نظرتُ من النافذة الصغيرة إلى الشجرة التي لم يبقَ عليها سوى بضع أوراق. كنتُ قد انتهيتُ للتوّ من غسل الأطباق. شعرتُ بأن طرف أنفي قد برد قليلاً رغم وجودي داخل الغرفة، فأضفتُ بعض الحطب إلى المدفأة. كنستُ الرماد الذي سقط على الأرض أيضًا. أصبح المنزل نظيفًا، لكن مزاجي لم يتحسّن على الإطلاق.
“ها…”
انتهيتُ من الأعمال المنزلية التي استمرّت من الصباح، ومدّدتُ ظهري جيدًا. أخذتُ نفسًا عميقًا أخيرًا، ونظرتُ حولي في المنزل الصغير. كان منزلًا صغيرًا، لكنه يبدو واسعًا نسبيًا لعدم وجود أثاثٍ أو أدواتٍ منزليّةٍ لائقة.
هذا المكان هو منزلٌ باسمي الشخصي، اشتريتُه سرًّا بالمال الذي جمعتُه من الميزانية المخصّصة لزوجة الأرشيدوق ط تحسّبًا لأيّ طارئ. كان يقع في ضواحي العاصمة، بعيدًا قليلاً عن المجتمع الراقي والشائعات الصاخبة، فبدى مناسبًا تمامًا للإقامة بعيدًا عن الألسنة. كنتُ قد أعددتُه كمكانٍ أبقى فيه حتى تهدأ أفواه الناس بعد الطلاق من بنديكت، وتنتهي تقسيم الممتلكات بشكلٍ نظيف.
“لم أتوقّع أن أزور هذا المكان بهذه السرعة.”
تمتمتُ لنفسي مع تنهيدةٍ خفيفة.
في يوم المأدبة الخاصّة، أدركتُ مشاعري فجأةً كالصاعقة.
حتى الآن، كنتُ أُبرِّرُ بقائي إلى جانبه بذريعة ‘مكافأة النجاح’. كان المال دائمًا أهمّ شيءٍ بالنسبة لي. كذلك كان الأمر عندما عقدتُ الاتفاق مع بنديكت لأوّل مرّة. لكن الأمور تغيّرت في وقتٍ ما.
تحت اسم ‘الخدمة’ للعميل، فعلتُ أشياءً لم أكن لأفعلها طواعيةً في الماضي.
نفّذتُ خططًا لرفع سُمعته أمام سكّان الإقليم، وتسلّلتُ إلى إقليم الإمبراطورة مُخاطِرةً بنفسي، وحتى قضيتُ ليالٍ عدّةٍ ساهرةً لإعداد استقبال وليّ العهد وزوجته رغم كلّ العوائق. كنتُ أُبرِّرُ ذلك بأنه سيساعد في تقسيم الممتلكات، وبأنني يجب أن أُثبِتَ براءته.
لكنني كنتُ أعرف في أعماق قلبي. أصبحتُ أريد حماية ليس ممتلكاته فقط، بل سُمعته وشرفه أيضًا.
رغم أن عقلي يقول إن ذلك لا معنى له، إلّا أنني كنتُ أهتمّ بشريكي الأوّل في الحفل. كنتُ أتمنّى أن يكون بنديكت، لا إيدن.
«… أنتِ شريكتي الأولى.»
قال بأنني أنا أيضًا الأولى بالنسبة له. وبشكلٍ غريب، جعلتني تلك الكلمات أشعر بخفقانٍ قويٍّ في قلبي. كنتُ أشعر بالابتهاج عندما أتى لاصطحابي قلقًا عليّ في القصر، وأجد نفسي أنتظره مرّةً بعد مرّةٍ دون أن أُدرِك. في اللحظات السعيدة والخطرة، كان بنديكت أوّل مَن يخطر ببالي.
وبسبب ذلك، بدا أنني أصبحتُ أشبهه. أنقذتُ الخادمة المُحاصَرة في الحديقة المحترقة رغم معرفتي بالخطر، واهتممتُ بحياة سكّان الإقليم.
لكن في الوقت نفسه.
«ماذا تقصدين بـ ‘نحن’؟»
«هذا صحيح. أنتِ تعرفين هذا أكثر مني. خرق العقد أمرٌ غير مقبولٍ بتاتًا.»
عندما يذكر بنديكت العقد، كنتُ أشعر بالإحباط رغم معرفتي أنه مُحِقّ.
«بصراحة، لم أكن أُدرِكُ حتى الآن كم كان الأمر صعبًا. لم أُرِد أن أعتقد أن بيني، اللطيف دائمًا، قد يُسيء إليّ إلى هذا الحد.»
كنتُ أكره أن تذكر فيفيان اسمه بلقبٍ حميم.
[الأرشيدوق ريتشارد يُلقي بنفسه لإنقاذ ولية العهد في مأدبة الخريف]
تظاهرتُ باللامبالاة أمام بنديكت، لكنني شعرتُ باضطرابٍ كبيرٍ عند قراءة تلك المقالة. رغم معرفتي أنها مُلفَّقةٌ تمامًا، إلٌا أنني شعرتُ بقلقٍ من أن يكون جزءٌ منها صحيحًا.
إذًا، يمكن القول إنني غير مؤهّلةٍ كمحامية. في موقفٍ يتطلّب تحليلًا موضوعيًا وباردًا لصالِح العميل، فقدتُ هدوئي ونسيتُ واجبي عندما يتعلّق الأمر به.
«الشخص …. الذي تحبّه…؟»
وبشكلٍ مُضحِك، كنتُ أتساءل عن الشخص الذي يحبّه. حتى أنه كان لديّ توقّعاتٍ غير منطقية. كنتُ أكره نفسي المزدوجة التي تتمنّى المزيد في ركنٍ من قلبها رغم معرفتها أنه لا يجب عليها ذلك.
أنا، المملوءة بالتناقضات، والتي غطّت نفسها بكونها مُحاميةً تهتمّ بعميلها كثيرًا، انهارَتْ بسهولةٍ شديدة.
«سمعتُ أنه وصل إلى القصر برفقة صاحبة السمو ولية العهد.»
«انتشرت شائعةٌ مفادها أن صاحبة السمو دخلت قصر وليّ العهد بين ذراعي بنديكت.»
غمرني يأسٌ شديدٌ عند سماع قصصٍ لم تُؤكَّد بعد حتى.
«الأرشيدّوقة مجرّد بديلةٍ لا أكثر.»
«بعد كل تلك الضجّة بشان حبّهما، أصبحت الأرشيدوقة مثيرةً للشفقة.»
تأثّرتُ بتلك الهمسات التي كان يجب تجاهلها.
«ما الذي يجب أن أتفهّمه؟ مجيئكَ إلى القصر مع فيفيان بدلاً منّي؟ إمساكُ يديها بلطف؟ أم تغيير قميصكَ في قصر وليّ العهد أمام الجميع؟»
المحامية التي سبقتها عواطفها كشفتْ في النهاية عن مشاعرها القبيحة للعميل.
كانت فيفيان شخصيةً رئيسيةً في القضية التي يجب حلّها. لو كنتُ أُدرِكُ أنني محاميته، لكنتُ ابتهجتُ بقُربه منها، وشجّعته معتبرةً ذلك فرصةً ذهبيةً لاستخراج شيءٍ منها. لكنني لم أستطع. في اللحظة التي رأيتُه إلى جانبها، اشتعلت غيرةٌ حارقةٌ في صدري أولاً.
ذلك هو السبب. قرّرتُ إنهاء العقد فورًا والرحيل عن بنديكت. لأنني لم أعد أستطيع الحفاظ على هدوء ‘المحامية المتعاقدة معه’ إلى جانبه.
“زوجةٌ مزيّفةٌ فقط.”
تمتمتُ ساخرةً من نفسي. ربما خُدِعتُ دون أن أُدرِك وأنا أتظاهر بكوننا زوجين حميمين. كأنني أصبحتُ زوجته الحقيقية. فكّرتُ في أمورٍ لا يجب التفكير فيها، ونَمَت لديّ توقّعاتٌ غير مصرّحٍ بها.
وقعتُ في حبّه بعمق. فضّلتُ مشاعري على فرصة إثبات براءته. لذا لم أعد واثقةً من قدرتي على تنفيذ العقد كما يريده بنديكت. لم أعد قادرةً على عدم حمل مشاعر شخصية، أو التركيز على إثبات براءته.
في ذلك اليوم، هربتُ منه كأنني أفرّ من القصر، وركبتُ أوّل عربةٍ رأيتُها وجِئتُ إلى هنا. كان من حسن حظّي أنني أعددتُ هذا المكان تحسّبًا عند شراء المنزل في المدينة.
في الأيام الأولى هنا، كنتُ أرقد فقط مذهولة. كلّما خطر ببالي وجه بنديكت فجأة، كان ينبعثُ فيّ رغبةٌ في العودة فورًا إلى المنزل حيث هو.
“لا يمكنني ذلك.”
كبحتُ الاندفاع بيأس. كنتُ أكره نفسي وهي تتدنّى إلى جانبه.
بما أنني لم أعد قادرةً على أداء الواجبات المنصوص عليها في العقد، لم يعد بإمكاني تقديم أيّ شيءٍ يريده. بل سأكون عبئًا عليه فقط.
“بسببي أُصيب بنديكت عدّة مرّاتٍ أيضًا.”
تمتمتُ بحزنٍ وأنا أكتب وثيقة الطلاق. قرّرتُ إرسال وثيقة الطلاق إليه لأقطع الأمل الزائف بأنني قد أعود إلى جانبه. كان دائمًا ما يقول إنه يريد الطلاق بعد انتهاء العقد، فسيكون سعيدًا بهذا بالتأكيد.
“في النهاية لم أحصل على البراءة الكاملة من أجله حتى…”
شعرتُ بألمٍ في رُكنٍ من قلبي. احمرّتْ عيناي. كنتُ أريد أن أُزيل عنه التُّهمة الظالمة بيدي. شعرتُ لأوّل مرّةٍ أنني غبية.
الجانب المُفرِح الوحيد هو أنه أُطلِق سراحه بالفعل لنقص الأدلّة، وأن الأعمال التي اقترحتُها جعلت ثروة عائلة الأرشيدوق ريتشارد تتجاوز حجم الممتلكات المُصادَرة، فالنتيجة لا تختلف كثيرًا عن الحُكم بالبراءة الفعلية. بالطبع، لن يُزيل ذلك كلّ شعوري بالذنب لعدم إكمال المَهمّة حتى النهاية.
“بدلاً من التخلّي عن تقسيم الممتلكات، هذا المقدار مقبولٌ كحصّتي.”
أدرتُ رأسي ونظرتُ إلى داخل المنزل البسيط. كنتُ أُبرِّر لنفسي بأن بنديكت سيتفهّم هذا المقدار لأنني اشتريتُه من الميزانية المخصّصة لي.
باستثناء عدم وجود خادم فأضطرّ بسبب ذلك لفعل كلّ شيءٍ بنفسي، والمشي مسافةً طويلةً إلى سوق القرية الصغيرة لشراء الضروريات، لم يكن العيش هنا سيئًا.
“لنرى.”
جلستُ اليوم أيضًا على الطاولة الصغيرة، وقلبتُ الجريدة التي اشتريتُها من المتجر. كنتُ أُحاولُ الحفاظ على الهدوء عمدًا عند قراءة المقالات التي تذكر فيفيان وبنديكت. بعد أن قرأتُ الصفحات من الأولى إلى الأخيرة بعناية، خدشتُ خدّي.
“هل لم تُقدَّم وثيقة الطلاق بعد؟”
لو تم تقديم وثيقة طلاقي وبنديكت، لكانت خبرًا كبيرًا. لكن اليوم أيضًا لم تكن هناك مقالةٌ عن طلاق الزوجيين الأرشيدوق ريتشارد. كان الوقت كافيًا لتصل الوثيقة التي أرسلتُها إلى المنزل في العاصمة.
التعليقات لهذا الفصل " 96"