جاء الجواب سريعًا، حازمًا، فأطلقت إيفيريا ضحكةً صغيرة مكتومة.
ولم يلبث أن أضاف، بصوتٍ متوتر وكأنه يخشى أن يُساء فهمه،
“حقًا. أنا لا أكذب بشأن أشياء كهذه.”
“حسنًا، صدّقتكَ.”
ظلّ وجهه مخفيًا عنها حتى النهاية. فتحدّثت وهي تبتسم في لطفٍ لا يخلو من دفء،
“ثم، وما المشكلة لو بكيتَ؟ حتى حين تبكي، ما زلتَ….جميلًا.”
“…….”
تذكّرت وجهه المبلل بالدموع كما رأته في الماضي — تلك العينان البنفسجيتان اللتان كانت تحدق فيها بصدقٍ مفعمٍ بالوجع. كان قولها أنه جميل، نابعًا من صدقٍ خالص.
لكنه ظل صامتًا، دون حركة. و لم تستطع أن ترى تعبيره، مما جعلها تضيف على استحياء،
“ربما لا تحب أن أصفكَ بالجميل؟ حسنًا، سأقول إذًا أنكَ وسيمٌ حتى وأنتَ تبكي.”
“كلاهما يعجبني. الإطراء يعجبني….وحتى لو شتمتِني، ما دمتِ أنتِ من يفعل، فلا بأس.”
أجاب فورًا دون تردد. فتساءلت إن كان يمزح، لكن شيئًا في نبرته أوحى بالعكس.
في الماضي كانت ستضحك وتعتبره مبالغةً لطيفة، أما الآن….فقد باتت تخشى أن يكون يعني كل كلمةٍ حقًا.
ابتسمت بخجل، فزاد من قوة عناقه كأنه يخشى أن تبتعد.
ثم خفضت يدها التي كانت تعبث بشعره، وربّتت بهدوء على كتفيه وظهره. و حلّ بينهما صمتٌ مريح، غير أن خاطرًا قلقًا تسرّب إلى ذهنها، ففتحت فمها أخيرًا وهم لا يزالان متعانقين،
“….لكن، هل تعتقد أن دوق نيسبيروس سيرضى عني؟”
كان سؤالها مبررًا — حتى في ذكرياتها المستعادة، لم تكن تعرف تمامًا ما كان الدوق يفكر فيه بشأنها.
فهي من تسبب، بطريقةٍ غير مباشرة، في سقوط إيرميت، وكثيرٌ من العائلات النبيلة تعتبر الزواج وسيلةً لتعزيز نفوذها، لا علاقةً عاطفية.
بدا أن السؤال فاجأه، إذ ساد الصمت لحظةً قصيرة قبل أن يجيب بثقةٍ هادئة،
“طبعًا. إنه الرجل الذي لم يتردد في استخدام أسوأ وسيلةٍ ممكنة فقط ليُبقيكِ إلى جانبي.”
“آه.…”
تنفست إيفيريا بتفهّم، كأنها أدركت المعنى تمامًا.
لم يبدد كلامه قلقها بالكامل، لكنه خففه كثيرًا — على الأقل، كانت قد سمعت الجواب منه مباشرة.
عانقته مرةً أخيرة بقوة، ثم انسلت من بين ذراعيه، رغبةً منها في أن ترى وجهه أثناء الحديث.
كان يمكنها رؤيته حتى وهي بين ذراعيه، لكنها أدركت أنه هو من لا يريد أن يُظهر وجهه هذه المرة.
راح يفتح كفّيه ويقبضهما كأنه يشعر بفراغٍ مفاجئ، ثم سألها بصوتٍ هادئٍ لكنه مفعمٌ بالرجاء،
“متى نُعلن خطوبتنا إذاً؟”
“هل هناك فصل معين تفضله يا سيد؟”
“…….”
لم يكن لدى إيفيريا تفضيلٌ خاص — طالما أن الأمر سيتم خلال هذا العام، فكل المواسم سواءٌ عندها.
لكن حين أحالته بالسؤال، سكت فجأة، وأطبق شفتيه بإحكام، كأن في صدره ما لا يريد أن يُقال بعد.
نظرت إيفيريا إلى إيرميت بعينين تطلبان جوابًا. فسألها هو بنبرةٍ متضايقة.
“لكن قولي لي….لماذا ما زلتِ تنادينني (سيد)؟”
بدت أطراف شفتيه متدلية كطفلٍ حزين حقًا. ولسببٍ غريب، أثار ذلك رغبةً في داخلها لممازحته أكثر.
فهي لم تكن تتوقع أن يتبدّل وجهه الضاحك عادةً بهذا الشكل لمجرد لقبٍ صغير.
في الماضي، لم يخطر ببالها يومًا أن تمازحه هكذا — بل كان هو من يمازحها دائمًا، وهي من تتلقى المقالب.
لكن استعادة الذكريات جعلت بينهما ألفةً جديدة، وسهولةً مدهشة في التعامل.
كظمت ضحكتها التي كادت تفلت منها، وسألته مجددًا،
“ألن تخبرني أولًا بالفصل الذي تفضّله؟”
ثم، خشية أن يكون قد انزعج حقًا، مدت يدها تمسك بيده الموضوعة أمامها.
لم يغب ذلك عن إيرميت، ففهم فورًا أنها تتلاعب به. لكنه لم يجب على سؤالها، بل تمتم بشكوى طفولية متصلة،
“….ولا يعجبني أيضًا أنكِ تتحدثين إليّ بهذه الرسمية.”
“لكن لا يمكنني أن أرتكب (خطأً) صريحًا أمامكَ الآن، أليس كذلك؟”
قالت ذلك بابتسامةٍ هادئة، محافظةً على لهجةٍ رسمية صارمة رغم ارتباكها الداخلي.
وكانت ملامح إيرميت الواضحة والمكشوفة تزيد الموقف طرافة.
ثم شد قبضته قليلًا على يدها، قبل أن يهمس بصوتٍ مبحوحٍ كأنه مظلومٌ حقًا،
“….لماذا تعاملينني هكذا؟”
تلاقت نظراتهما — كانت عينا إيرميت تحدّقان بثباتٍ في عينيها.
في البداية كان يمازحها فحسب، لكن مع امتداد الحديث، بدأ يشعر فعلًا بالغبن.
ثم تمتم ببطء،
“نحن في برج السحر الآن….”
البرج — المكان الذي لا معنى فيه للمناصب ولا للألقاب.
كان يذكّرها بما قالته له ذات يوم، حين أصرّت أن يتعلّم هذا المبدأ جيدًا. لكن، رغم ذلك، لم يكن من السهل عليها أن تتخلى فجأةً عن أسلوب التخاطب الذي اعتادت عليه لسنوات.
عند هذه النقطة، لم تستطع إيفيريا أن تمنع نفسها من الضحك.
نظر إليها إيرميت بصمت، وعيناه تتأملان ملامحها المضيئة بابتسامةٍ صافية. وقد كانت نظراته دافئة، صادقة.
ثم تشابكت أصابعهما بإحكام، و تحدّثت إيفيريا بنبرةٍ جادة، وإن بقيت الابتسامة على وجهها،
“فلنتفق على هذا القدر الآن، يا سيد إيرميت.”
“هل أتخلى عن لقبي إذًا؟”
“….ولماذا تتخلى عن لقبكَ وأنتَ بخير؟ إن كنت لا تريده، فأعطني إياه أنا.”
لم تعرف لماذا هو متمسكٌ بهذا الإصرار الغريب على أن تُسقط عنه الألقاب.
فابتسمت بهدوء، تمرر أناملها بخفةٍ على يده. و امتلأ الجو من حولهما بسكونٍ لطيفٍ ودافئ.
***
وفي النهاية، نشر إيرميت الخبر بنفسه: هو و إيفيريا سيقيمان الخطبة في الصيف.
ولم يُخفِ أنه فعل ذلك عمدًا ليضع حدًّا للشائعات الغريبة التي كانت تدور بين إيفيريا والإمبراطور الحالي.
وعندما سألته لماذا اختار الصيف بالذات، أجاب ببساطةٍ مدهشة: لأنه أقرب الفصول القادمة.
فأعادت إيفيريا سؤالها، محاولةً أن تعرف أي الفصول يفضل حقًا، لكنه لم يعطِ جوابًا واضحًا، فقررت أن تترك الأمر لفرصةٍ أخرى.
و ما إن شاع خبر الخطوبة، حتى ضجّ كل من يعرفهما — بل حتى من لا يعرفهما تمامًا.
أصدقاء إيفيريا، والغرباء، وحتى كبار السحرة في البرج، جميعهم أُصيبوا بالذهول.
وأقربهم إليها كان أكثرهم انفعالًا.
“إيفيريا!”
كانت صديقتها سينثيا من بين من حصلوا على إذنٍ خاص لدخول برج السحر لرؤيتها.
التعليقات لهذا الفصل " 125"