استمتعوا
ثم ما لبث أن بدأ يربّت على رأسي ببطء.
…ما هذا؟
هل يعاملني هذه المرة كأنني كلب؟
وبينما كنتُ أقطّب حاجبيّ من شدّة الحيرة أمام تصرّفٍ لا أفهم معناه، تمتم فجأةً بصوتٍ منخفض.
“…إنكِ أصغر مما توقعت.”
هاه؟
أزحتُ يده عن رأسي ونفختُ خدّيّ بتذمّر.
“أصغر؟! أنا ما زلتُ في سنّ النمو!”
فضحك كاليوس بخفة وسأل.
“كم عمركِ؟“
“سبعة عشر عامًا! أظنّ أنني قد أطول شبرًا آخر على الأقل، أتعلم؟“
أنا أؤمن إيمانًا راسخًا بأن صفائح نموّ ليزي سوان لم تُغلق بعد!
لكن كاليوس بدا غير مقتنع بكلامي.
“هممم….”
“ما هذه ردة الفعل؟“
تجاهل سؤالي، وتمتم قائلًا. “سبعة عشر…”، ثم بدأ هذه المرة يمشي وحده مستندًا إلى الحائط.
حقًا ما هذا.
يعني أنه في الخامسة عشرة فقط، ومع ذلك صار أطول مني، أليس كذلك؟
…حسنًا، ما الجدوى من مقارنة بنيتي الجسدية ببطلٍ سيكبر قريبًا ويصبح طويل القامة أصلًا؟
مشّطتُ شعري الذي بعثره بيده، وأنا أزمّ شفتيّ.
‘على الأقل هذا مطمئن. يبدو أنه لم يتخلَّ عن الحياة كليًا.’
مجرد أن يُظهر ذلك الشخص الخامل هذا القدر من الحماس، كان كفيلًا بأن يمنحني بصيص أمل.
***
ومع مرور الوقت، أخذ عبق الربيع يشتدّ شيئًا فشيئًا.
ومن خلال الدفء الذي يلامس البشرة، كان يمكنني أن أدرك، حتى من دون أن أرى، أن أزهارًا ملوّنة قد تفتّحت في أرجاء القصر.
عبير الزهور الذي ملأ منزل الدوق جعل حتى الخادمات العاملات يبدون في مزاجٍ منتعش.
ولهذا السبب، كانت رئيسة الخدم ميليسا تضطر إلى القدوم لمراقبة الخادمات مرةً كل عشر دقائق تقريبًا.
“مرةً أخرى، عقولكنّ مشغولة بما وراء النوافذ! ألا تنوين أن تنتبهن؟!”
ورغم التوبيخ، ما إن تختفي ميليسا حتى تعود الخادمات إلى الضحك خلسةً وكأن شيئًا لم يكن.
كان الجميع يبدون سعداء.
لكن تلك الحيوية تختفي تمامًا ما إن تطأ القدم ممرّ الجناح الغربي في الطابق الثاني من المبنى الرئيسي.
نوافذ مغلقة بإحكام.
برودة تنبعث من الجدران.
صمت ثقيل، كأن المكان قبر.
كأن الربيع مرّ من هنا، وتعمّد أن يتجاوزه وحده.
“سيدي؟“
حين وصلتُ إلى غرفة كاليوس، أدخلتُ رأسي إلى الداخل وناديته وسط ذلك السكون.
لكن لم يأتِ أي رد.
إلى أين ذهب هذه المرة؟
خرجتُ مجددًا إلى الممر بحثًا عنه.
منذ أن تعلّم كيف يمشي في الظلام، لم يفوّت يومًا واحدًا دون أن ينهمك في التدريب.
وبفضل ذلك، تحسّنت مهارته في المشي بسرعة، حتى بات قادرًا على التجوّل بحرية في ممرّ الجناح الغربي وحده.
بل وحتى جسده النحيل بدأ يستعيد عافيته تدريجيًا، لأنه أصبح يتناول الطعام جيّدًا كلما قُدّم له.
بالمقارنة مع مظهره السابق، حين كان يبدو كجثةٍ تتنفس بلا روح، كان تغيّره مذهلًا بحق.
“سيدي، أين أنت؟“
سرتُ ببطء في الممر وأنا أناديه.
“آخ!”
وفجأةً، شعرتُ بأن عصاي علقت بشيء ما، فتوقّفتُ في مكاني.
مددتُ يدي، فلامستُ ظهر شخصٍ ما.
ورغم أنه اكتسب قليلًا من اللحم، إلا أن نحوله ما زال واضحًا، ففهمتُ على الفور أنه كاليوس.
“سيدي؟ ماذا تفعل واقفًا هنا؟“
“كنتُ أمشي في الممر… وتذكّرتُ أن لوحةً ما كانت معلّقة هنا.”
سُمِع صوت يده وهو يمرّ برفقٍ على الحائط حيث علّقت اللوحة.
“لوحة؟“
بدافع الفضول، مددتُ يدي أنا أيضًا بحذر نحو الحائط.
وسرعان ما شعرتُ بأطراف أصابعي بملمس القماش والطلاء المتصلّب.
وبينما كنتُ أمرّر يدي على اللوحة، أدركتُ أن حجمها كبيرٌ للغاية.
لعلها تغطّي الجدار بأكمله.
كم مررتُ من هنا مرارًا، ولم أدرك أن لوحةً بهذا الحجم معلّقة؟
“أيّ لوحةٍ هي؟“
سألتُه وقد أثارني الفضول.
“إنها لوحة ‘الحُكم‘ للرسّام ماريوس كاريان.”
“أوه، العنوان وحده مهيب! لكن… ما الذي يُحاكَم فيها؟“
“ما الذي يُحاكَم؟ بالطبع… المرتدّون.”
“المرتدّون؟“
“إنها قصة مذكورة في الكتاب المقدّس. حين أنقذ حاكم النور رودين العالم من حاكم الظلام، ثم حكم عليه وعلى أتباعه.”
“أوه….”
“ما هذا التفاعل؟ تبدين كمن يسمع القصة للمرة الأولى.
…لا تقولي لي إنك لم تقرئي الكتاب المقدّس ولو مرةً واحدة في حياتك؟“
أنا ملحدة…
…هل سيقبض عليّ المعبد إن قلتها؟
حسنًا، أظن أن أسماء مثل حاكم النور وحاكم الظلام ظهرت بضع مرات حين استيقظت هيلينا كقدّيسة في العمل الأصلي.
‘لكنها لم تكن أجزاء مهمّة، فمررتُ عليها مرور الكرام.’
“أنا لا أستطيع قراءة الكتب.”
“لكن يمكنك سماع تلاوة الكتاب المقدّس إذا حضرتِ الصلوات.”
آه… حتى هذا العذر لا ينفع.
“أحيانًا، حين أنظر إليكِ… أشعر وكأنكِ قادمة من عالمٍ آخر.”
“عـ، عالمٍ آخر؟! أنا وُلدتُ وترعرعتُ في هذه الإمبراطورية!”
أربكني كلامه المفاجئ، فسارعتُ إلى تغيير الموضوع.
“كحّ… على أي حال، أشعر بالفضول حيال اللوحة. ليتني أستطيع رؤيتها!”
بعد كلماتي، صمتَ كاليوس قليلًا، ثم فجأةً أمسك بيدي.
“لـ، لماذا تمسك بيدي…؟“
“ابقي ساكنة.”
ثم خطا بضع خطوات إلى الأمام فجأةً، فانسحبتُ معه دون قصد.
بعدها رفع يدي ووضعها على اللوحة.
“ربما هنا… هنا يوجد حاكم النور رودين.”
ثم بدأ يشرح لي محتوى اللوحة بهدوءٍ وتأنٍّ.
“هذا موضع الشمس. رودين يجلس فوق الغيوم مرتديًا درعًا ذهبيًا لامعًا، وينظر إلى الأسفل.”
“هل هو وسيم؟“
“…”
“آه، آسفة. لن أقاطعك. تفضّل وأكمل.”
“…وفي هذا الجانب…”
بعد أن تحرّك كثيرًا نحو اليمين، أنزل يدي إلى الجزء السفلي من اللوحة.
“هنا مشهد كاركس وأتباعه وهم يغرقون في المستنقع.”
“كاركس؟“
“…لا تقولي لي إنكِ لا تعرفين حتى من هو كاركس؟“
بلهجته المليئة بالشك، سارعتُ إلى تبرير نفسي.
“آه، سمعتُ الاسم من قبل! لكنني لا أعرف التفاصيل. لم أزر المعبد من قبل…”
“كاركس هو حاكم الظلام.”
قال كاليوس.
“يمكن اعتباره النقيض التام لحاكم النور رودين. كان يضمر سخطًا لأن البشر لا يبنون المعابد إلا لرودين، ولا يقدّمون القرابين ولا يرفعون التسبيح إلا له.”
“هممم، هذا كفيل بأن يُغضبه فعلًا.”
“لذلك ظهر كاركس للبشر وطالبهم بأن يعبدوه كما يعبدون رودين.
لكن البشر خافوا من ظلامه، وفرّوا جميعًا.”
مم… كم كان منظره سيئًا ليهربوا فور رؤيته؟
“غضب كاركس من ذلك، فاستعان بأتباعه… آه، ويُطلق عليهم اسم ‘المرتدّين‘.”
“المرتدّون.”
“نعم. استخدمهم كاركس ليسرق ‘نور‘ رودين، ودفنه عميقًا تحت الأرض، فغرق العالم في الظلام.”
“أوه، ثم ماذا حدث؟“
“اندلعت حرب لاستعادة النور. في البداية، تراجع رودين كثيرًا بعد أن فقد نوره، لكن…”
سُمِع صوت يده وهو يتتبع خطوط اللوحة ببطء.
“حين دخل رودين سرًّا إلى باطن الأرض مع ابنته وأبنائه واستعاد النور، انقلبت موازين الحرب. بعدها قبض على كاركس والمرتدّين جميعًا، وحبسهم في المستنقع. هذه اللوحة تصوّر ذلك المشهد بالذات.”
“إذًا كاركس وأولئك… المرتدّين، ما زالوا تحت الأرض؟“
“نعم. يُقال إنهم حتى الآن يهيمون في ظلامٍ أبدي. إنه عقاب الحاكم.”
“أوه، هذا ممتع! أحبّ مثل هذه القصص الأسطورية!”
“أسطورية؟“
“نعم! أنا في الأصل أحبّ سماع القصص عن الأساطير والخرافات! ألا يمكنك أن تحكي لي قصةً أخرى؟“
“هاه…”
أطلق كاليوس زفرةً وهو يفلت يدي فجأةً.
“أنتِ… لو قلتِ هذا الكلام أمام الآخرين، قد تُعاقَبين بتهمة التجديف.”
آه! صحيح… هذا عالم يعبد حاكم النور!
أغلقتُ فمي على عجل، وأنا أراقب تعابيره بقلق.
لا يكون… هل سيسلّمني إلى المعبد؟
“آه، لأنك تحكي القصة بطريقة ممتعة جدًا، ظننتُها مجرد حكايةٍ كنتُ أسمعها في طفولتي!”
قلتُ ذلك وأنا أضحك ضحكةً مصطنعة لأتدارك زلّتي.
“أليس كذلك؟ في هذا الزمان، سرقة النور أو الحبس في ظلامٍ أبدي… مثل هذه الأمور لم تعد تحدث بعد الآن!”
“…ولِمَ لا؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"