3 - كيف أمكنهم التخلي عنه؟
3. كيف أمكنهم التخلي عنه؟
«لنذهب معاً».
عند التقاطع حيث كنتُ أنتظر غريغ، أعدتُ ضبط وضعية الطفل الذي لم يكن يقوى بعد على تثبيت رأسه، احتضنته بحذر وربتُّ عليه هامساً من جديد.
كان الطفل بين ذراعيّ دافئاً، وتنبعث منه رائحة الأطفال المنعشة.
«لنذهب، لنذهب معاً».
كررتُ نفس الكلمات مراراً بينما كنتُ أهدهد الطفل، حتى بدأ يتنفس بانتظام وغطّ في نوم عميق.
«لنذهب معاً، لنذهب معاً».
تلك الكلمات التي ظللتُ أرددها كأنها تهويدة حتى نام الطفل تماماً، ربما كانت هي الكلمات التي تمنيتُ طوال حياتي أن أسمعها من شخص ما.
بينما كنتُ أحمل الطفل النائم بذراع واحدة، نظرتُ داخل حقيبة التسوق التي سلمتني إياها الراهبة ذات العينين الزرقاوين. كانت تحتوي على وثائق تسجيل ولادة الطفل وبعض مستلزمات الرضع.
نظرتُ إلى اسم الطفل المطبوع على شهادة الميلاد:
『لوكا أنجيلوس』
كان من المعتاد، ما لم يكن المرء يعرف اسمه الحقيقي مثلي، أن يتم اشتقاق الاسم من أسماء القديسين، واللقب من اسم دار الأيتام. يبدو أن الطفل قد تم التخلي عنه دون أن يُعرف له اسم.
لوكا.
إنه اسم جميل. سأناديه به كثيراً في المستقبل.
رفعتُ رأسي فرأيتُ سيارة غريغ تقترب من بعيد.
***
فتح غريغ فمه قليلاً عندما رآني أظهر مع رضيع بعد أن قلتُ إنني سأذهب لفترة وجيزة.
«هل تسببتَ في مشكلة ما؟»
«لننطلق أولاً».
في طريق العودة إلى المنزل، شرحتُ له القصة كاملة، فقال غريغ بذهول:
«كان يجب أن ترفض بحزم! هل أنت في وعيك؟»
«كنتُ خائفاً من المسدس والبندقية. ولكن بما أن قول ذلك ليس جيداً، فلنقل إن إيماني عميق».
«ما هذا الهراء الذي تقوله؟»
تعمدتُ إعطاء إجابة غير مباشرة:
«يقولون إن هناك إعانات حكومية ستُصرف. قد تكفي فقط لثمن الحفاضات والحليب، لكن هذا أفضل من لا شيء».
«ليس هذا ما أتحدث عنه! هل ستتحمل المسؤولية لمدة 18 عاماً؟ يا لك من أحمق، أنت تضيع أفضل سنوات حياتك من أجل هذا الطفل!»
أفضل سنوات حياتي؟ الآن؟ هل يقصد أيام الشباب؟
بغض النظر عن معنى “الأيام الجميلة”، قمتُ بتصحيح كلام غريغ:
«الأمر ليس تبنياً بل رعاية مؤقتة. لن يستغرق الأمر 18 عاماً، بل سأعتني به حتى يظهر والدان يرغبان في تبنيه رسمياً».
«جون، هل تعرف كيف تعتني بطفل؟»
«لا أعرف».
قالت الراهبة إنني كنتُ أعتني بالأطفال جيداً، لكن أولئك كانوا أطفالاً كباراً بما يكفي للركض. أغلقتُ الأوراق وأنا أواجه مشكلة خطيرة.
«يا إلهي…!»
أطلق غريغ تنهيدة وكأن الكلام قد ضاع منه من شدة الذهول.
ولكن حقاً، من أين يجب أن أبدأ؟ نظرتُ مرة أخرى داخل حقيبة التسوق. كانت تحتوي على بضع حفاضات إضافية، وعلبة حليب مجفف، وزجاجتي رضاعة.
هل تكفي هذه الحفاضات ليوم واحد؟ هل يخلط الحليب بالماء العادي فقط؟ وهل يأكل الرضيع ثلاث مرات في اليوم؟
… سأجد الإجابات إذا بحثتُ في الإنترنت.
*دينغ دونغ!*
وسط هذه الفوضى، اعتقدتُ أن جرس الرسائل قد رنّ، فتفقدتُ هاتفي، لكن الشاشة لم تظهر سوى تنبيه من تطبيق ما. لم يكن لدي تطبيق يرسل تنبيهات، ولكن عندما ضغطتُ للتحقق، وجدته تنبيهاً من تطبيق التسوق الخاص بالشركة (نسخة البيتا) الذي حملته قبل أيام.
بمجرد الضغط على التنبيه، ظهرت نافذة منبثقة:
━━━━━━━━━━
مرحباً بك!
لقد أصبحتَ وصياً على حياة جديدة. وبناءً عليه، ستقوم شركتنا للرعاية الاجتماعية، أنجيلوس ش.م.م، بدعمك أنت وطفلك عبر تطبيقنا بالنقاط لمدة 3 سنوات قادمة!
من الآن فصاعداً، سيتم استرداد 100% من مبالغ مشترياتك كنقاط! – [عرض معلومات التطبيق]
━━━━━━━━━━
«…؟»
لم أفهم ما يعنيه هذا مطلقاً. لم يبدُ الأمر كأنه مجرد بريد عشوائي، فوجود اسم دار الأيتام في تطبيق تابع للشركة جعلني أكثر ارتباكاً.
لكن المهم الآن لم يكن هذا. أغلقْتُ التطبيق ووضعتُ الهاتف على وضع الصامت، ثم سألتُ غريغ:
«هل تعرف أحداً لديه أطفال؟»
«هل تعتقد أنني أعرف؟! آه، بلى! ماريا!»
ماريا؟ مريم العذراء؟
لم أرتكب حماقة النطق بهذا التفكير السخيف.
«أجل، قالت ماريا إن لديها طفلين. سمعتها تتحدث مع الموظفات عن أن مصاريف عيد الميلاد ستكون باهظة هذا العام. وبالمناسبة، كاساندرا أم عزباء أيضاً!»
«آه، كاساندرا صعبة بعض الشيء…»
تذكرتُ كيف تزداد رموش كاساندرا طولاً يوماً بعد يوم، فتلاشت كلماتي تلقائياً.
«حقاً، أنا أيضاً أشعر أن كاساندرا غريبة نوعاً ما، وكأنها خارجة عن المألوف. على أي حال، يمكنك سؤال ماريا عن كل شيء. هل أنت مقرب منها؟»
«فقط بالقدر الذي يسمح بتبادل تحيات عيد الميلاد…»
كانت ماريا امرأة في أوائل الأربعينيات، وكانت مهامها تختلف عن مهامي أنا وغريغ وكاساندرا. لم يكن بيننا قاسم مشترك سوى وجودنا في نفس المكتب.
لكن لم يكن هذا وقت التردد، فالحقيقة هي أنني لا أعرف ماذا سأفعل بمجرد أن يستيقظ هذا الطفل النائم بسلام.
«أرسل لها رسالة. ستجد رقمها في دليل بريد الشركة».
***
رغم أنني أرسلتُ رسالة مفاجئة أخبرها فيها أنني بحاجة للمساعدة لأنني سأرعى طفلاً، إلا أن ماريا ردت بترحيب وطلبت مني زيارتها عندما يتوفر لدي الوقت.
توجهنا مباشرة إلى منزلها.
«يا إلهي، إنه رضيع صغير».
قالت ماريا بهدوء وهي تستقبل الطفل بحذر. رغم فضولها الكبير، لم تسأل أكثر من ذلك، بل بدأت تتفحص حالة الرضيع.
«اسمه لوكا. إنه ولد».
«فهمت. يا له من مسكين، إنه صغير وجميل جداً».
أجابت ماريا بصوت منخفض. وسرعان ما اقترب طفلاها من لوكا ولم يستطيعا إبعاد نظرهما عنه.
سألتها لتلطيف الأجواء:
«طفلاك لطيفان جداً، كم عمرهما؟»
«سبع سنوات وخمس سنوات. يبدو أن الطفل يثير فضولهما».
ابتسمت ماريا ونظرت إلى طفليها اللذين بديا في غاية الصحة والنشاط. كما لفت انتباهي الجو المشرق في المنزل والأثاث الذي ينم عن مودة الساكنين فيه.
علمتني ماريا بأسلوب مكثف طرقاً عديدة للعناية بالطفل. وفي منتصف الحديث عندما استيقظ الطفل، أرأتني عملياً كيف أطعمه الحليب وكيف أغير له الحفاضات.
عندما هممتُ بالمغادرة بعد قضاء ساعتين، أعطتني حمالة أطفال قائلة إن طفليها استخدماها عندما كانا رضيعين.
«هكذا، وهكذا… يبدو أن الطفل يستطيع تثبيت رأسه قليلاً، لكن استمر في دعمه دائماً».
كان شكلي وأنا أرتدي حمالة الأطفال غريباً نوعاً ما، لكنني شعرتُ بالراحة لأنها بدت أكثر أماناً للطفل.
أضافت ماريا نصيحة أخيرة، قائلة إنها سترسل لي لاحقاً بريداً إلكترونياً يلخص الأشياء المهمة:
«إذا سمحت ظروفك، حاول أن تأخذ إجازة حتى تعتاد على رعاية الطفل. إذا كنت محظوظاً، يمكنك أخذ إجازة رعاية طفل تصل إلى 12 أسبوعاً».
عبارة “إذا سمحت ظروفك” كانت تشير بالطبع إلى المال، لأن إجازة رعاية الطفل في الولايات المتحدة تكون غير مدفوعة الأجر.
… هل سيكون وضعي بخير دون راتب لمدة ثلاثة أشهر تقريباً؟
أدركتُ حقاً أنني أحضرتُ الطفل دون تفكير مسبق. عليّ أن أتوقف عن العمل أيضاً.
ومع ذلك، ومن المثير للدهشة، لم أشعر بالندم. فرغم أنني لم أقضِ معه سوى بضع ساعات، إلا أن دفء الطفل كان غامراً جداً.
«شكراً لكِ على كل شيء، ماريا».
ودعتُها وعدتُ إلى منزلي.
°°°
بالمناسبة، أخبرتني ماريا أن أشتري الحفاضات فوراً من المتجر، وأنني سأحتاج إلى أربع أو خمس زجاجات رضاعة إضافية.
بعد يوم طويل، وصلتُ أخيراً إلى المنزل. كانت حمولتي ثقيلة لأنني توقفتُ عند المتجر واشتريتُ الحفاضات، والمناديل المبللة، وزجاجات الرضاعة كما قالت.
وعدتُ غريغ بأنني سأعزمه على وجبة فاخرة لاحقاً وشكرته مراراً. هز غريغ رأسه وتمنى لي حظاً موفقاً بصدق قبل أن يغادر.
دخلتُ ردهة المبنى وأنا أحمل الطفل وأدفع الباب بظهري. وبدلاً من صعود الدرج كالعادة، استخدمتُ المصعد لأول مرة منذ انتقالي إلى هنا.
*كليك.*
فتحتُ الباب بصعوبة ودخلتُ المنزل. وضعتُ الطفل النائم على الأريكة، ثم دفنتُ وجهي بجانبه وأخذتُ نفساً عميقاً.
لم أستطع التفكير في أي شيء بسبب التعب الشديد الذي اجتاحني.
«…»
ماذا حدث اليوم حقاً؟
بينما كنتُ أتأمل الطفل النائم وهو يتنفس بانتظام، شعرتُ فجأة بمدى الاختلاف الشاسع بين جو منزلي وجو منزل ماريا.
غرفة معيشة لا يوجد فيها من الأثاث سوى أريكة تتحول إلى سرير، وطاولة طعام كبيرة لا تتناسب مع حجم المنزل، وتصميم داخلي مظلم وبارد.
«يا إلهي».
نهضتُ مسرعاً وشغلتُ المدفأة. لم أكن أهتم بدرجة حرارة المنزل أبداً عندما كنتُ أعيش بمفردي.
رغم أن الأمر قد لا يساعد في التدفئة، إلا أنني أشعلتُ كل أضواء المنزل. ومع ذلك، ظل المكان كئيباً. بالأمس فقط، كان كل شيء يبدو طبيعياً، لكن فجأة، شعرتُ أن منزلي بائس للغاية.
«…».
وقفتُ لبرهة أقبض يدي وأبسطها، ثم خلعتُ معطفي وعلقته على الكرسي. بدأتُ بترتيب الوثائق ومستلزمات الأطفال التي كانت مبعثرة داخل حقيبة التسوق في زاوية من طاولة الطعام. شعرتُ بالغرابة لأن الأشياء زادت فجأة في المكان.
جمعتُ إيصالات المتجر وفتحتُ تطبيق البنك على هاتفي الذكي. كان الرصيد المتبقي في حسابي هو 556 دولاراً. أتقاضى راتباً أسبوعياً قدره 1200 دولار بعد اقتطاع الضرائب كل أسبوعين، ولا يزال هناك أربعة أيام حتى موعد الراتب القادم.
سحبتُ ورقة وبدأتُ أدوّن ميزانية تقريبية. تكلفة الغداء اليومية 8 دولارات. مصاريف المواصلات 5 دولارات. فاتورة الهاتف التي يجب دفعها هذا الأسبوع 112 دولاراً. بعد احتساب المصاريف النثرية المختلفة، كان من المتوقع أن يتبقى لدي حوالي 1500 دولار بحلول نهاية الأسبوع.
وفي نهاية الشهر، بعد دفع الإيجار البالغ 700 دولار والمصاريف المتنوعة الأخرى، سيتعين عليّ العيش بمبلغ يقارب 700 دولار لمدة أسبوعين حتى موعد الراتب التالي. بما أن مصاريف المعيشة الأسبوعية تبلغ حوالي 150 دولاراً، لكان الأمر مقبولاً في الظروف العادية.
«آه، ليتني ادخرتُ بعض المال».
خرجت الكلمات مني مع تنهيدة لا إرادية. طوال سنوات عملي، لم أكن مسرفاً، لكنني لم أهتم أيضاً باستثمار أموالي أو التخطيط المالي.
لا أعرف مقدار المصاريف الإضافية التي سأحتاجها لتربية الطفل، لكن مبلغ الـ 200 دولار الفائض أسبوعياً لن يكون كافياً بأي حال من الأحوال. وإذا أخذتُ إجازة رعاية طفل، فسيكون الأمر مستحيلاً. حتى لو حصلتُ على إعانة رعاية من الحكومة، فقد أخبرتني ماريا أنها ستكون في حدود 500 دولار فقط.
«…».
أخذتُ أدير القلم بين أصابعي، وبما أن عقلي توقف عن التفكير، قررتُ أن أنام. اغتسلتُ سريعاً وغيرتُ ملابسي ثم استلقيتُ بجانب الطفل. كانت الأريكة التي تتحول إلى سرير تبدو ضيقة بوجود الرضيع بجانبي، عكس ما كانت عليه عندما كنتُ أنام بمفردي.
هل يجب أن أشتري سريراً للرضع؟ أم أشتري سريراً كبيراً يكفينا معاً؟ شعرتُ بالتردد حيال شراء الأثاث وأنا لا أعرف كم من الوقت سيبقى هذا الطفل معي.
ولكن، حتى لو بقي معي لبضعة أشهر فقط، كنتُ أرغب في توفير بيئة جيدة له. رغم أن الطفل لن يتذكر ذلك…
«…».
عندما نظرتُ إلى جسد الطفل وهو يرتفع وينخفض بانتظام مع أنفاسه الهادئة، شعرتُ بغصة في حلقي. كان الرضيع دافئاً جداً وجميلاً. كيف أمكنهم التخلي عن طفل كهذا؟
رغم أن مجرد التفكير في رعايته لفترة وجيزة يمثل عبئاً مادياً وجسدياً واضحاً، إلا أنه كان محبوباً لدرجة تجعلني أتساءل: كيف أمكنهم التخلي عنه؟ إن حياة الطفل المهجور قاسية جداً. هل سيتمكن هذا الصغير من العثور على عائلة جيدة؟ يجب أن أبذل قصارى جهدي حتى يحين ذلك الوقت.
غرقتُ في النوم وسط هذه الأفكار المتزاحمة.
ترجمة أستير
حسابي انستا : sora.akai.r9
قناتي بالتلي : Esthernovels
Chapters
Comments
- 4 - ما تم استهلاكه لا يمكن التراجع عنه منذ 15 ساعة
- 3 - كيف أمكنهم التخلي عنه؟ منذ 15 ساعة
- 2 - سيل من الأسئلة 2026-02-08
- 1 - حياة يومية رمادية 2026-02-08
التعليقات لهذا الفصل " 3"