ظلت سينثيا فترةً طويلةً تسألها بحماسٍ مفرطٍ عن كل شيء.
كانت فضوليةً بطبعها، لكنها لم تكن من النوع كثير الأسئلة عادة، لذا بدا أن خبر الخطوبة قد صدمها حقًا.
بعد مغادرة سينثيا، انغمست إيفيريا في دوامةٍ من الانشغال المتواصل. فمع انتهاء النصف الأول من العام، كان عليها أن تغادر البرج لبعض الوقت.
ورغم أن الأكاديمية كانت في عطلة، فإن أعمال برج السحر لم تعرف التوقف، وكان من الأفضل أن تُنهي ما يمكن إنهاؤه الآن حتى تستطيع الخروج لاحقًا دون شعورٍ بالذنب.
ومع نهاية الفصل، تنفست الصعداء — لقد مضت الفترة المرهقة أخيرًا.
وبينما كانت تستعد للخروج بعد حصولها على إذنٍ رسمي من سيد البرج، سألها إيرميت فجأة،
“هل تفضلين أن نذهب جنوبًا؟ أم إلى المقاطعة الدوقية؟”
“….إذا كان لي أن أختار، فإلى المقاطعة. أما الجنوب، فسأتركه لوقتٍ لاحق.”
كان لكلا المكانين مكانةٌ خاصة في قلبها، لكن الجنوب كان الجرح الأعمق — فهناك الكثير من الذكريات، والكثير من الوعود التي لم تُحقق بعد.
أجل، يمكنها أن تؤجل تلك الزيارة حتى عطلة الشتاء قبل التخرج، حين يحين وقت استعادة ما تبقّى من وعدٍ قديم.
فهم إيرميت مغزاها من دون حاجةٍ لشرح، وأومأ بصمتٍ مطمئن.
ورغم أن كل تفاصيل خطوبتهما كانت تُحدَّد بحريةٍ كاملة وفق رغبتهما، لم تشعر إيفيريا بأي قلقٍ غريب. ومع ذلك، لم تفارقها عادة التخطيط المسبق، فأخذت ترسم في ذهنها ملامح ما سيأتي.
لكنها لم تكد تغرق في التفكير حتى جاءها صوتٌ من خلفها،
“سأذهب معكما أنا أيضًا.”
كان صوت سيد البرج.
ارتجفت إيفيريا من المفاجأة، إذ لم تشعر بوجوده أصلًا. و التفتت نحوه بسرعة، بينما بدا إيرميت هادئًا كأنه كان يتوقع ظهوره.
مرّر سيد البرج أصابعه في شعره الأسود، ثم تحدّث بهدوء،
“بعد كل شيء، أنا أيضًا شاركت في تربيتكما حين كنتما صغيرين.”
و ردّت إيفيريا بابتسامةٍ صافية،
“سيكون شرفًا كبيرًا لنا أن تحضر.”
فحتى قبيل دخولها الأكاديمية، كان سيد البرج حاضرًا في أغلب مراحل حياتها. بل كان أيضًا السبب المباشر في التحوّل الكبير الذي غيّر مجرى حياتها.
لذلك، كانت دعوته بمثابة لمسةٍ مؤثرة وعميقة المعنى.
أما إيرميت، فبدا متحفظًا كعادته، و ردّ ببرودٍ مهذب،
“سنرسل إليكَ دعوةً رسمية بالطبع.”
كان الاثنان مختلفين للغاية، ومع ذلك متشابهين بطريقةٍ يصعب شرحها.
أومأ سيد البرج مرة أخرى، ثم سأل إيفيريا بابتسامةٍ خفيفة،
“هل تريدين أن أجلس في صفّ العروسة؟”
“….…”
“وفي يوم الزفاف أيضًا، هل أجلس في جانبك أنتِ؟”
لم تستطع الرد للحظة. ففكر سيد البرج قليلًا قبل أن يتابع بصوتٍ متأمل،
“صحيحٌ أن منصب سيد البرج لا يُورَّث، ولستُ أتبناكِ رسميًا كابنة، لكن-”
و قاطعتْه إيفيريا سريعًا، بصوتٍ مرتجفٍ من الامتنان،
“شكرًا….شكرًا جزيلًا.”
كانت على وشك البكاء، فرفعت يدها تضغط على طرف عينيها لتمنع الدموع من الانهمار.
فكرة هذا الأمر كانت قد راودتها مرارًا — من سيمثّل عائلتها في ذلك اليوم؟
لم يكن هناك أحدٌ يمكن أن يأتي مكان والديها الحقيقيين، ولا أحد من أولئك الذين أساؤوا إليها وهي صغيرةٌ يستحق أن يجلس هناك.
لذا، كان عرض سيد البرج بمثابة دفءٍ عميقٍ حلّ في قلبها، كأنه أزال آخر غصّةٍ ظلت تؤرقها.
***
بعد فترةٍ قصيرة، غادرا إيفيريا و إيرميت نحو المقاطعة الدوقية.
استعملا السحر للوصول إلى أطرافها، ثم تابعا الرحلة بوسيلةٍ عادية.
وخلال الطريق، كانت إيفيريا تحدّق طويلًا عبر النافذة كلما مرّا بمكانٍ مألوف، وكأنها تحاول إسقاط الحاضر فوق ذكرياتٍ مضت.
كم هو غريبٌ أن ترى الماضي متشابكًا مع الحاضر بهذا الوضوح.
وبينما كانت تستغرق في تلك الأفكار، التفتت نحو إيرميت الجالس أمامها وسألته،
“بالمناسبة، كنتُ أود سؤالكَ عن شيءٍ منذ زمن. هل يمكنني؟”
“تفضلي، ما الأمر؟”
“ربما يبدو سؤالي غريبًا، لكنه عن أول يومٍ التقينا فيه.”
كان الشارع الذي مرّا به قبل لحظاتٍ يشبه إلى حدٍّ كبير الزقاق الذي جمعهما أول مرة، فاستيقظت الذكرى فجأةً في ذهنها.
ألقى إيرميت عليها نظرةً طويلة، كأنه أدرك ما ستسأل عنه قبل أن تنطق.
ثم سألت بابتسامةٍ مترددة،
“حين رأيتني للمرة الأولى….بماذا فكرت؟ أود أن أعرف انطباعكَ الأول عني.”
“….هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ تريدين أن تعرفي؟”
تأملت إيفيريا أذنه وقد احمرّت قليلًا.
بذلك الرد، زاد فضولها أكثر — والآن لا بد أن تعرف الجواب مهما كان.
“لكنّك قلتَ آنذاك أنني مزعجة،”
و تابعت مبتسمة،
“غير أن كلامكَ بعد ذلك يوحي بأنني لم أكن مزعجةً فحسب.”
فصمت إيرميت قليلًا.
لماذا عليه أن يدفع ثمن كلمةٍ طائشة قالها وهو صبي؟
ظلت إيفيريا تحدق به بعينين زرقاوين براقتين، تنتظر جوابه دون أن تحيد عنه لحظة.
وأخيرًا تحدّث بهدوءٍ غامض،
“ربما فكرتُ أنني أردتُ أن أبدو جيدًا أمامكِ، لكنني شعرت منذ البداية أن الأمر ميؤوسٌ منه.”
فردّت معاتبةً بخفة،
“ولماذا تتحدث وكأنكَ تتكلم عن شخصٍ آخر؟”
“لأن من كنتُه حينها….ليس من أنا الآن.”
ثم شبك ذراعيه بوقاحةٍ لطيفة، وكأن شيئًا لم يكن. فضحكت إيفيريا بخفة، وهزت رأسها.
“كنتَ وقحاّ جدًا، ألا تظن ذلك؟”
“وهل تكرهينني لذلك؟”
ترددت لحظة، ثم أجابت بابتسامةٍ صادقة،
“لا، في الحقيقة….يعجبني ذلك.”
ابتسم هو بدوره، و تحدّث بنبرةٍ حاسمةٍ ومليئةٍ بالرضا،
“هذا يكفيني.”
هزّ إيرميت رأسه، ثم فكّ ذراعيه المتشابكتين بخفة.
فسألته إيفيريا مرةً أخرى، وفي صوتها لمحة حذَر،
“لو قلتُ أنني لا أحب ذلك….هل كنتَ ستتغيّر؟”
“نعم.”
لم يتردد لحظةً واحدة في جوابه. فابتسمت إيفيريا وهي تحني عينيها، ثم انتهزت لحظة هدوء اهتزاز العربة لتقف بحذر.
فتحدّث إيرميت، وهو يراقب حركتها بنظرةٍ قلقة،
“انتظري، انتبهي.”
دقّ—
“قلتُ انتبهي.”
ما إن اهتزّت العربة قليلًا وتمايل جسدها، حتى مدّ إيرميت يده بسرعةٍ ليُمسك بها. ربما لم تكن ستسقط حقًا، لكن النظر إليها جعل القلق يتدفّق تلقائيًا.
حدَث هذا فور انتهائه من نصحها بالحذر، فابتسمت إيفيريا بخجل وهي تُرجع خصلة شعرٍ سقطت على جبينها.
“شكرًا لكَ.”
العربة كانت تهتز بشدّة، لكنه هو وحده بدا ثابتًا تمامًا.
وبمساعدةٍ لا تُشبه المساعدة، جلست إيفيريا بجانبه أخيرًا.
كان مقعد إيرميت بالاتجاه المعاكس لحركة العربة، وإذ تذكّر أنها كانت جالسةً في الجهة المقابلة قبل قليل، تحدّث بقلقٍ ظاهر،
“هذا المكان يجعل الدوار أسوأ.…”
“أنا لا أتقيّأ بسهولة.”
قالت ذلك وهي تغفل عن حقيقةً بسيطة: أنها لم تركب العربة يومًا لهذه المدة.
ففي كل تنقّلٍ طويل كانت تلجأ للسحر، أما الرحلات المتوسطة التي تتطلّب وقتًا في العربة فلم تقم بها منذ زمن، والنزهات الصغيرة القريبة من الأكاديمية كانت دائمًا ضمن مسافة مشي.
والحقيقة أنها لو استطاعت اليوم أيضًا، لانتقلت بالسحر مباشرةً إلى قصر الدوق.
لكن قبيل انطلاقهم، علمت إيفيريا بوجود حواجز أمنية سحرية على القصر، ولم يرق لها أن يُزال كل ذلك فقط من أجل تنقلها الشخصي.
كان إيرميت وسيد البرج يريان الأمر بديهي، وما كان الدوق ليسمح ببقائها لو لم تُرفع الحواجز—بل إن سيد البرج كان من النوع الذي إن لم يُفتح له الباب….فتحه بالسحر فحسب.
ومع ذلك، كانت إيفيريا ما تزال تخشى الدوق كثيرًا، فاختارت الصمت.
وبدا أن إيرميت فهم شعورها، فوافق دون نقاش. و قال كل ما يجب قوله، لكن القلق العالق في صدرها لن يزول إلا حين تقضي وقتًا طويلًا مع الدوق نفسه.
وبمجرد جلوسها بجانبه، انفرج وجه إيفيريا قليلًا. كان قربها منه مريحًا، وحتى اهتزاز العربة الخفيف بدا ممتعًا.
لكن مع مرور الوقت، بدأ لون وجهها يبهت تدريجيًا.
وفي عامها العشرين، أدركت لأول مرة في حياتها أنها تعانيدوارالعربة.
أرادت أن تتماسك حياءً، لكنها ما إن بدأت الدنيا بالدوران حتى سقطت كل محاولاتها. فسألت بصوتٍ صغير،
“آه….آسفة حقًا، هل يمكنني….أن أستلقي قليلًا؟”
ضحك إيرميت بخفوت، ثم أفسح لها مكانًا لتتمدد.
وبجرأة شبيهة بجرأته، أسندت رأسها على ساقيه.
“شكرًا.”
فمسح إيرميت بلطفٍ وجهها الشاحب، وعلى شفتيه ابتسامةٌ خافتة.
ثم تذكّر شيئًا قرأه يومًا في أحد الكتب، وأخذ يد إيفيريا ليداعب أصابعها.
كانت حرارتها قد انخفضت، فقبض على يدها بقوةٍ محاولًا كبح القلق الذي ارتفع في صدره بشكلٍ عفوي.
أغمضت عينيها طويلًا، ثم فتحتهما أخيرًا وقد بدا عليها بعض التحسّن. و بادلته النظر، فتلاقت عيناهما.
“أليس لديكَ دوار عربة، إيرميت؟”
“لا. لا أعانيه.”
“هذا مُطمئن.”
ابتسمت ثم أغمضت عينيها مجددًا، وقد عاد بعض لونها.
عندها فقط، استطاع أن يتنفس بارتياح.
***
بعد وصولهما إلى قصر الدوق، سارت استعدادات الخطوبة بسلاسة.
ولحسن الحظ، لم يُظهر الدوق أي عداءٍ تجاه إيفيريا، بدا وكأنه يعرف أنها تخشاه، فلم يسعَ للاقتراب منها أو التحدث بلا ضرورة.
“افعلي ما تشائين هنا. أي شيءٍ تريدينه، و أي شيءّ ترغبين في شرائه….لا تترددي.”
قال ذلك في يوم وصولها، ثم اختفى تمامًا داخل القصر دون أن يظهر لهم مجددًا.
وحين وجدت إيفيريا نفسها في حيرة، علّق إيرميت الذي كان حاضرًا معها آنذاك،
“هو يعني كلامه. لو أردتِ يمكنكِ حتى خلع أحد الأعمدة. أو اثنين.”
“….هل لقبكَ ليس نيسبيروس أصلًا؟”
سألته بحيرة. فهذا منزل عائلته….لماذا يتصرف كما لو أنه ملكٌ لعائلةٍ أخرى؟
فضحك إيرميت طويلًا، ثم ردّ بصوتٍ يحمل أثر الضحك،
“لا بأس، لن يلاحظ أحد.”
لم تعرف إيفيريا إن كان كلامه ذلك يستند إلى منطقٍ أم لا، فلم تجد إلا أن تُبدي تعجبًا عاجزًا.
_______________________
سيد البرج التبن ليه ماتبناها😔 مره يجنن يوم قال بجي في جهة العروس واقعد جنبس كأنه من اهلها بس ياخي ترا حلال تتبناها😔
المهم ايرميت الحمار مستانس عشانها انسدحت عليه؟😭 ادري انها خاف عليها يوم مسك يدها وهي بارده ومدري وش بس ترا شفتك
اما ابوه خساره كان ابي علاقتهم تصير حلوه بس عنها خايفه وهو اختفى
التعليقات لهذا الفصل " 126"