنك المشي هنا.”
كانت غرفة كاليوس واسعةً بقدر أربع غرف نومٍ مجتمعة.
حتى إنني في اليوم الأول لوصولي إلى القصر، عانيتُ كثيرًا لحفظ مخطط هذه الغرفة الهائلة.
إنها بحجم ساحة تدريب!
“لا أرى شيئًا، فكيف أمشي؟“
كان في صوته خوفٌ خافت.
وهو خوفٌ مفهوم.
محاولاته السابقة للحركة وحده، وسقوطه بسبب الأثاث أو اصطدامه بالجدران…
لم يعرف في الظلام سوى الألم والإصابات.
تكرار تلك الذكريات السيئة جعله أكثر تردّدًا وانكماشًا.
لكن إن لم يُحاول أصلًا، فلن يكون له سوى أن يظلّ أسير الظلام إلى الأبد.
“هذه غرفتك التي عشتَ فيها خمس عشرة سنة، أليس كذلك؟ حتى إن لم ترَ شيئًا، فلا بدّ أن صورتها لا تزال محفوظةً في ذهنك.”
كان عليّ أن أكسر خوفه أولًا.
لذا بدأتُ من السرير الذي يقضي عليه معظم يومه.
“سيدي، ماذا يوجد إلى جانب هذا السرير؟“
“لا أعلم.”
“لا تقل ذلك، فكّر جيدًا! سأظلّ أسأل حتى تجيب إجابةً صحيحة!”
“آه، حقًا…”
“هيا! ماذا يوجد بجانب السرير؟“
“…طاولة جانبية.”
“وماذا في الجهة المقابلة؟“
“…لوحة معلّقة على الحائط، وأسفلها كرسي.”
“أرأيت؟ أنتَ تتذكّر كل شيء! بما أنك تعرف المواقع كلها، فلا يوجد في هذه الغرفة أيُّ عائقٍ يستدعي القلق!”
لم أرَ تعبير وجهه، لكنني شعرتُ أنه يُصغي إليّ بدرجةٍ ما.
“يمكنك أن تمشي ببطء. فقط اسند يدك إلى الحائط ودر دورةً واحدة، متخيّلًا أماكن الأثاث واحدًا واحدًا.”
ظللتُ أقنعه بإصرار، وكأنني لن أبرح مكاني حتى ينهض من السرير.
وأخيرًا، رضخ لي، ونهض على مضض.
قدتُه إلى الحائط، وجعلتُ يده تلامسه برفق.
“مدّ يدك قليلًا إلى الأمام وأرخِها. إن شددتَ يدك، قد تُصاب إن اصطدمتَ بالأثاث.”
“…”
لم يُجب.
يبدو أن التوتر تملّكه.
كنتُ أفهم خوفه تمامًا.
فأنا أيضًا كنتُ كذلك في السابق.
وكما تأقلمتُ تدريجيًا مع حياتي بمساعدة الآخرين، كنتُ واثقةً أنه قادر على التقدّم هو أيضًا بالمحاولة.
لذلك، إن أمكن، أردتُ أن أساعده بكل ما أستطيع.
“هيا، أمسك.”
وقفتُ إلى يساره، ووضعتُ يده فوق ذراعي بشكلٍ طبيعي.
ظننتُ أنه سيكره ذلك، لكنه على العكس، شدّ ذراعي بقوةٍ وكأنه يتكئ عليّ.
‘…في السابق، كان يبعدني بقسوةٍ لمجرد أن تلمس أطرافُ أصابعي يده.’
وخزٌ خفيفٌ لسع أنفي.
حتى إن هذا السّيّد المزعج بدا لي، لوهلة، لطيفًا بعض الشيء.
لكنني أخفيتُ مشاعري، وسحبتُ ذراعه إلى الأمام.
سَلِسًا.
في اللحظة نفسها، سُمِع صوتُ يده وهي تنزلق برفقٍ على الحائط.
ألقى بثقله عليّ، وبدأ يستعيد ذكرياته عن التجوّل في هذه الغرفة خطوةً خطوة.
وحين أتمّ دورةً كاملة دون أن يتعثّر…
صرختُ بفرحٍ لا أملك كبحه.
“سيدي، انظر! هذه أول محاولة، ومع ذلك لم تتعثر ولا مرة…”
طَقّ.
فجأةً شعرتُ بثقلٍ فوق رأسي.
كانت يد كاليوس الأخرى قد استقرّت على رأسي بثبات.
“…سيدي؟ أنا لستُ عصًا تتكئ عليها.”
لا يصحّ أن تعتمد عليّ هكذا، أتعلم؟
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"