بعد ذلك، مضى النصف الثاني من السنة الرابعة سريعًا وببطءٍ في آنٍ واحد.
كان سريعًا لأنه فصل ما قبل التخرج مباشرة، وبطيئًا أيضًا لأن ما بعد التخرج هو الزواج، فبدا و كأن الزمن يتباطأ.
ومنذ أن تصدّر خبر خطوبة إيفيريا ديل وإيرميت نيسبيروس الصحف بشكلٍ واسع، تراجعت كثيرًا الأحاديث التي تربطهما بآخرين.
كان اليوم هو أول أيام تسليم تقارير التدريب العملي للسنة بأكملها. وقد حُددت مدة التسليم بنحو أسبوع، ومنذ لحظة تسليم التقرير يصبح طلاب السنة الرابعة في الأكاديمية أحرارًا.
بل أدقّ من ذلك، كان لا بد من تسليم التقرير والحصول على الموافقة عليه، فالمحتوى الضعيف غير مقبول.
قصدت إيفيريا غرفة إيرميت. وبعد أن طرقت الباب جاءها صوته يأذن بالدخول، فأطلّت برأسها من فتحة الباب.
“هل انتهيتَ من كتابة التقرير؟ يجب تسليمه.”
“نعم. وأنتِ أيضًا انتهيتِ، أليس كذلك؟”
“نعم.”
أجابت وهي تتقدم إلى داخل الغرفة.
وضع إيرميت القلم الذي كان يمسكه برفقٍ على المكتب. وكان التقرير الموضوع أمامه ممتلئًا سطورًا بشكلٍ يكاد يبدو قهريًا من كثافته.
وحين أطلقت إيفيريا عبارة إعجابٍ عند رؤيته، ارتسمت على وجهه ملامح فخرٍ واضحة.
و سارعت إيفيريا بدورها إلى تفقد تقريرها. ورغم أنه أقل كثافةً من تقريره، فإنها ملأت جميع الخانات بأقصى ما تستطيع.
“إذًا، لنذهب معًا؟”
“نعم، لنذهب معًا.”
حتى وهما يخرجان من الغرفة ويسيران جنبًا إلى جنب، كانت الابتسامة لا تفارق وجهيهما.
وقفت إيفيريا أمام غرفة سيد برج السحر وطرقت الباب بحذر. و جاء الإذن من الداخل، ففتحت الباب برفق.
وبمجرد أن شعر بوجودهما، نظر سيد البرج إلى الأوراق في أيديهما وأطلق ضحكةً قصيرة.
“….هل كنتما تتوقان للهروب من البرج إلى هذا الحد؟ أشعر بشيءٍ من الأسف.”
كانت إيفيريا تميل أصلًا إلى إنهاء أي مهمةٍ مطلوبة منها بأسرع ما يمكن، وربما كان إيرميت يتطلع فعلًا إلى التحرر.
تقدم إيرميت دون ترددٍ ووضع تقريره أمام سيد البرج. وتبعته إيليريا بخجلٍ خفيف وقدمت تقريرها فوق الأوراق.
تصفح سيد البرج تقرير إيرميت بنظرةٍ سريعة، لكن كثافة الكتابة جعلته يقطب حاجبيه تلقائيًا.
“حتى لو حاولتُ التدقيق فيه….ما هذا؟ هل تكتب التقارير وكأنكَ تُعاقَب؟”
“أردتُ أن يُقبل من المرة الأولى.”
“يا لكَ من شخصٍ مُرهِق.”
وبينما يوبخه على طريقته، ختم أسفل التقرير بختمٍ يرمز إلى برج السحر.
ووُضع الختم ذاته على تقرير إيفيريا أيضًا. ثم وضعهما مع بقية التقارير المقرر إرسالها إلى الأكاديمية، وأشار إليهما بيده وكأنه يطلب منهما الانصراف.
فترددت إيفيريا قليلًا قبل أن تتكلم.
“قبل….أن نتزوج، سأعود بالتأكيد لزيارتكَ.”
“إيفيريا، منذ أن نطقتِ بكلمة زواج، صار تعبير إيرميت في غاية السعادة.”
قال سيد البرج الحقيقة بصوتٍ خافت، وبدا على ملامحه شيءٌ من الكآبة.
فتفقدت إيفيريا وجه إيرميت. كان يبتسم حقًا ابتسامةً مشرقة، وعيناه البنفسجيتان نصف المغمضتين بدتا جميلتين على نحوٍ لافت.
ثم عقد سيد البرج ذراعيه وأوصى بنبرةٍ حازمة.
“احرصي على المجيء. سأكون بانتظاركِ.”
ولم يتمكن كلٌ من إيفيريا وإيرميت من مغادرة غرفة سيد البرج تمامًا إلا بعد أن كررا وعدهما عدة مرات.
***
لم يتوقعا أن تتم الموافقة على التقرير بهذه السرعة، فبقي لديهما وقتٌ أكثر مما ظنا.
كانت إيفيريا تنظر من النوافذ المتفرقة إلى المشهد في الخارج.
الثلج….كان الثلج يتساقط.
لم يتراكم كثيرًا بعد، لكن رقائقه التي تبدو ناعمةً كانت تغطي الأرض في الأسفل.
بساطة المشهد المكوّن من الجدار الممتد والأرض الواسعة والسماء التي تهطل منها الثلوج البيضاء منحتها شعورًا متجددًا.
وربما لأن هذا المنظر البسيط الشاسع لا يُرى بسهولةٍ في عاصمة الإمبراطورية أو في الأكاديمية.
اقترب إيرميت من خلف إيفيريا التي كانت ملتصقةً بالنافذة تنظر إلى الخارج، وشاركها المشهد.
وبعد صمتٍ طويل، سألها،
“أنذهب فورًا؟”
“همم….لنأخذ أمتعتنا أولًا ثم ننطلق مباشرة.”
حان وقت التوجه إلى الجنوب. وكان الوقت أيضًا للوفاء بالوعد الذي لم تستطع الإيفاء به مع إيرميت.
فكّرت إيفيريا قليلًا فيما ينبغي أن تحزمه، ثم تذكرت فجأةً ما حدث في المرة الماضية ففتحت فمها بتردد.
“هذه المرة….هل نستخدم السحر للذهاب؟”
“نعم، لنفعل ذلك.”
أجاب إيرميت مبتسمًا وكأنه يعرف سبب قولها ذلك.
لم تكن ترغب في تجربة دوار السفر مرةً أخرى. صحيحٌ أن الانتقال بالسحر يسبب شيئًا من الدوار أيضًا، لكنه يختلف عن ذلك الناتج عن العوامل الجسدية الخارجية.
افترقت إيفيريا عن إيرميت ودخلت غرفتها.
قررت أن تحزم فقط ما هو ضروريٌ فعلًا. فهي لن تغادر برج السحر نهائيًا، لذا من الأفضل أن تترك بعض الأشياء هنا.
وبعد أن اختارت بعناية، لم يتبقَّ معها سوى حقيبةٍ بحجم الجزء العلوي من جسدها تقريبًا.
‘سأشتري الباقي عندما نصل.’
خرجت إيفيريا من الغرفة حاملةً أمتعةً ليست خفيفة، وتأكدت مرةً أخرى من المال ومن بطاقة الطالب التي ستقوم مقام الهوية حتى التخرج من الأكاديمية، ومن الشارة التي تثبت انتماءها إلى برج السحر.
كان إيرميت قد سبقها ووقف بالفعل أمام غرفتها. فابتسمت له ابتسامةً خفيفة ووقفت إلى جانبه بسرعة.
“….أنا متوترة. أتساءل كم تغيّر المكان.”
“لن يكون تغيّر كثيرًا كما تظنين. فذلك المكان….مكاننا.”
رسمت إيفيريا في ذهنها صورة الملحق الصيفي لعائلة الدوق كما بقي في ذاكرتها.
أجواءٌ دافئة وهادئة. وربما تغيّرت التفاصيل، لكنها شعرت أن تلك الأجواء نفسها لم تتبدل.
عند وصولهما إلى الطابق الأول وخارج برج السحر، التفتت إيفيريا نحو إيرميت. فهي لا تعرف الموقع الدقيق للملحق الجنوبي.
“هل تعرف الإحداثيات؟”
“نعم، سأقوم أنا بها.”
أطلق إيرميت طاقته السحرية دون أي تردد. وأغمضت إيليريا عينيها بإحكام على نحوٍ انعكاسي وأمسكت بيده.
بدأ الهواء البارد يكتسب دفئًا خفيفًا. والرياح التي كانت تلامس وجهها وشعرها بحدةٍ صارت ألطف. فأدركت إيفيريا بحدسها أنهما وصلا إلى المنتجع الجنوبي.
وعندما فتحت عينيها تمامًا….
“واو….”
كان المبنى أمامها نظيفًا إلى حد بدا غريبًا. كأن الزمن لم يمسّه قط.
وفي تلك اللحظة شعرت إيفيريا وكأنها عادت طفلةً تنظر إلى هذا المكان من جديد.
تجاهل إيرميت حقيبتها وسحبها من يدها كأنه لا يلاحظها، ثم اتجه إلى الداخل.
“هيا.”
تبعته إيفيريا وهي تدير رأسها حولها بانشغال، فكل زاويةٍ هنا كانت مشبعةً بالذكريات.
وعندما دخلا، وجدت أن تصميم الداخل وتفاصيله مطابقان تمامًا لما بقي في ذاكرتها.
حتى اللوحات المعلقة على الجدران، والأعمال الفنية الموضوعة في أحد أركان الممر، كانت كما هي دون تغيير.
شعرت أن أنفاسها تتسارع دون سبب واضح، فنادت إيرميت.
“أم….سيد.”
“….…”
لكنه لم يلتفت بإصرار. فابتسمت إيفيريا مرة، ثم غيّرت طريقة مناداته.
“السيد إيرميت؟”
“نعم، ماذا هناك؟”
هذه المرة التفت إليها فورًا. و ابتسمت إيفيريا وكأن الهواء خرج من صدرها، ثم تحدّثت بوجهٍ صار أكثر جديةً قليلًا.
“ذلك….الغرفة، كما تعلم. الغرفة التي سقطتَ فيها.”
اليوم الذي انقلبت فيه الأيام التي بدأت تمتلئ سعادةً إلى مستنقعٍ في لحظة.
اليوم الذي لم يستيقظ فيه إيرميت.
في هذا المكان المألوف جدًا، عادت إليها ذكرى ذلك اليوم فجأة.
فأخذت إيفيريا نفسًا عميقًا ثم سألته،
“هل يمكنكَ….أن تستخدم غرفةً أخرى بدلًا من تلك؟”
“حسنًا، سأفعل.”
وكأن إيرميت تذكّر ذلك اليوم أيضًا، خفّض نظره قليلًا. و ظل ينظر إلى شفتيها طويلًا، ثم استدار ببطءٍ وهو يمسك بطرف كمّها بيدٍ واحدة.
فأفلتت إيفيريا شفتيها اللتين كانت تعضهما دون وعي، وسارت منقادةً خلفه.
“شكرًا لكَ.”
بوجه شاحبٍ قليلًا، حررت يده ثم عانقته من الخلف بإحكام. و حين شعرت بحرارة جسده وبلون وجهه الصحي، بدا أن قلبها يهدأ قليلًا.
“لا تمرض.”
“وأنتِ أيضًا.”
تجمّد للحظة بدهشة، ثم غطّى يديها بكلتا يديه. ونظر إلى إيفيريا الملتصقة بظهره.
كما أن لديه ذكرياتٍ سيئة مرتبطة بوعده معها وبصحتها، كان لديها هي أيضًا مثل ذلك. كان ذلك قاسمًا مشتركًا بينهما.
وقبل أن يثقل الجو، فتح إيرميت فمه بنبرةٍ خفيفة.
“لكن، ألا يبدو الأمر إنسانيًا أكثر من اللازم بالنسبة لعملية اختطاف؟ أعطيتِني وقتًا للاستعداد وكل شيء.”
“….…”
لم تجد إيفيريا ما تقوله، فاكتفت بدفن خدها الأيمن في ظهره. فقد داهمها شعورٌ بالذنب فجأة.
ثم سألها إيرميت بصوتٍ لا يزال خفيفًا.
“إذًا، لا بأس أن أستخدم الغرفة المجاورة؟”
“نعم، بالطبع.”
وما إن أجابت حتى توقف عن السير.
كان أمامهما بابٌ بدا مألوفًا وغريبًا في آنٍ واحد. فابتعدت إيفيريا عنه قليلًا لتتأمله عن قرب.
“يمكنكِ البقاء هنا. وأنا….سأكون في الغرفة المجاورة.”
“حسنًا.”
فتح إيرميت الباب بنفسه، فانفتح بهدوءٍ دون صوت. و تركها تدخل أولًا، ثم تبعها إلى الداخل ببطء.
“سأضع حقيبتكِ هنا.”
“شكرًا لكَ.”
وقفت إيفيريا أمام غرفته بعد أن تبعته. بينما ألقى عليها نظرةً جانبية ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة.
“هذه غرفتي.”
“أوه….إن شعرتُ بالخوف ليلًا، سأأتي إليكَ.”
ارتجف طرف شفتيه كأنه يحاول كتم ضحكة. أما إيفيريا، فتابعت تتفحص غرفته التي تشبه غرفتها وتختلف عنها في الوقت نفسه.
وكانت الأرضية ناعمةً إلى حد شعرت معه أنها قد تنام عليها دون مشكلة.
ثم سألها إيرميت بصوتٍ مشاكس،
“أنا أنام من دون ارتداء قميص علوي….هل يمكنكِ تحمّل ذلك؟”
“….إذًا سأحضر عصابة عينين. لن أنظر. لا تقلق.”
كان صوتها المرتبك يحاول جاهدًا إنقاذ الموقف.
‘عصابة عينين….هل أحضرتُها فعلًا؟’
استعرضت إيفيريا أمتعتها بسرعةٍ في ذهنها. و يبدو أنها لم تفعل.
فكرت أنها ستخرج لتشتري واحدة، لكنها سمعت ضحكةً إلى جانبها. وقد كان إيرميت يضحك. فلم تملك إيفيريا إلا أن تضحك معه.
_______________________
انفدا ذا الفصل حلو هادي حتى سيد البرج يجنن وهو يقول ارجعوا
المهم شكلهم بيقعدون هنا سوا قبل الزواج؟ او انهم بيتجهزون للعرس هنا؟
مدري بس ترا باقي فصل انت تستطيعين يالمؤلفه تحطين العرس و العيال سوا 😘
التعليقات لهذا الفصل " 128"