لم تكن زيارة الدوق نِيسبيروس مفاجئةً كزيارة الأميرة، لكنها لم تكن أقلّ إرباكًا.
كانت صورته موجودةً في ذاكرة إيفيريا، لكنها كانت دائمًا ضبابية، لا ملامح واضحة ولا تفاصيل تذكر، وكأن وجوده فيها مجرد ظلّ.
حتى الآن، لم تكن تملك عنه أي معلوماتٍ حقيقية.
أبلغ الدوق رغبته في زيارتها عبر سيد البرج وإيرميت، وما إن وافقت حتى جاءها في اليوم التالي مباشرة.
“……مرّ وقتٌ طويل، إيفيريا.”
“مرحبًا، دوق نِيسبيروس.”
بادلته التحية بنبرة مهذّبة، ثم نظرت إليه خلسة.
كان يشبه إيرميت إلى حدٍّ ملحوظ، غير أن وجهه كان يحمل آثار الزمن التي لم تكن في ذاكرتها القديمة عنه.
تساءلت: ما الذي جاء به؟ أهو أمرٌ رسمي؟ أم شأنٌ شخصي؟
وبينما كانت تفكر، قطع هو حبل تساؤلاتها،
“سمعت أنكِ استعَدْتِ ذاكرتكِ. هذا حقًا مفرح.”
فدهشت إيفيريا — كيف وصل إليه الخبر بهذه السرعة؟
الأشخاص المرتبطون بذكرياتها القديمة كانوا ثلاثةً فقط: إيرميت، وسيد البرج، والدوق نِيسبيروس. أما الأولان، فقد علما بأمرها فور استيقاظها، من خلال تصرفاتها وكلماتها.
لكن دوق نِيسبيروس لم يكن موجودًا حينها، فكيف عرف إذًا؟
……ولماذا بدا صادق الارتياح حين قال ذلك؟ كلماته كانت أكثر عمقًا من مجرد مجاملةٍ لبقة.
ظلّت تفكر لحظةً قبل أن يواصل الدوق، بعد أن ألقى نظرةً على ساعته،
“عائلة نيسبيروس تنوي مطالبة القصر الإمبراطوري بالمسؤولية.”
“يا دوق.”
قاطع إيرميت كلامه بنبرةٍ حذرة، كأنه يحاول منعه من الاسترسال. فألقى الدوق عليه نظرةً سريعة، ثم عاد ليثبت عينيه على إيفيريا مباشرة.
لم تستوعب تمامًا ما يعنيه بمساءلة القصر، فما العلاقة بين العائلة الإمبراطورية وهذا الأمر؟ حتى إن كان الناس قد علموا بقربها من إيرميت، فذلك لا يبرر اتهامًا رسميًا كهذا.
رمقتها الحيرة، فنظرت بين الاثنين تنتظر توضيحًا. لكن قبل أن ينطق الدوق، تحدّث إيرميت بسرعة،
“يمكنكَ أن تخرج، سأشرح لها بنفسي.”
من نبرته، فهمت أنه يعرف تمامًا عمّ يتحدث الدوق. فتبادل الرجلان نظرةً قصيرة، ثم غادر الدوق بعد تحية مقتضبة.
وحين همّت إيفيريا بالنهوض لتحييه، أوقفها إيرميت بلطف، ثم تحدّث بعد برهة،
“هل سمعتِ من قبل عن نظام الرعايةالأسريةالقانونية؟”
“أنا……لم أدرس القانون جيدًا، للأسف.”
ابتسمت بخجل.
كانت تعرف أن ثمة علاقةٌ ما بينها وبين عائلة نِيسبيروس بعد حادثة المصرف السابقة، لكنها لم تفهم طبيعتها الحقيقية ولا تأثيرها.
أما مصطلح الرعايةالعائليةالقانونية، فلم تكن تعرف عنه إلا الاسم. فمثل هذه القوانين القديمة لم تكن تُدرّس بوضوح، حتى في الأكاديمية التي درّست لها شتى العلوم.
حدّقت به مذهولة، دون أن تقدر حتى على رمشة. و كانت تلك المعلومة مما لا ترغب في سماعه.
في ذهنها، بدأت قطع الصورة تتجمع بسرعة — التلميحات، المعاملات، الحماية الزائدة……كلها اتضحت الآن.
تحدّث إيرميت بصوتٍ خافت، يراقب ملامحها بحذر،
“……العائلة تمتلك بذلك حقًّامطلقًا.”
“آه……”
أدركت فورًا معنى كلماته، لكن لسانها عجز عن الرد. و تجمّد وجهها بين الذهول والارتباك.
نعم، إن كانت تُعتبر ملكًا لهم قانونًا، فحينها يكون من حقهم مقاضاة القصر دون تجاوز.
في ذكرياتها، لطالما احترم إيرميت وسيد البرج إرادتها أولاً، باستثناء تلك المرة الوحيدة حين انهار إيرميت.
“كان الأمر مجرد ذريعةٍ قانونية.”
ذريعةٍ تمكّنهم من البحث عنها، والاحتفاظ بها ضمن حماية القانون……وربما كانت خطتهم الأخيرة في حال لم تستعد ذاكرتها يومًا.
استطاعت إيفيريا أن تفهم المقصود بدقة تقريبًا. لكن تلك الرابطة جعلتهم في موقعين غير متكافئين.
طالما بقيت قائمة، فلن يكونا أبدًا على قدم المساواة. و كل ما سعت إليه لتصبح نِدًّا لإيرميت عاد ليُمحى في لحظة واحدة.
كان إيرميت يراقبها بقلقٍ واضح، كأنه يخشى ردّ فعلها أكثر من أي شيء آخر. وبعد صمتٍ طويل، سألته بهدوءٍ شديد،
“هل يوجد……طريقٌ لإلغاء هذا الارتباط؟”
“يوجد. فقط إن وافق جميع أفراد العائلة.”
شبكت إيفيريا ذراعيها بصمت، ونظرت إليه نظرةً يصعب تفسيرها.
“هل قال الدوق أنه سيوافق؟”
“نعم.”
تساءلت إيفيريا في نفسها من هم أفراد عائلة نِيسبيروس بالضبط، ثم عقدت حاجبيها وسألت إيرميت،
“وهل تنوي إطلاق سَراحي بدوركَ؟”
“……بالطبع.”
امتلأ وجه إيرميت بالذنب، فأدركت إيفيريا بوضوحٍ ما يجب قوله.
“إذًا، لا مشكلة.”
“…….”
“لا بدّ أنكم وضعتم هذا كإجراءٍ احتياطي أخير، وأنا لستُ في موضعٍ يؤهلني للاعتراض. بالنظر إلى ما كان عليه الوضع آنذاك، أستطيع أن أتفهم السبب.”
بدت إجابتها الهادئة المفاجئة وكأنها أزعجت إيرميت أكثر مما طمأنته. فتابعت بصوتٍ رقيق،
“لكن لا تفعل أنت الشيء نفسه، من فضلكَ.”
أومأ إيرميت بصمتٍ وأصغى لها بانتباه.
“حينها كنا صغيرين، ويبدو أن الدوق تصرف من تلقاء نفسه……لكن لو فعلتَ أنتّ ذلك الآن، سأشعر وكأنكَ لا تثق بي. وسيؤلمني ذلك حقًا.”
“طبعًا لن أفعلها.”
كان جوابه حادًّا أكثر مما توقعت، فابتسمت ابتسامةً خفيفة.
***
وفي النهاية، قررا تأجيل إلغاء نظام الرعاية العائلية لبعض الوقت.
فقد استخدم الدوق نِيسبيروس حقه القانوني كراعٍ للمطالبة بمساءلة القصر الإمبراطوري، وأثار ذلك الحدث ضجةً كبيرة في العاصمة، حتى أصبح حديث الناس لأيام.
ولعلّ نتيجة تلك الحادثة كانت أن أعلن الإمبراطور تنحيه عن العرش، متذرعًا بتقدّمه في السن.
قرأت إيفيريا الخبر في الصفحة الأولى من الصحيفة وسألت إيرميت،
“هل فعلها ليسهُل عليه التهرّب من المساءلة؟”
“من يدري.”
حتى إيرميت لم يملك جوابًا واضحًا. لكن كان مؤكدًا أنه لولا تلك الأزمة، لما ترك الإمبراطور العرش حتى مماته، وأن ولي العهد كُلِّف بمهامٍ جسيمة على إثرها.
بعدها، أعلن القصر الإمبراطوري رسميًا عن رغبته في زيارة برج السحر لتقديم الاعتذار إلى إيفيريا.
زارتها مجددًا الأميرة ومعها ولي العهد الذي أصبح الآن الإمبراطور الجديد، وبدا الاثنان أكثر راحةً من ذي قبل.
كان الإمبراطور الشاب مرهقًا جدًا، واضحٌ أنه بالكاد يجد وقتًا لالتقاط أنفاسه بين شؤون الحكم المفاجئة التي أُلقيت على عاتقه.
فتحدّث متنهّدًا، وهو يبلّغها بالأوامر والقرارات المتعلقة بها،
“الرسائل لا تتوقف عن الوصول.”
و أضافت الأميرة، وهي تشارك ضجره،
“صحيحٌ تمامًا……كل صباح أجد رسالةً جديدة من الإمبراطور السابق على مكتبي. إنه أمرٌ مرعبٌ بالفعل.”
لم يكونا ينتظران ردًا من إيفيريا بقدر ما كانا يبوحان بتعبهما. فآثرت الصمت، تُصغي إليهما بهدوءٍ يشبه همس الخيزران في الريح.
وخلال تلك اللقاءات، تلاشت مخاوفها القديمة تجاه القصر، بفضل ما تلقته من دعمٍ ومساعدةٍ أثناء إقامتها هناك.
أما إيرميت، فكان وجهه مزيجًا من الملل والغيرة — ليس من شكاوى العائلة الإمبراطورية، بل من الوقت الذي انتزعوه منه بعيدًا عن إيفيريا.
فالحديث الذي دار بينهم لم يكن مما يقال داخل أسوار القصر عادة، ولولا أنهم في برج السحر، لما سمحوا لأنفسهم بهذا القدر من الصراحة.
ثم تنهد الإمبراطور الشاب وأغلق عينيه، يدلك جبهته بتعب،
“الرسائل كلها متشابهة. يتهمني بإضعاف سلطة العرش، ويسأل لماذا قدّمتُ اعتذارًا أصلًا…….”
هزّت الأميرة رأسها صامتة، تؤيده في ما يقول.
ثم شبك الإمبراطور ذراعيه ببطء وأكمل بصوتٍ خافت،
“حتى أنا لم أعد أفهم ما يدور في ذهنه.”
ابتسمت إيفيريا ابتسامةً محرجة — فكيف لها أن تعرف نوايا الإمبراطور السابق إن كان أبناؤه أنفسهم يجهلونها؟
لكن الأميرة والإمبراطور الجديد اكتفيا بتلك الابتسامة كأنها جوابٌ كافٍ. وغادرا بعدها إلى القصر، وعلى وجهيهما بقايا أسفٍ لم يستطيعا إخفاءه، غير أن واجبات الحكم لم تترك لهما خيارًا.
فقد قيل إن الأميرة أصبحت تتولى بنفسها بعض شؤون الحكم التي كانت حكرًا على الإمبراطور سابقًا.
وقبل أن تعود إيفيريا رسميًا إلى حياتها في برج السحر، قدّم القصر الإمبراطوري اعتذارًا علنيًا لها مصحوبًا بتعويضٍ كريم.
قطعة أرضٍ بالقرب من العاصمة، ومبلغْ يكفي لإعالة أسرة من عامة الشعب مدى الحياة.
وبعد تفكير، قررت قبول التعويض. فقد رأت أنه لا فائدة من الثروة وهي ستقضي حياتها داخل البرج، لكنها أقنعت نفسها أن امتلاك شيءٍ أفضل من لا شيء.
حتى سيد البرج نفسه، الذي كان يطمع في انتزاع المزيد من القصر، وإيرميت الذي عانى من قلقه عليها لوقتٍ طويل أثناء غيبوبتها — كلاهما أصرّ عليها أن تقبل.
لكن لو علم إيرميت ما الذي ستكتبه الصحف بعد توقيعها أوراق الملكية، لكان حتمًا رفض ذلك بكل قوته.
في البداية، بدا كل شيءَ طبيعيًا — روتينها اليومي كما كان، نظرات الطلاب المليئة بالفضول، الهمسات المعتادة عن علاقتها بإيرميت. و لم تهتم كثيرًا.
غير أن المساء قلب كل شيء.
حين أنهت عملها وفتحت الصحيفة، تجمّدت. بينما تحدّث إيرميت ساخرًا،
“هل أصيب الجميع بتلوثٍ جماعي؟”
ولم تجد إيفيريا ما تفعله سوى أن توافقه تمامًا.
كانت الصحيفة قد نشرت صورةً تجمعها بالإمبراطور، وجعلت منها عنوانًا رئيسيًا.
وفي المقال، زعم الكاتب أن العلاقة بين برج السحر والقصر الإمبراطوري تشهد تحسنًا ملحوظًا بفضل هذا “الارتباط”.
بل أضاف أن حصولها على دعم عائلة نيسبيروس يجعل العلاقة بين الثلاثة — إيفيريا، الإمبراطور، والدوق — وثيقةً على نحو غير مسبوق.
هراءٌ كامل، لا غير.
تأملت الصورة بدهشة. هل فعلت ما قد يثير مثل هذه الشائعات؟
لم تر الإمبراطور منذ ذلك اللقاء القصير الذي غادره بعد تنهدٍ طويل، بحضور الأميرة وإيرميت معًا.
يبدو أن الصحافة لم تعد تفرّق بين الحقيقة والتخمين؛ فكل حدث صغير يكفيهم ليختلقوا شبكة علاقاتٍ خيالية.
نظرت إيفيريا إلى الصحيفة بلا حول، بينما أمسكها إيرميت بعصبية، ومزّقها شر تمزيقٍ ثم أحرقها بالكامل.
ثم تمتم بأسى مكبوت،
“ما الذي يدفعهم إلى ربطكِ بكل من يصادفكِ؟”
_____________________________
ولا شي بس يحبونها🤏🏻
بس صدق مجانين شبكوها مع الامبراطور الجديد؟😭 توها فيه شائعات انها حبيبة ايرميت وش صار؟
بس لوحظه الحين هم كذا بيقعدون في البرج طول حياتهم؟ مايزين صح؟ لأن ايرميت وريث ابوه لازم عنده زوجة😔🤏🏻
المهم ابوه مره رايق يهبل منهي كان زوجته وليه خلته؟😔
التعليقات لهذا الفصل " 124"