كان هذا ما قالته إيفيريا بعد أن تجولت في أرجاء المنزل الصيفي كله.
في تلك الأثناء كانت الشمس خارج النافذة تميل نحو الغروب.
و تقدّم إيرميت بخطى واثقة، بينما توجهت إيفيريا إلى غرفة الدراسة مستعينةً بما بقي في ذاكرتها من الطريق.
ربما لأنه فصل الشتاء، كانت المدفأة مشتعلةً في الداخل. و امتزج ضوء الغروب مع وهج النار بتناغمٍ أخّاذٍ حتى امتلأت الغرفة كلها بلونٍ برتقاليٍ متوهج.
هنا كان المكان الذي وُلد فيه وعدهما، ذلك الوعد الذي لم يستطيعا الوفاء به في النهاية.
كانت المدفأة مشتعلةً بحرارةٍ تكاد تكون خانقةً قليلًا. و شعرت إيفيريا بألفة المكان فنزعت معطفًا من معاطفها.
و اتجهت إلى أحد جوانب المكتبة، و اختارت عدة كتبٍ مناسبة، ثم جلست أمام المدفأة.
وقفت إيفيريا عند مدخل غرفة الدراسة ونظرت إلى إيرميت الذي كان يتأمل الداخل، ثم حثّته،
“تعال بسرعة.”
بدا وجه إيرميت غريبًا كما لو أنهما يلتقيان للمرة الأولى. لا تعلم إن كان ذلك بسبب الضوء الساطع أم بسبب أجواء المكان.
انزوت إيفيريا في أحد أطراف الأريكة وكأنها تدعوه للجلوس بجانبها. فابتلع إيرميت ريقه الجاف وتقدم بخطواتٍ بطيئة نحو ذلك المشهد الذي بدا كالحلم.
انعكس الضوء المعاكس في عينيه البنفسجيتين فتلونتا بلونٍ غامضٍ لا يُعرف كنّه. بينما تتبعت إيفيريا خطواته بعينيها.
وخلال اقترابه، كانت الشمس قد غابت تمامًا. لم يبق في الغرفة سوى بقايا خافتة من ضوء الغروب ووهج المدفأة.
وحين اقترب منها إلى مسافةٍ يمكن أن يطالها بمدّ يده، أمسكت إيفيريا بيده فجأة. و رفعت وجهها نحوه، والضوء خلفه، وسألته بابتسامةٍ خفيفة،
“هلّا نخرج إلى الخارج؟”
“…….”
“قد لا أجيد الرقص كثيرًا، لكن إن علّمتني فسأتمكن من الرقص بما يكفي.”
أرخَت قبضتها التي كانت تمسك بيده ونهضت ببطءٍ من مكانها.
ما زال عليها أن ترفع رأسها لتنظر إليه، لكن مستوى نظرهما أصبح أقرب مما كان قبل قليل.
“إن كان إزعاجاً لكَ أن تعلّمني….أمم، فهذه الكتب هنا عن الرقص. وقد تعلمتُ الأساسيات في الأكاديمية أيضًا.”
“….…”
“لذلك يمكنني وحدي—”
انقطعت كلمات إيفيريا فجأة، لأن إيرميت جذبها إلى أحضانه على حين غرة.
لفّ ذراعيه حول رأسها وخصرها، و تحدّث بنبرةٍ متذمرة كأنه يوبخها برفق،
“لماذا تعلمتِ وحدكِ؟ وأنا هنا.”
أدركت إيفيريا ببراعة أن في تلك النبرة المتذمرة رطوبةً خفية. ظنت للحظة أنه ربما يبكي الآن، فحاولت رفع رأسها، لكنه لم يسمح لها برؤية وجهه.
ومن خلف طبقات ملابسه غير الرقيقة، كان صوت قلبه يُسمع بوضوحٍ شديد.
“تعلّمي مني. وغدًا لنخرج معًا إلى الخارج، حسنًا؟”
أومأت إيفيريا برأسها بصمت.
ثم أبعدها إيرميت قليلًا عن صدره وأمسك وجهها بكلتا يديه، فتمكنت من النظر إلى وجهه مباشرة.
كان ضوء المدفأة يحيط به كأنه هالةٌ مضيئة. و لم يكن يبكي بقدر ما توقعت. فشعرت إيفيريا بشيءٍ من الأسف الغامض وراحت تلمس خده برفق.
خفض إيرميت وجهه ببطءٍ وطبع قبلةً على جبينها. فرفعت إيفيريا رأسها قليلًا أكثر، وسرعان ما التقت شفاههما.
لفّت إيفيريا ذراعيها حول عنقه، وسرعان ما طبع إيرميت قبلةً أخيرة على شفتيها ثم ابتعد عنها.
ثم لمست وجهه المتورد مثله مثلها، و تمتمت باعتذارٍ مفاجئ،
“أنا آسفة….لأنني نسيت.”
“لا، لماذا تعتذرين أنتِ؟”
ابتسمت إيفيريا بخجل، ثم أمسكت باليد التي ما زالت تطوق خصرها وجلست معه على الأريكة.
“إذًا، متى ستعلّمني الرقص؟”
“….يمكننا فعل ذلك هنا أيضًا.”
قال إيرميت ذلك وهو يلتفت حوله. كان وسط غرفة الدراسة واسعًا وخاليًا.
فرتّبت إيفيريا ملابسها عدة مرات ثم نهضت بهدوءٍ من مكانها.
استحضرت في ذهنها ذكريات الأكاديمية وما رأته هناك بشكلٍ غير مباشر، ثم وضعت يدها بترددٍ على إيرميت.
وكأنه أصاب الإجابة الصحيحة ببراعة، اكتفى إيرميت بالابتسام دون أن يقول شيئًا.
“على الأقل، حسب ذاكرتي، لم يسبق لي أن رقصتُ بنفسي.”
“….…”
“قد أدوس على قدمكَ قليلًا.”
فابتسم إيرميت وكأنه يقول أن لا بأس، ثم بدأ يحدد الإيقاع بصوته.
وعلى وقع صوته المنخفض، بدأت إيفيريا تحرّك جسدها ببطءٍ متبعةً إياه.
كانت تبتعد بحذرٍ ثم تقترب مجددًا، وتتحرك حيثما تقودها قدماها.
لكن إحساساً غريباً بالمسؤولية ألا تدوس على قدم إيرميت جعلها متوترةً رغمًا عنها.
“حذائي سميك، حتى لو دُستِ عليه فلا بأس. لن يؤلمني أبدًا.”
“….آسفة.”
وما إن اعتذرت ذلك حتى داست على قدمه فعلًا. فعقدت إيفيريا حاجبيها معتذرة،
و سألها إيرميت من جديد،
“هل دستِ عليه الآن؟”
“نعم.…”
“لم أشعر بشيءٍ أصلًا.”
كان ذلك مبالغةً واضحة. قالها إيرميت بملامح طبيعيةٍ تمامًا، ومع أن إيفيريا أدركت الحقيقة، فإنها شعرت بقليلٍ من الاطمئنان.
وبعد أن انتهت المرة الأولى على هذا النحو، خفّ توترها قليلًا في المرة الثانية.
وقد قادها إيرميت بحذر.
“تحركي قليلًا أكثر إلى اليسار. نعم، هكذا.”
“….الأمر صعب.”
كانت تطيعه بإخلاص، ومع ذلك تذمرت بلا سبب. فضحك إيرميت بخفةٍ ثم أبعد اليد التي يمسك بها يدها قليلًا.
“هنا سيكون من الأسهل أن تخطي بخطواتٍ أوسع قليلًا.”
كان من المدهش كيف يتكلم دون أن يفقد الإيقاع. فرفعت إيفيريا نظرها عن الأرض ونظرت إليه.
التقت عيناها بعينيه البنفسجيتين، اللتين بدا أنه كان يحدق بها طوال الوقت. و سرق إيرميت نظرتها بالكامل ثم ابتسم ابتسامةً مشرقة.
“صحيح. من الأفضل أن تنظري إلى شريككِ بدلًا من الأرض.”
‘إن ابتسم هكذا، أشعر أنني لن أستطيع النظر إليه من شدة الارتباك.’
عضّت إيفيريا شفتيها بخفةٍ وحدّقت في وجهه بثبات. ولأن انتباهها انشغل به، بدا أن قدميها تتحركان بشكلٍ أفضل.
ألقت نظرةً خاطفة على الأرض حيث تتحرك قدماها، ثم رفعت نظرها إليه مجددًا بعينين مفعمتين بالفرح.
“يبدو أن لدي موهبة.”
“صحيح، أنتِ بارعةٌ حقًا.”
كان سماع المديح ممتعًا دائمًا. فابتسمت إيفيريا أكثر إشراقًا من قبل.
وكأن تلك الابتسامة مُعدية، ارتسمت ابتسامةٌ أيضًا على وجه إيرميت.
***
وبإرادة إيفيريا القوية، خرجا في النهاية إلى الخارج في ذلك اليوم أيضًا.
لكن المكان لم يكن مزدحمًا بالناس. بل كان خلوّه من الزحام أجمل.
“….بحر الليل جميلٌ للغاية.”
نظرت إيفيريا إلى البحر الممتد بلا نهايةٍ حتى الأفق البعيد.
انعكس ضوء القمر والنجوم على سطح الماء، وتموّجت خيوطٌ فضية فوق البحر الأزرق الداكن.
كان النسيم الذي يهب بين الحين والآخر يمنح شعورًا بالتحرر، وحتى صوت الأمواج المتقطّع زاد الإحساس بالانتعاش فقط.
مدّت إيفيريا ذراعيها وأغمضت عينيها لتشعر بالريح، ثم بوجهٍ محمّر أمسكت بيد إيرميت. فالبرودة التي استمرت جعلتها تشعر بالبرد.
أدخل إيرميت يده في جيبه وهو ما يزال ممسكًا بيدها، بينما راحت إيفيريا تقبض يدها الأخرى وتبسطها ببطء.
“هل تشعرين ببردٍ شديد؟ هل نعود إلى الداخل؟”
“لا بأس.”
لكن كلماتها لم تخرج جيدًا، وكأن عضلات وجهها نفسها تجمدت.
كانت تختبر فعليًا قسوة بحر الليل في الشتاء.
كان شتاء الأكاديمية قاسيًا أيضًا، لكن ذلك المكان كان محاطًا بالسحر، والأهم أنه لم يكن بجواره بحر.
حدّقت إيفيريا في وجه إيرميت الذي بدا بحالٍ أفضل منها بكثير.
“يا سيد، إيرميت….لماذا تبدو بخيرٍ هكذا؟”
“شتاء أراضي الدوق أشد برودة.”
أشد برودة؟ صحيحٌ أن البرودة هنا سببها الرياح أكثر من الطقس نفسه، لكن….
عجزت إيفيريا عن الرد، فسألته بدلًا من ذلك،
“بالمناسبة، هل يمكن استخدام السحر هنا؟”
“إن أردتِ فافعلي.”
بمجرد أن سمعت الجواب، قرفصت والتقطت حجرًا صغيرًا.
فكرت في تدفئة الهواء، لكنها رأت أن ذلك غير فعّال، فاختارت أن تدفئ الحجر بدلًا من ذلك.
ما إن ضخت فيه قليلًا من طاقتها السحرية حتى أصبح دافئًا. و أخذت تعبث به ثم وضعته على خدها، فانتشر دفءٌ لطيف.
و عندما رأى إيرميت ابتسامتها المشرقة، شدّ يدها برفق.
“هل نذهب إلى الداخل قليلًا؟ هناك سيكون أدفأ.”
“نعم، أحب ذلك.”
شعرت أنها رأت من بحر الليل ما يكفي. وربما يكون من الجيد العودة نهارًا مرةً أخرى لاحقًا.
سارت إيفيريا ببطءٍ خلف إيرميت، وكان الرمل يصرّ تحت أقدامهما مع كل خطوة.
حتى الطريق الذي قد يبدو موحشًا قليلًا لم يكن مخيفًا وهي معه.
ومن بعيد سُمعت ضوضاء صاخبة. وما إن استدارا عند الزاوية حتى أضاءتهما الأنوار الساطعة.
“واو….هناك مهرجان.”
“نعم.”
حدّقت إيفيريا بعينين متسعتين في المشهد أمامها.
كان يشبه مهرجانات الأكاديمية ويختلف عنها في آنٍ واحد. صفوف الخيام والزينة بدت مألوفة، لكن الحيوية هنا كانت أقوى بكثير.
سارت هنا وهناك ممسكةً بيد إيرميت، بينما أبدى هو اهتمامًا خاصًا بأكشاك الطعام.
و سرعان ما امتلأت يداه بأنواعٍ من اللحوم التي لم تتذكر أسماءها رغم شرحها، وبمختلف الفواكه والخضروات والسلطات.
“لا تقلقي، يتم الاهتمام بالنظافة هنا بدقة.”
أومأت إيفيريا بصمت. و شعرت أن امتلاء معدتها سيكون المشكلة الأكبر إن أكلت كل ما يحمله، لكنّها ابتلعت كلماتها.
ومع ذلك، كانت تتناول الطعام بهدوءٍ كلما قدّمه لها إيرميت.
وحين رأى أنه اشترى ما يكفي من الطعام، حوّل نظره إلى التذكارات.
اشترت إيفيريا بصمتٍ حلقتي مفاتيح على شكل البحر وأعطته واحدة. و ابتسم إيرميت وهو يتسلمها ووضعها بعناية في جيبه، بينما احتفظت هي بالأخرى بعد أن تأملتها بدقة.
بدأت تفهم لماذا كان يصرّ دائمًا على أن يهديها الأشياء؛ فإعطاء الهدايا للآخرين قد يكون أحيانًا أبهج من تلقيها.
وأثناء تجوالهما بحثًا عن شيءٍ آخر يشتريانه، انطلقت موسيقى فجأةً من مكانٍ ما. فأشرقت عينا إيفيريا والتفتت نحو مصدر الصوت.
وقد كان الناس متجمعين بوضوحٍ في جهةٍ واحدة.
“يبدو أنهم يرقصون هناك.”
“….…”
نظرت إيفيريا إلى إيرميت، فاكتفى بالابتسام دون جواب.
التعليقات لهذا الفصل " 129"