2
استمتعوا
“أولًا، لا بد أنكِ تعلمين مسبقًا أن شعرَكِ أشقرُ فاتح… وتعرفين بالطبع أن عينيكِ خضراوان بلونٍ باهت، أليس كذلك؟ أنفكِ صغيرٌ ومستقيم، وشفاهكِ حمراء ممتلئة. آه، أطراف أذنيكِ مميّزة؟ إنهما مدبّبتان قليلًا. هل وُلدتِ هكذا؟“
قالت تيلدا ذلك وهي تلمس أطراف أذنيّ، ثم راحت تتحسّس وجهي بتدقيقٍ أكبر.
“همم… بهذا القدر، أنتِ جميلةٌ حقًّا.”
ابتسمتُ برضا عند حكمها الأخير، وفي الوقت نفسه شعرتُ بشيءٍ من الأسف لعدم قدرتي على رؤية وجهي بعينيّ.
وفي الحقيقة، كان هناك وجهٌ آخر أشعر بالأسى لعدم قدرتي على رؤيته.
“…تيلدا، إذن أخبريني. كيف يبدو السيّد كاليوس؟“
“السيّد كاليُوس؟ يا لكِ، في الحقيقة هذا ما كنتِ تتساءلين عنه، أليس كذلك؟“
سألتني تيلدا بنبرةٍ مازحة.
‘نعم، أنا فضوليّة إلى أبعد حد!’
أجبتُ في داخلي، وأنا أُخفي ملامح الشوق عن وجهي.
لقد تجسدت شخصيةً داخل كتاب، ومع ذلك لا أستطيع الاستمتاع بجمال البطل… هذا الشعور الذي ينتابني، لن تفهمه تيلدا ولو نهضت من الموت.
“حسنًا، لا بد أن يكون مزعجًا فعلًا ألا تعرفي كيف يبدو وجه السيّد الذي تخدمينه.”
قالت تيلدا ذلك، ثم بدأت تصف لي ملامح كاليُوس.
“همم… السيّد يشبه والده تمامًا، شعرٌ فضّي أبيض كالقمر، وعينان زرقاوان. أمّا جماله، فيُقال إنه ورثه عن سيدتنا الراحلة.”
“أوووه.”
“وكذلك…”
توقّفت تيلدا قليلًا وكأنها تُفكّر في عبارتها التالية. ولم أتحمّل ذلك التريّث القصير، فتدخّلت قائلة.
“هل عيناه حادّتان؟ وخطّ فكه أنيق؟ وجبهته أيضًا لا بد أنها وسيمة ومتناسقة، أليس كذلك؟“
“…كيف استطعتِ أن تنتقي صفات السيّد بدقّةٍ كهذه؟ كأنكِ رأيتِه بعينيك!”
سألتني تيلدا بدهشة.
“إنما أخمّن فقط.”
أجبتها هكذا بدل أن أقول إنني أعرفه من الكتاب.
“حسنًا، على أي حال. جمال سيّدنا حديث الناس منذ زمن، فلا بد أنكِ سمعتِ عنه في مكانٍ ما.”
قالت تيلدا بنبرةٍ خالية من الشك.
“وفوق ذلك، لم يبلغ سوى الخامسة عشرة، ومع هذا فهو ذكيّ إلى حدٍّ يثير الإعجاب. كأن هيبة الدوق القادم كانت واضحةً فيه منذ وقتٍ مبكّر.”
قالت ذلك بصوتٍ يفيض فخرًا بسيدها.
“ولهذا السبب، كان يشعر المرء أحيانًا بصعوبة الاقتراب منه. لكن، حسنًا، هذا حال النبلاء جميعًا…”
همم، هالة يصعب الاقتراب منها؟ كأميرٍ جليدي؟ هذا رائع!
قارنتُ بين الملامح التي وُصفت في الرواية الأصلية، وبين ما كانت تيلدا تخبرني به، وأطلقتُ لخيالي العنان.
حتى دون أن أراه بعينيّ، كان هناك أمرٌ واحدٌ مؤكّد. جمال كاليُوس كان مكتملًا بالفعل، رغم أن أحداث الرواية لم تبدأ بعد.
“كان حقًّا كذلك…”
فجأة، اكتسى صوت تيلدا حزنٌ واضح.
“لكن لا أعلم لأي سبب، لم يعد يخرج من غرفته ولو خطوةً واحدة… يا إلهي. كلّما دوّى صراخ السيّد في أرجاء القصر، يرتجف قلبي خوفًا. لا أصدّق أن الإنسان قد يتغيّر إلى هذا الحد خلال نصف عام فقط.”
نقرت تيلدا بلسانها بأسف.
كان مرض رُهاب الضوء يُسمّى أيضًا ‘لعنة الشيطان‘، بسبب طبيعته الخاصة التي تجعل المصاب يتألّم بشدّة إذا لامسه الضوء.
وبالطبع، لم يكن في إعلان إصابة الابن الدوقيّ بمثل هذا المرض المشؤوم أي خير.
ولهذا، حرص الدوق على إبقاء الأمر سرًّا تامًّا، فلم يعلم بحقيقة المرض أحدٌ من الخدم سوى كبير الخدم ورئيسة الخادمات.
بل إنهم لم يُطلعوني أنا أيضًا، رغم أنني جئت خصيصًا للعناية بكاليُوس.
وفوق ذلك، تضمّن عقدي البنود التالية:
أولًا: يُمنع السؤال عن حالة السيّد الشاب.
ثانيًا: يُمنع السؤال عن سبب عدم إشعال النار أو الضوء.
ثالثًا: يُمنع إفشاء أي كلمة تُسمع داخل غرفة نوم السيّد الشاب، في أي مكانٍ كان…
لهذه الأسباب، لم يتمكّن معظم الخدم، الذين يجهلون الحقيقة، من فهم التغيّر المفاجئ الذي طرأ على السيّد الشاب، ولم يكن لديهم سوى الاستغراب.
“آه… إلى متى سيبقى منغلقًا على نفسه داخل الغرفة؟ لن يكون هذا حاله إلى الأبد، أليس كذلك؟“
أنهت تيلدا حديثها بسؤالٍ أشبه بالهمس.
وبوصفي شخصًا قرأ الرواية الأصلية،
فإن جوابي هو. ‘ليس كذلك‘.
صحيح أن الأمر يستغرق وقتًا، لكن كاليُوس سيخرج في النهاية.
كان ذلك بفضل تدريباتٍ طويلة اعتاد خلالها الألم تدريجيًّا.
وإن سُمّيت تدريبًا، فهي في الحقيقة لم تكن سوى تحمّلٍ للألم بقوة الإرادة.
وبعد تلك السنوات القاسية، حين بلغ العشرين من عمره، استطاع كاليُوس أخيرًا أن يقف تحت ضوء الشمس.
لكن فرحته بالخروج لم تدم طويلًا.
إذ اكتشف أن والده، الذي كان يثق به، قد تخلّى منذ زمن عن علاجه، بل وأحضر وريثًا بديلًا إلى القصر.
غاضبًا من الخيانة، قتل كاليُوس والده، وتولّى بنفسه منصب الدوق.
ثم، وتحت ضغط أمر الإمبراطور بضرورة استمرار نسل العائلة، اضطر إلى زواجٍ سياسي من ابنة إحدى العائلات الماركيزية…
وكانت تلك العروس هي البطلة، هيلينا.
وبسبب إغلاق كاليُوس لقلبه بإحكام، بدا أن حياتهما الزوجية لن تكون سهلة، لكن… أليس هذا عالم روايةٍ رومانسية في نهاية المطاف؟
بفضل نعمة الحاكم، تستيقظ هيلينا كقدّيسة، وتنجح في شفاء مرض رُهاب الضوء الذي عجزت كل الوسائل عن علاجه.
وبطريقتها المحبّبة وحنانها الفطري، تذيب قلب كاليُوس المتجمّد، ويصبحان في النهاية زوجين حقيقيين.
…وهذا هو ملخّص الرواية الأصلية <الدوق في الظلام>.
أي إنه، حتى وإن كان كاليُوس الآن حبيس غرفته لا يستطيع الحراك…
ففي المستقبل، سيلتقي بالبطلة، ويكتشف الحب الصادق، وينتظره خلاصٌ من المرض ونهايةٌ سعيدة!
“على أي حال، هل زال فضولكِ الآن؟“
أعادتني تيلدا إلى الواقع بسؤالها.
“نعم، بفضلكِ.”
“إذًا، هيا بنا ننهض. الجلوس طويلًا سيجلب لنا نظرات الاستياء.”
قالت تيلدا وهي تجمع قطع القماش المتبقية في السلّة وتنهض.
ثم أضافت بنبرة تأنيب.
“من الآن فصاعدًا، كوني يقِظة. لا أريد أن أراكِ تفقدين الوعي مجددًا بسبب مزهريةٍ طائرة.”
“نعم، سأتذكّر ذلك.”
مع أن الانتباه وحده لا يكفي لتفادي المزهريات التي تُرمى عشوائيًّا.
ابتلعتُ كلماتي الأخيرة، وتبعتُ تيلدا خارج غرفة الاستراحة.
***
في اليوم التالي.
ندمتُ ندمًا شديدًا لأنني لم أُبلّغ رئيسة الخادمات منذ البداية عن تهاون الخادمات الأخريات في عملهن.
فبعد أن قالت ماري ودوروثي إنهما ستجلبان ماء الاستحمام وتعودان، اختفتا فجأة دون أن يظهر لهما أثر.
‘يا لها من جرأة. هل تنويان الآن إلقاء العمل عليّ علنًا؟‘
لا بد أنهما تعلمان أنني لم أمكث هنا طويلًا بعد، وأنني عمياء وفي وضعٍ يصعب معه إيجاد عملٍ آخر.
ومن المؤكّد أنهما ظنّتا أنني لن أُخبر رئيسة الخادمات، حتى لا أدخل في خصامٍ مع باقي الخادمات.
وقفتُ وحدي في الممر، وأطلقتُ زفرةً عميقة.
‘ما زلتُ لم أحفظ تصميم القصر كاملًا، ولا أستطيع الخروج للبحث عن الخادمات بتهوّر.’
في النهاية، تخلّيتُ عن انتظار الاثنتين، واتّجهتُ نحو غرفة السيّد الشاب.
نوك نوك.
طرقتُ الباب، ثم فتحته بهدوء ودخلت.
حتى مع دخول شخصٍ إلى الغرفة، لم يُبدِ كاليُوس أي ردّ فعل، ولم يخرج من سريره.
لكن اليوم، كان عليّ أن أنهضه بنفسي مهما كان الأمر.
فاليوم هو موعد استحمامه.
في الأسبوع الماضي، أصرّ على الاستحمام وحده دون مساعدة أحد، فانتهى به الأمر ساقطًا على الأرض.
وقد أُصيب بكدماتٍ شديدة، ومنذ ذلك الحين وهو مستلقٍ على السرير دون أن يغتسل.
“سيدي…”
اقتربتُ من السرير وناديته بصوتٍ خافت.
“ماء الاستحمام قد جُهّز.”
لن يقوم برمي شيءٍ آخر لمجرّد أنني كلّمته، أليس كذلك؟
انتظرتُ جوابه وأنا مشدودة الأعصاب.
لكن ما حدث بعد ذلك كان غير متوقّع.
صدر حفيفٌ خفيف من فوق السرير، ثم نهض السيّد الشاب من مكانه بكل طواعية.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 2"