تلقت إيفيريا رأيًا يفيد بأنها لم تتعافَ تمامًا بعد. وكانت هي نفسها تشعر بذلك، إذ كانت أعضاؤها الداخلية تضطرب كلما سعلت أو حرّكت جسدها قليلًا.
مع ذلك، كانت حالتها تسمح لها بممارسة حياتها اليومية إن تحمّلت قليلًا، لكن من حولها، وعلى رأسهم سيد برج السحر، كانوا يرونها وكأن نسمةً خفيفة قد تُسقطها أرضًا.
حتى إيرميت، الذي كان سعيدًا باستعادتها ذاكرتها، حاول ثنيها عن التحرك.
“لن أستطيع خطفكِ دون الشعور بالذنب إلا عندما تتعافين تمامًا، أليس كذلك؟”
“……صحيح، معكَ حق.”
تنهّد الحاضرون، لكن إيفيريا تقبّلت قوله عن طيب خاطر.
بعد ما حدث، بدا لها أنها ستظل مدينةً لإيرميت لسنوات، وربما مدى حياتها، وقد قررت في نفسها أن تُذعن له طوعًا تقديرًا لما عاناه بسببها.
و منذ ذلك الحين، لم يفارقها إيرميت لحظة. كان يتولى كل ما يُسند عادةً إلى طلاب برج السحر وهو جالسٌ إلى جانبها، ويتناول طعامه معها، بل وحتى ينام إلى جوارها.
ويبدو أنه وجد متعةً خاصة في إطعامها بنفسه.
وفي مساء اليوم السابع بعد استيقاظها، كانت إيفيريا تنظر إلى الملعقة الممتدة نحوها، بينما تفتح وتغلق يدها مرارًا.
“تبدو وكأنكَ تستمتع بالأمر، أم أنني أتوهّم؟”
“لا، لستِ تتوهّمين. أنا أستمتع فعلًا.”
قال إيرميت ذلك بابتسامة وهو يقرّب الملعقة أكثر.
ضحكت إيفيريا بخفة، وفتحت فمها لتتلقّى اللقمة. و كانت تشدّ قبضتها ثم ترخيها مرارًا، وهي تشعر بأنها باتت قادرةٌ على الإمساك بالملعقة بنفسها.
وبعد أن ابتلعت ما بالكاد يحتاج إلى مضغ، سألت بنبرةٍ هادئة،
كان يُقطّع الطعام في طبقها بعنايةٍ مفرطة، حتى ظنّت أن غايته هي أن يجعل فكّها يضمحل من قلة الاستخدام.
تمتمت بدهشةٍ خافتة، بينما كان هو يرفع قطعةً صغيرة من الطعام نحوها. فتناولتُها بصمت، وابتلعتها، وقبل أن يناولها اللقمة التالية، تمتمت،
“حتى أسناني بخير، بالمناسبة……”
“تعرفين ما سأقوله، أليس كذلك؟”
ابتسم إيرميت ابتسامةً رقيقة آسرة، لكن ذلك الجمال المريح كان يطعن قلبها بوخزٍ خفيف.
ولأنها تعرف ما اقترفت، لم تجد أمامها إلا أن تبتسم بخجلٍ وتدع له الأمر كما يريد.
وبينما كان يطعمها ببطء، تحدّث فجأة،
“صحيح، إيفيريا.”
“……نعم؟”
كان صوته منخفضًا قليلًا، فرفعت نظرها نحوه بقلق.
و لحسن الحظ، كان لا يزال يبتسم. غير أن كلماته التالية أزالت عن قلبها طمأنينته في لحظة.
“يبدو أن هناك أمرًا لم نحسمه بعد.”
“……أشعر فجأةً ببعض الألم.”
وضعت يدها على جبينها متصنعةً الضعف، محاولةً التهرب من الموضوع الذي كانت تتوقعه.
ورغم أنها كانت تمثّل، تغيّر وجه إيرميت بسرعة إلى ملامح القلق الحقيقي.
كان يفهمها جيدًا، ويقرأ حركاتها بمهارة، لذا لا بد أنه أدرك سبب تمثيلها في تلك اللحظة، ومع ذلك لم يمنعه ذلك من القلق عليها.
كان اهتمامه بها أصدق من أي رغبته في العتاب.
ولأن ذلك بدا واضحًا في عينيه، فقد فقدت إيفيريا قدرتها على التهرب، وأسقطت يدها المستندة إلى جبينها بهدوء،
“لا بأس، لستُ مريضة. يمكنكَ أن تقول ما تريد……”
تأملها إيرميت مليًّا قبل أن يعقد ذراعيه ويقطّب جبينه قليلًا. فتجنّبت إيفيريا نظره.
“قلتُ فقط أن تعودي سالمة.”
حتى في تلك اللحظة، شعرت بالارتياح لأنه لم يكن يتحدث بحدّة. لكن الخوف ظلّ يهمس في صدرها، وشعورها بالذنب أخذ يتسلل ببطء.
خفضت رأسها قليلًا، تتجنب مواجهة عينيه البنفسجيتين اللامعتين.
“وكنتُ قد قلتُ أنني سأغضب إن عدتِ مصابة.”
عضّت إيفيريا على شفتيها في خجل، و هي تشعر بأنها لا تملك عذرًا واحدًا لتدافع به عن نفسها.
كانت ملامحها البريئة تجعل إيرميت يتنهد بنبرةٍ واهنة،
“وفي النهاية، حتى أنني لم أستطع الغضب.”
“……هل ستغضب الآن؟”
سألته بخفوتٍ بعد لحظة صمت، وهي تمسك طرف كمّه بخفةٍ تكاد لا تُحسّ. واستسلم إيرميت لتلك اللمسة الصغيرة بسهولة.
فرفعت عينيها إليه وهي تتحدّث برجاء،
“ألا يمكنكّ أن تغفر لي هذه المرة فقط؟”
……هل كانت تعرف أن إيرميت لا يستطيع الغضب منها مهما فعلت؟ اختار ألا يجيبها عن ذلك، لأن من الأفضل أن تظل تجهل الحقيقة.
فإن ظلت تجهلها، فستواصل إظهار هذا الوجه الجميل في كل مرة تخطئ فيها.
كانت إيفيريا لا تزال تنظر إلى إيرميت. بينما جلس هو على حافة السرير وكأنه ينهار عليه، ثم ضمّها إلى صدره. فشعرت بحرارته الأعلى قليلًا من حرارتها تتسلل عبر الثياب الرقيقة.
ثم دفن وجهه في كتفها، وصوته الواهن يلامس أذنها،
“……أنتِ حقًا قاسية.”
ظلّت إيفيريا بين ذراعيه تربّت بهدوء على ظهره. وبقي إيرميت يعانقها طويلاً، حتى بدأ نبضهما المتّسق يهدّئ قلبه المضطرب شيئًا فشيئًا.
عندها، سُمع صوتٌ خافت من جهة الباب، فابتعد إيرميت عنها ببطء.
و التفتت إيفيريا نحو المصدر بتوتر، لتجد سيد برج السحر واقفًا هناك. كان ينظر إلى إيرميت بدهشةٍ بالغة، ثم تحدّث بنبرةٍ جافة،
“حقًا؟ أتهجم على مريضة؟”
“…….”
كان واضحًا أنه قد رآهما في عناقهما قبل قليل. وفي تلك اللحظة، لم يستطع أيٌّ منهما أن ينطق بكلمة.
حافظ إيرميت على وقاحته المعتادة، بينما احمرّ وجه إيفيريا خجلًا لأنها لم تكن تملك الجرأة ذاتها.
ولحسن الحظ، لم يُبدِ سيد البرج رغبةً في الاستفسار أكثر، وإلا لكان الموقف في غاية الإحراج.
تنفست إيفيريا الصعداء سرًا، لكن الغريب أن سيد البرج لم يدخل الغرفة مباشرة.
وما إن بدأت نظراتها تمتلئ بالاستفهام حتى تَحنّح،
“كنتّ أفضل ألّا أزعجكما، لكن لديكِ زائرةٌ يا إيفيريا.”
ومن خلف الباب أطلت الأميرة بابتسامةٍ صغيرة،
“مرّ وقتٌ طويل، إيفيريا.”
كانت زيارةً غير متوقعةٍ تمامًا.
فخلال الأسبوع الماضي، كانت إيفيريا قد التقت بمعظم من تعرفهم، ولم يخطر ببالها أن تأتي أميرةٌ من القصر في مثل هذه الظروف.
كيف حصلت على إذنٍ لدخول برج السحر بهذه السرعة؟
ارتبكت إيفيريا، تتنقل بنظرها بين الأميرة وسيد البرج، عاجزةً عن إخفاء دهشتها. و ابتسمت الأميرة، وكأنها تفهم ارتباكها، ثم تحدّثت بلطف،
“هل يمكنني الدخول؟”
“……نعم، تفضّلي يا سموّ الأميرة. مرحبًا بكِ.”
قالت ذلك وهي تجلس مستقيمةً بعد أن كانت مستندةً إلى الوسادة.
لمحت من طرف عينها إيرميت يحدّق في الأميرة وسيد البرج بنظرةٍ غير راضية. لكن الأميرة تجاهلت الأمر تمامًا وجلست على الكرسي بجانب السرير.
“أما وليّ العهد……فهو مشغولٌ قليلًا في الوقت الحالي.”
“آه……فهمت.”
لم يكن من الصعب على إيفيريا تخمين انشغال العائلة الإمبراطورية هذه الأيام.
فمنذ أن أفاقت، وبعد لقائها المؤثّر المليء بالدموع، استمعت لبعض العتابات الموجهة إليها، ثم سارعت لمعرفة ما حدث أثناء غيابها.
فقد أعلن سيد البرج بعد سقوطها مباشرةً أنه يفكر جديًا في جعلها وريثةً له. و لم تصدّق كليًا حينها، لكنها اكتشفت لاحقًا أنه كان يعني ما قاله تمامًا.
وبذلك، وجد الإمبراطور نفسه فجأةً في موقفٍ حرج، إذ بدا وكأنه حاول قتل أحد أهم شخصيات البرج.
ولو لم تكن هناك شهاداتٌ وأدلّةٌ واضحة، لكان بإمكانه التهرب بسهولة، لكن الأميرة ووليّ العهد قدّما شهادتيهما شخصيًا.
كان ذلك صادمًا جدًا لإيفيريا؛ إذ لم تتوقع أن يخاطر أفراد القصر بسمعتهم من أجلها. و كانت تتساءل عن نواياهم الحقيقية، فذلك الموقف أربكها أكثر من إعلان سيد البرج نفسه.
وبينما كانت غارقةً في التفكير، تحدّثت الأميرة بصوتٍ خافت،
“أظن أنكِ تتوقعين السبب بالفعل……لكن، أريد أن أعتذر مرةً أخرى.”
“لا، لا داعي لذلك يا سموّ الأميرة.”
منذ البداية، كانت الأميرة تحاول أن تتحمل كل اللوم، رغم أن إيفيريا تعرف جيدًا أن ما حدث لم يكن بيدها.
كان الأمر يثقل كاهلها كلما سمعت منها اعتذارًا عن شيءٍ لم تتعمّده. ولحسن الحظ، لم تُطِل الأميرة الحديث عن تلك الحادثة أو عمّن يتحمل مسؤوليتها.
“كيف حالكِ الآن؟ سمعت أنكِ تعافيتِ كثيرًا، لذا جئتُ للاطمئنان.”
“نعم، أنا أفضل بكثيرٍ الآن. يمكنني حتى ممارسة حياتي اليومية.”
وكان ذلك صحيحًا؛ فملامحها كانت أكثر إشراقًا من ذي قبل، وقد عادت الدماء إلى وجهها بعد أن كان شاحبًا، وباتت تبدو بصحةٍ حقيقية هذه المرة.
فترددت الأميرة طويلًا قبل أن تتحدث مجددًا بصوتٍ خفيض،
“……أعرف أن هذا صعب، لكن إن كنتِ ترغبين في تعويضٍ ما، فقولي لي.”
“…….”
نظرت إيفيريا تلقائيًا إلى إيرميت، لتجد وجهه متجهمًا بوضوح.
وشعرت الأميرة بالحرج من احتمال إساءة فهم كلامها، فأسرعت توضح،
“لا أقصد التهرب من المسؤولية، فقط ظننتُ أن التعويض سيكون أفضل من كلمات الاعتذار الفارغة.”
التعليقات لهذا الفصل " 123"