في الأصل كانوا ينوون جعله بسيطًا قدر الإمكان، لكن مع تدخل سيد برج السحر وانضمام أفراد العائلة الإمبراطورية، أخذ حجمه يكبر شيئًا فشيئًا.
ولأن الطقس كان لا يزال حارًا قليلًا، بقيت إيفيريا تنتظر في الداخل قبل أن تبدأ المراسم رسميًا.
وخلال تلك الفترة، تصرّف إيرميت وكأنه شخصٌ متلهّفٌ لفعل أي شيءٍ من أجلها، لأنه لم يتمكن من تقديم شيءٍ لها من قبل.
كان يجلب لها شتى الملابس وكأنه يلعب بالدمى، و يجمع كل الحلي التي يظن أنها قد تعجبها.
حتى خُيّل إليها أن ما رأته من ملابس وحلي منذ قدومها إلى قصر الدوق يفوق بكثيرٍ كل ما ارتدته أو رأته في حياتها.
وقد خفّ ذلك السلوك الغريب قليلًا بعدما أخذت إيفيريا، وكأنها تنتقم، تصطحبه معها لأيامٍ متتالية ليبدل ملابسه مرارًا.
وحين تذكرت ذلك، هزّت إيفيريا رأسها نافية.
منذ الصباح الباكر كان عددٌ كبيرٌ من الناس يلتفون حولها. وحتى إيفيريا المعتادة على الاستيقاظ مبكرًا شعرت بالإرهاق من شدة الانشغال.
تساءلت إن كان كل ذلك قد أفسد مظهرها، فاستدارت بصلابةٍ نحو المرآة لتتفقد نفسها.
ظهر شعر مضفورٌ في جديلة واحدة. و خدّان يبدوان أكثر حيويةً من المعتاد بفضل مهارة التجميل. وحتى نظرة عينيها التي فقدت الكثير من حدّتها وبرودها.
ما زال كل شيءٍ على ما يرام. فتنفست الصعداء وأعادت رأسها إلى وضعه.
في تلك اللحظة، سُمِعت حركةٌ عند الباب.
“واو….يا لها من جنيّة.”
“آه.”
أغمضت إيفيريا عينيها برفق وأطلقت تنهيدة. كانت كلماتٍ يصعب عليها تحمّلها، حتى خُيّل إليها أنها قد تُتَّهم بالتجديف.
لكن سينثيا اقتربت منها بوجهٍ مازح غير آبهة.
“كيف تشعرين؟ ما انطباعكِ؟”
“….أمر جديدٌ عليّ.”
لم يخطر ببالها أي تعبيرٍ غير أنه جديدٌ تمامًا.
وبعد أن أجابت بصعوبة، استدارت بالكامل لتتفحص انعكاسها في المرآة مرة أخرى.
حتى قبل عامين فقط، لم تتخيل يومًا أنها ستبدو بهذا الشكل. كان منظرها في المرآة غريبًا عليها، لكنه جميل….وكانت سعيدةً لأنها قادرةٌ على التغير بهذا القدر.
وما إن بدأت تغرق في تأملها، حتى تحدّثت سينثيا بصوتٍ مائلٍ إلى الجدية قليلًا،
“نعم، إنه جديدٌ عليّ أنا أيضًا. حتى خطوبتكِ….لقد كبرتِ حقًا.…”
ثم تظاهرت بمسح دموعها بطرف كمّها، فانفجرت إيفيريا ضاحكة.
كان لا يزال هناك بعض الوقت قبل أن تبدأ المراسم رسميًا.
فألقت إيفيريا نظرةً على الوقت ثم التفتت إلى سينثيا. وبدا أنها تحققت من الوقت أيضًا، فسألتها بصوتٍ مستعجلٍ قليلًا.
“ومتى زفافكِ؟ لأحجز الموعد مسبقًا.”
“همم….ربما في الشتاء، بعد التخرج أولًا؟”
لم يُحدد موعد الزفاف بعد. كانت مجرد فترةٍ متوقعة بشكل تقريبي.
فقط كانت تتمنى أن يكون في الشتاء.
و بدأت سينثيا تعدّ المدة المتبقية على أصابعها، ثم فتحت فمها قليلًا،
“إنه قريبٌ جدًا.”
“حقًا؟ أليس رومانسيًا؟”
كادت إيفيريا تعض شفتيها على عادتها، لكنها تذكرت أن الناس وضعوا عليها قبل قليلٍ الكثير من مستحضرات التجميل.
فأعادت سينثيا السؤال وكأنها سمعت كلمةً جديدة.
“رومانسي؟”
“أن تتم الخطوبة في الصيف والزفاف في الشتاء؟”
في الحقيقة لم تعرف حتى لماذا خرجت منها كلمة “رومانسي”.
فتحدثت إيفيريا على نحو مرتبكٍ وابتسمت ابتسامةً خجولة.
لكن بعدما نطقتها، بدا لها الأمر رومانسيًا حقًا….أن يرتبط حدثان في موسمين متعاكسين، كلٌّ بطريقته.
و ظلت سينثيا تفكر في كلامها لحظةً ثم انفجرت ضاحكة.
“آه، هذا ما تسمينه رومانسيًا؟”
“نعم….نوعٌ من الرومانسية المفهومية؟”
“وما هذا أصلًا؟”
امتلأت الغرفة بالضحك. ثم مدّت سينثيا يدها نحو إيفيريا،
“لكن أظنني فهمتُ ما تقصدين.”
“أليس كذلك؟”
حتى إيفيريا نفسها اقتنعت بكلامها، لذلك ظنّت أن سينثيا ستفهم. فابتسمت بفخرٍ وأمسكت باليد الممدودة أمامها.
و عند الباب، التفتت سينثيا إلى صديقتها التي بدت أجمل من أي وقتٍ مضى، وقدمت لها تهنئةً صادقة.
“مباركٌ خطوبتكِ يا إيفيريا.”
ثم فُتح الباب، وأشرق ضوء الشمس الدافئ كأنه يرحّب بها.
ابتسمت إيفيريا إشراقةٍ واسعة وتقدمت بضع خطواتٍ لتقف بجانب إيرميت.
الأميرة تولّت إدارة المراسم، وبعد تبادل التحيات والجلوس، لم تعد تتذكر جيدًا ما حدث من شدة ارتجافها.
إن كانت ترتجف هكذا في الخطوبة، فكيف سيكون حالها في الزفاف؟
خطرت لها الفكرة، لكنها سرعان ما فكرت بالعكس: ربما تكون هذه تجربةً تخفف ارتباكها في يوم الزفاف.
‘….آمل حقًا أن يكون الأمر كذلك.’
عضّت إيفيريا باطن خدها برفق، فلم تجرؤ على إفساد ما وُضع على وجهها من زينة.
وكأن إيرميت لاحظ توترها، مدّ يده وأمسك بيدها. عند الشعور الذي دغدغ راحة يدها، خفّضت إيفيريا نظرها قليلًا.
وقد ابتسم إيرميت ابتسامةً عريضة، ثم كتب ببطءٍ على راحة يدها باليد الأخرى.
لحسن الحظ، انتهت مراسم الخطوبة دون أي مشكلةٍ تُذكر. وباستثناء أنها كادت تخطئ مرةً في ترديد عبارات العهد، فشعرت بالرضا عن نفسها.
بعد انتهاء المراسم، وقبل بدء الفقرات التالية، اقترب سيد برج السحر منها.
لم يكن مظهره مبهرًا، لكنه بدا أنيقًا ومرتبًا. ففي ذاكرتها كان دائمًا يظهر على طبيعته دون تزيّن، أما اليوم فكان مختلفًا قليلًا.
صحيحٌ أن لون ملابسه لم يكن زاهيًا، لكنه بدا أكثر إشراقًا من المعتاد. فابتسمت إيفيريا بصمتٍ وهي تنظر إليه.
“مباركٌ خطوبتكِ يا إيفيريا.”
“شكرًا جزيلًا، سيدي.”
انحنت إيفيريا قليلًا تحيةً له، وفعل إيرميت الشيء نفسه إلى جانبها.
ى تأمل سيد البرج المشهد بنظرة فضول، ثم سأل بنبرةٍ مرحة من جديد،
“كيف كانت تعويذتي؟ ألم يكن الجو أقل حرارةً اليوم؟”
“بلى، كان ألطف فعلًا. شكرًا لكَ.”
طوال سير المراسم لم تستطع تفقد ما حولها جيدًا بسبب توترها، لكنها شعرت في مكانٍ ما بتدفقٍ من السحر.
وبالمقارنة مع الحر الذي كان مسيطرًا في الأيام الأخيرة، كان طقس اليوم لطيفًا ومنعشًا حقًا.
رفعت إيفيريا رأسها قليلًا وتفحّصت ما حولها والسماء بنظرةٍ سريعة. وحين ركزت انتباهها، صار تدفق الطاقة السحرية أوضح بكثيرٍ مما كان قبل قليل.
و راقب سيد برج السحر تصرفها ثم فتح فمه مجددًا.
“في العادة لا يُسمح باستخدام السحر في قصر الدوق، لكن اليوم الدوق هو من طلب ذلك أولًا. سألني إن كنتُ أستطيع إلقاء بعض التعويذات.”
“آه.”
كان كلامًا لم تتوقعه. فشدّت إيفيريا يد إيرميت التي تمسك بها قليلًا أكثر.
بينما كان دوق نِسبيروس يقترب من بعيد. وما إن اقترب، حتى خفَضت إيفيريا رأسها باحترام.
“….شكرًا لاهتمامكَ، سيدي الدوق.”
“مباركٌ خطوبتكما. أتمنى أن يمتلئ طريقكما بالسعادة فقط.”
“شكرًا جزيلًا.”
ساد صمتٌ قصير يحمل شيئًا من الحرج.
ولأن سيد البرج أدرك الأجواء، ربت على ظهر الدوق بخفة ثم إلتفت لإيفيريا.
“نحن سنتكفل بالاستمتاع بالحفل بأنفسنا، فلا تقلقي بشأننا. حسنًا؟”
“شكرًا لكم مرةً أخرى حقًا.”
انحنت إيفيريا مودّعةً لظهر سيد البرج والدوق، ووجد إيرميت نفسه يكرر التحية معها مراتٍ عدة دون قصد.
ومع ابتعادهما، رفعت إيفيريا نظرها تتابع ظهريهما وهما يبتعدان.
كان الدوق يسير مع سيد البرج بارتياح. وحتى الآن لم يُظهر تجاهها أي عداء. بل إن عدم وجود أي احتكاكٍ بينهما بدا وكأنه مراعاةٌ دقيقة لشعورها بعدم الارتياح منه.
ذلك اللطف الصغير وتلك العناية ذكّراها بشخصٍ ما، فخطرت لها فكرة أنه ربما يأتي يومٌ تستطيع فيه التقرّب من الدوق نِسبيروس أيضًا.
أفلتت إيفيريا اليد التي كانت تمسك بها، ثم عانقت خصر إيرميت بقوة. وأدارت وجهها بعيدًا عنه قدر الإمكان خشية أن يلطّخ المكياج ملابسه.
وفي تلك اللحظة، التقت عيناها بالأميرة التي بدت محرجةً قليلًا، فاحمرّت أطراف أذني إيفيريا بخفة.
و ابتعدت عن إيرميت وحثّته قائلة،
“لنذهب لإلقاء التحية على سمو الأميرة.”
“….ستأتي من تلقاء نفسها.”
“لقد تولّت إدارة المراسم اليوم أيضًا.…”
وحين أصرت على رأيها حتى النهاية، بدا على إيرميت عدم الرضا، لكنه استجاب لرغبتها.
وعندما اقتربا، ارتسمت على وجه الأميرة ابتسامةٌ متقنة كأنها مرسومة، وقد اختفى أثر تعبيرها السابق.
و مدّت يدها المغطاة بالقفاز.
“مباركٌ خطوبتكِ يا إيفيريا.”
“شكرًا جزيلًا.”
و صافحتها إيفيريا شاكرة.
هل كانت ترتدي القفازات رغم الحر من أجلها؟ المؤكد أنها لم تكن ترتديها قبل قليل.
وبينما كانت إيفيريا غارقةً في أفكارها، تحدّثت الأميرة بصوتٍ يحمل أسفًا.
“كنتُ أتمنى أن أتمكن من إحضار جلالة الإمبراطور مهما كان الثمن، لكنني لم أستطع، أعتذر.”
“لا يا سموكِ. يكفيني حضوركِ، وقد أسعدني ذلك حقًا.”
وكان هذا صادقًا. ففي البداية خُطط لإقامة الحفل بحضور الأشخاص الضروريين فقط.
ولو حضر ولي العهد الذي أصبح الآن إمبراطورًا….لارتفعت مكانة الحفل، لكنه كان سيصبح أثقل عليها بكثيرٍ مما هو الآن.
ومع ذلك، بقيت الأميرة تبدو معتذرة.
“يبدو أنه مشغولٌ جدًا. في الزفاف….سأحرص على إحضاره حتمًا.”
“حتى وعدكِ هذا وحده كافٍ، شكرًا لكِ.”
ابتسمت إيفيريا ابتسامةً هادئة، بينما كان إيرميت إلى جانبها لا يزال يظهر امتعاضًا خفيفًا.
وحين ألقت عليه نظرة جانبية، بدا وجهه كالمعتاد، لكن الهالة التي تحيط به كانت مختلفةً بوضوحٍ عن المعتاد.
وكأن الأميرة لاحظت ذلك أيضًا، إذ ابتسمت ابتسامةً خفيفة.
التعليقات لهذا الفصل " 127"