استمتعوا
كان كاليوس ساكنًا على غير عادته، أكان لأنه لا يملك قوةً ليُفلت يده، أم لأنه، في الحقيقة، كان ينتظر أن يقترب منه أحد أولًا؟
ظلّ على حاله، تاركًا يده في قبضتي دون مقاومة.
شدَدتُ على يده الممسوكة، وتابعتُ حديثي قائلةً.
“سأساعدك.”
***
“رأيتُ الطبيب شاحب الوجه، يركض على عجل.”
“ألم يكن حبيس الغرفة منذ أكثر من نصف عام؟ ويقال إنه لا يتناول طعامه جيدًا. لا بد أن أمرًا ما قد حدث.”
“إن كانت تلك الشائعات عن تدهور صحته صحيحة… فماذا سيؤول إليه حال منزل الدوق؟“
مرّت ثلاثة أيام منذ أن فقد كاليوس وعيه ثم أفاق.
وفي زوايا القصر النائية والمظلمة، كانت هذه التخمينات وغيرها تتناقل سرًا على ألسنة الخدم.
فالتحدث علنًا عن شؤون الأسرة كان محظورًا بوضوح.
غير أن مراقبة همساتٍ يتبادلها الخدم فيما بينهم خلسةً لم يكن أمرًا يسيرًا.
“هل يمكن لمن لا يستطيع حتى الخروج من غرفته بسبب المرض أن يرث اللقب؟“
قال أحد الخدم وهو يخفض صوته بينما يلتهم خبزه.
“وسموه لا يملك أبناءً آخرين. ألن ينتهي الأمر بأن تنتقل العائلة بأكملها إلى شخصٍ لا علاقة له بها؟“
“شش!”
وبّخه خادمٌ آخر وقد فزع.
“انتبه لكلامك!”
“وما الفائدة من كتمان الأمر بيننا؟ إن لم يخرج الدوق الشاب من غرفته، فسيبدأ سكان الإقطاعية بالشك أيضًا! سيقولون إنه مصاب بمرضٍ خطير، لا محالة.”
كان ذلك صحيحًا.
مهما بلغ الحرص على كتم الأسرار، فلا بد للشائعات أن تجد طريقها إلى الخارج.
وحين تتسرّب، فإنها تنتشر بلا هوادة.
ولا سيما إذا كانت هناك عائلاتٌ نبيلة أخرى تراقب منزل دوق ريفانيون بعينٍ متربصة، فستسعى بجنون لمعرفة الحقيقة.
وفقًا للرواية الأصلية، في هذا التوقيت تحديدًا، يبدأ الدوق بالشعور بقلقٍ أشد تجاه مسألة الخلافة، ويشرع في البحث عن وريثٍ آخر بديلًا عن كاليوس.
“…”
ما إن تذكرتُ ذلك حتى شعرتُ وكأن شيئًا يخنق حلقي، فقبضتُ على يدي بقوة.
“احذروا ألسنتكم! إن بلغ مسامع سموه أن الخدم السفليين يتداولون مثل هذه الأحاديث، أتظنون أننا سنخرج سالمين… ههك!”
توقف الخادم الذي كان يوبّخ رفاقه فجأة، وقد شهق بدهشة.
“…منذ متى وأنتِ هنا؟“
“أنا؟ كنتُ هنا منذ فترة.”
حين لاحظ الخدم جلوسي في الزاوية وأنا أمضغ خبزي مثلهم، خيّم الصمت دفعةً واحدة.
كنتُ جالسةً هناك قبل أن يدخلوا أصلًا، لكن يبدو أنهم لم ينتبهوا لوجودي.
على أي حال.
حتى أصحاب الأبصار السليمة، أحيانًا، لا يرون أمامهم جيدًا مثلي.
“آه… كنتِ هنا منذ البداية…”
تسلل الارتباك إلى أصواتهم، ثم بدأوا يتهامسون فيما بينهم.
“أليست هي؟ تلك التي تخدم الدوق الشاب…”
“ماذا؟ إذًا، ألن تنقل كل ما قلناه؟“
“يقال إنها عمياء. لا تستطيع حتى رؤية وجوهنا. هيا، لنخرج بسرعة.”
مرحبًا؟ أنا أسمع كل شيء، كما تعلمون.
“كح… بما أننا انتهينا من الطعام، فلنذهب…”
“نعم، لنفعل.”
نهض الخدم على عجل وهم يتبادلون كلماتٍ مصطنعة الوضوح.
وحين همّوا بالمغادرة بخطواتٍ متسارعة، ودّعتُهم بلطفٍ وأنا أوجّه كلامي إلى ظهورهم.
“يومًا موفقًا في العمل، السيد جيرارد من الإسطبل، والسيد توم، والسيد جيمس.”
لم يأتِ أي رد.
بل على العكس، تلا ذلك صوت هرولة، وابتعدت خطواتهم في لحظة.
***
إذًا، إن لخّصنا الوضع الحالي.
حتى خدم القصر باتوا يشكّون في حالة كاليوس.
وبالنسبة لي، وأنا أعلم نهاية الرواية الأصلية، لم يكن القلق كبيرًا.
ففي الرواية، يخرج كاليوس بنفسه من غرفته، ويتولى منصب الدوق بسلام.
بل ويطيح بأبيه الذي كان قد جاء بوريثٍ بديل عنه.
من حيث النتيجة، يمكن اعتبارها نهايةً سعيدة.
لكن المشكلة أن الطريق إلى تلك النهاية كان بالغ القسوة والإنهاك.
تردّد صدى صوت كاليوس في ذهني، وهو ينهار يأسًا مرارًا وتكرارًا.
وشعرتُ بثقلٍ كأن حجرًا وُضع في أعماق صدري.
كانت مشكلتي أنني أُسقط مشاعري عليه أكثر مما ينبغي، فلا أستطيع الاكتفاء بالمشاهدة من بعيد.
ضغطتُ على صدغيّ النابضين بالألم، وصعدتُ إلى غرفته.
وحينها—
“لا تتصورين كم صُدمنا حين سمعنا أن الدوق الشاب قد أُغمي عليه.”
توقفتُ لا إراديًا عند سماعي الأصوات المنبعثة من الغرفة.
“كنا قلقين عليه ليلًا ونهارًا.”
عرفتُ تلك الأصوات غير المرحب بها، فعبستُ.
كانت ماري ودوروثي.
“لذا، من الآن فصاعدًا، سنقوم نحن بخدمتك، سيدي.”
“لقد اعتدنا كثيرًا على الظلام الآن، أليس كذلك يا ماري؟“
“بلى، بالطبع.”
ما هذا الانقلاب المفاجئ؟
ألم تكونا أول من فرّ هاربًا حين لم يعجبهما العمل هنا؟
سمعتُ أنهما منذ ذلك اليوم تقضيان أيامًا شاقة تحت رقابة صارمة من رئيسة الخدم.
فلماذا تتسللان إلى هنا فجأة؟
“فكّر في الأمر، سيدي. إنها لم تمكث هنا سوى شهر واحد. كيف يمكنك إبقاء فتاةٍ لا نعرف حتى أصلها إلى جانبك طوال اليوم؟“
كان واضحًا أنهما تتحدثان عني.
وكانتا تثرثران بحماس، غير مدركتين أنني أقف عند الباب أسمع كل شيء.
“صحيح! وسمعنا أنها يتيمة بلا والدين!”
“عمياء، ويتيمة… حقًا، رئيسة الخدم قاسية! كيف تُسند خدمة الدوق الشاب إلى فتاةٍ لا تصلح أصلًا؟ لا بد أنك تفاجأت كثيرًا، أليس كذلك؟“
تمهلوا، تمهلوا.
كان الغضب يغلي في صدري.
صحيح أنني لستُ ليزي سوان الحقيقية، لكنني أعرف جيدًا، من خلال حديث خالتي، كم كانت تلك الفتاة طيبة حين كانت تعيش مع أمها وحدهما.
ولم يكن لماري ودوروثي أي حق في إهانة ليزي سوان بمثل هذا الكلام.
“أما نحن، فقد عملنا هنا بإخلاصٍ لعامين كاملين.”
“نحن خادمات مُجرّبات، ولسنا مثل تلك الفتاة!”
“…”
لم ينبس كاليوس بكلمة.
ولأنه لم يشرع في رمي الأشياء كعادته، بدا أنهما اعتقدتا أنه يصغي إليهما.
فازدادت حماستهما.
“من الآن فصاعدًا، سنكون ذراعيك وساقيك المخلصتين!”
“آه… لكن، سيدي، لتحقيق ذلك، نحتاج إلى تعاونك، لا بل إلى مساعدتك.”
“هل يمكنك التحدث إلى رئيسة الخدم؟ وإخبارها إننا أنسب من ليزي سوان لخدمتك.”
آه، هذا هو الهدف إذًا.
فالعمل كخادمتين شخصيتين لسيد طريح الفراش أهون بكثير من العمل اليومي تحت رقابة رئيسة الخدم.
بعد أن ألقتا طلبهما المكشوف، انتظرتا ردّ كاليوس.
لكنه، بدلًا من الإجابة، سأل.
“…اسمها ليزي سوان؟“
ماذا؟
ألم يكن يعرف اسمي أصلًا؟
“نعم؟ نعم، ليزي سوان. لكن لا حاجة لسيدي أن يتذكر اسم فتاةٍ وضيعة كهذ— كياااه!”
فجأة، دوّى صوت اندفاع الماء، وترافق مع صراخ ماري ودوروثي.
“سـ، سيدي!”
“آسف. سكبتُ الماء.”
قال كاليوس بهدوء، على عكس ارتباك الخادمتين.
“الغطاء ابتلّ بالكامل. خذوه واغسلوه.”
“ماذا؟!”
سألتا بصوتٍ مذهول.
“ألم تقولا إنكما ستكونان ذراعيّ وساقيّ؟ أتريدانني أن أنام في هذا البلل؟ أسرعا واغسلاه. هذا أيضًا، وذاك.”
“ماااذا؟!”
“ألن تتحركا بسرعة؟“
في الظلام، سُمِع صوت أشياء تُقذف.
ثم تلاه صوت ضربات مكتومة، كأن وسادةً أصابت أحدًا.
بدأت ماري ودوروثي بالصراخ والتخبط، واصطدمتا بكل شيء في العتمة، ثم مرّتا بمحاذاتي هاربتين إلى الخارج.
…أليس هذا مشهدًا مكررًا؟
نقرتُ لساني متجهةً بنظري نحو الجهة التي اختفتا فيها.
وفي الغرفة التي عمّها الصمت مجددًا، قال كاليوس.
“…ما الذي تفعلينه واقفةً هناك؟“
سألته بدهشةٍ خفيفة.
“كيف عرفت أنني هنا؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"