ابتسم إيدن ابتسامةً خفيفةً بدلاً من أن يخبره أين مكان إيلينا.
“لكن ماذا أفعل؟ أنا أيضًا لا أعرف، ليتني أعرف مكانها.”
لم يُظهر صوته المبتسم أيّ أثرٍ للقلق على اختفاء إيلينا. ارتجفت يدا بينديكت غضبًا. ابتسم أيدن بسخرية.
“لم تصبح ملكي، لكن لحسن الحظ أنها لم تصبح ملككَ أيضًا.”
“أيّها المجنون!”
دفع بنديكت إيدن إلى الأرض دفعةً واحدة. كبح رغبته بالكاد في خنقه هناك في تلك اللحظة.
“آه…”
تدحرج إيدن على الأرض الترابية وهو يُطلِق أنينًا من الألم. نظر إليه بنديكت بعينين مليئتين بالاحتقار.
“السبب الوحيد الذي يمنعني من قتلكَ هنا الآن هو أن إيلينا لا تريد أن أُصبِح قاتلاً، لهذا السبب فقط.”
شعر بحدسٍ أن كلام إيدن بأنه لا يعرف مكانها ليس كذبًا. لذا لم يكن هناك داعٍ للتأخير أكثر. عاد بنديكت مسرعًا إلى المنزل في العاصمة.
“إيلينا… هل هناك أيّ أخبار؟”
“أعتذر، لكن… لا يزال لا شيء…”
تحوّلت آماله في أن تكون قد عادت أثناء غيابه إلى يأسٍ في لحظة. قضى بنديكت الليل ساهرًا. لكن إيلينا لم تعُد إلى المنزل حتى بزوغ الفجر.
أرسل رجالاً إلى إقليم الأرشيدوق بسرعة، لكنهم جميعًا تساءلوا فقط عن سبب بحث بنديكت عن إيلينا، ولم يقل أحدٌ أنها زارتهم.
فتّش العاصمة والإقليم بحثًا عن الأماكن التي قد تكون ذهبت إليها. لكن السيدة بوفاري والسكان جميعًا هزّوا رؤوسهم قائلين إنهم لم يروها.
“هل هي بخيرٍ على الأقل؟”
لا يعرف إن كانت لا تزال في الإمبراطورية أم غادرت إلى بلدٍ آخر. كان قلقه يحرقه في وضعٍ لا يعرف فيه حتى مكان إقامتها، ناهيك عن حياتها أو موتها. استمرّت أيامٌ لا يستطيع فيها النوم أو الأكل بسبب القلق من أن تكون قد اختُطِفَت. كانت أيامًا يعيش فيها لكنه فقد غرض الحياة وسببها، مجرّد أيامٍ تمرّ ووقتٍ ينقضي لا أكثر.
لكنه لم يستطع ترك كلّ شيءٍ جانبًا إلى الأبد. أخيرًا، استدعى بنديكت صوفي وفيكتور.
“سيدي، هل أنتَ بخير؟”
نظر فيكتور إلى وجه سيده الذي أصبح خشنًا في أيامٍ قليلةٍ بعينين قلقتين. كانت خدوده التي أضبحت حادّةً داكنة، وملابسه التي كانت دائمًا أنيقةً أصبحت فوضويةً لعدم تفرّغه لها. كان رجلاً لم يبدُ متعبًا حتى في المعارك الصعبة، مهما كانت ملابسه متّسخة. الآن يبدو كجنديٍّ يشعر بالهزيمة قبل الخروج إلى ساحة المعركة.
“نعم.”
مسح بنديكت جبهته بيده وأومأ برأسه كأنه يخبره أنه لا داعي للقلق. ثم نظر إلى فيكتور وصوفي نظرةً قصيرة.
“هناك أمرٌ يجب أن تقوما به.”
“أعطِني أمركَ فقط.”
“إن كان لأجل لسيدة، فسأُساعد حتى لو كلّفني ذلك حياتي.”
أظهر فيكتور وصوفي وجهين مصمّمين. خرج الاثنان من القصر بعد تلقّي تعليمات بنديكت السرية، وبقي بنديكت وحده يمسح خدّه الخشن.
“بالتأكيد هناك شيءٌ آخر يخفيه إيدن سبنسر.”
تمتم بنديكت كأنه يمضغ الكلمات وهو يتذكّر كلام إيدن.
«أليس طبيعيًّا امتلاك ما أرغب فيه حتى لو بتدميره؟»
قال إيدن كلمة ‘تدميره’ بالتأكيد. قد يعني ذلك أنه فعل شيئًا آخر ليؤذي إيلينا إلى جانب زرع سوء الفهم بينهما. بالطبع لم يكن ينوي ترك الأمر هكذا. كان مصمّمًا على كشف كلّ ما يُخفيه ذلك الوغد وجعله يدفع ثمن خداعه لإيلينا.
“ها…”
جلس بنديكت غير مرتاحٍ تمامًا وهو يحدّق بعينين جافّتين في قصاصات الجرائد المبعثرة على المكتب. لسوء الحظ، كانت هناك أمورٌ أخرى تؤرّقه إلى جانب اختفاء إيلينا.
[أزمة الأرشيدوق ريتشارد وزوجته، والسبب هو وليّة العهد؟]
استمرّت قصص ما حدث في المأدبة الخاصّة مع بنديكت وفيفيان وإيلينا في الظهور في صفحات النميمة الإمبراطورية يوميًا. وعندما انتشرت شائعاتٌ عن إرسال بنديكت رجالاً للبحث عن إيلينا، تضخّمت قصص الخلاف والانفصال بينهما ككرة الثلج.
“أين أنتِ بالضبط؟”
أغلق بنديكت عينيه مستندًا إلى الكرسي. كان يتمنى أن تكون إيلينا بخير، وإن كانت كذلك فمن الأفضل ألّا تقرأ تلك المقالات المزيّفة.
∗ ∗ ∗
مضى الوقت بلا رحمةٍ أثناء انتظار إيلينا المفقودة.
وأخيرًا اليوم. انهار بنديكت جالسًا عندما وصلت رسالةٌ إلى المنزل في العاصمة. كانت وثيقة طلاق. مملوءةً بالكامل من جانب إيلينا، باستثناء الأجزاء التي يجب أن يملأها هو.
“……”
نظر بنديكت مذهولاً إلى وثيقة الطلاق نصف المكتملة. كان خطّ إيلينا الأنيق، الذي يبدو أنه كُتِب بهدوءٍ دون ضغط، يُخبِرُه أنها بخيرٍ في مكانٍ ما. شعر بالارتياح لأنها بخير، لكن قلبه سقط في الوقت نفسه. إرسال وثيقة الطلاق بالبريد فقط يبدو كإعلانٍ منها أنها لن تعود إليه أبدًا.
“أيّها الأحمق.”
تسرّبت تنهيدةٌ ساخرةٌ من بين أسنانه في موقفٍ معاكسٍ تمامًا للماضي.
درررك-.
أخرج بأطراف أصابعه المرتجفة بعض الأوراق من أعماق درج المكتب. نظر بنديكت بندمٍ إلى الوثيقة القديمة التي جفّ حبرها منذ زمن. كانت وثيقة طلاقٍ كتبها بعد انتهاء مُحاكمته قبل أشهر. مملوءةً بالكامل من جانبه.
«هاكِ، هنا عقد التصرّف في الممتلكات … ووثيقةُ الطلاق. اكتبي حصّتكِ أنتِ أيضًا.»
«آسفة، لكن لا يمكنني منحكَ الطلاق.»
في ذلك الوقت كان يريد الطلاق من إيلينا بأسرع ما يمكن. شعر بأنه أصبح من الماضي البعيد عندما كانت ترفض الطلاق منه.
“دون أن أعرف أن الأمور ستنتهي هكذا.”
نظر بنديكت بحزنٍ إلى وثيقتي الطلاق نصف المكتملتين. الآن، إذا ملأ بياناته ووقّع على الوثيقة التي أرسلتها إيلينا وقدّمها، ستنتهي علاقتهما ببساطة. كان البند المتعلّق بتقسيم الممتلكات مكتوبًا ‘لا ينطبق’ بجفافٍ يثير الحزن.
«ينتهي العقد بسبب خطئي، لذا ليس هناك داعٍ لدفع التعويض لي. أعتذر لانتهاکي العقد.»
كما قالت إيلينا في النهاية. لم يكن بينهما شيء يُقسَّم أو يُرتَّب.
كان هناك خاتمٌ وحيدٌ على مكتب بنديكت، فقد مكانه. كان من المفترض أن يعطيه لإيلينا تلك الليلة. عند التفكير، لم يتبادلا شيئًا لائقًا خلال الأشهر التي عاشاها كزوجين.
كان زواجًا تم فقط بالأوراق دون خطبةٍ أو حفل. لذا كانت نهايتهما أيضًا مجرّد ورقةٍ واحدةٍ بسيطة.
أدرك حينها فقط أنه لا يعرف عن إيلينا الكثير، فاصابخ اليأس أكثر. لم يستطع حتى تخيّل مكانٍ قد تذهب إليه وهي فارغة اليدين.
‘كل ما أعرفه…’
أن شعرها الذهبي الجميل يشبه الفريزيا، وأن لون عينيها زرقاوتين كالبحر الرائع لكنها لم ترَ البحر قط، وكان بحر أوديلو الذي رأته معه أوّل بحرٍ تراه، وأنها تبدو محبوبةً حقًا عندما تبتسم. تذكّر بنديكت ذكرياته مع إيلينا واحدةً تلو الأخرى ونظر إلى الفراغ.
«لم أعد أستطيع الاستمرار في العقد. أصبحت مواجهتكَ صعبةٌ الآن.»
ظهرت آخر صورةٍ لإيلينا أمام عينيه. أغلق بنديكت عينيه بقوّةٍ وهو يشعر بضيقٍ في قلبه. كانت شفتاها مبلّلتين بالدموع بالتأكيد عندما قالت ذلك. أمسك بالقلم بيدين مرتجفتين.
“إن كان هذا ما تريدينه حقًا.”
بدأت الفراغات في وثيقة الطلاق التي أرسلتها إيلينا تُملَأ بحروفٍ مضغوطة. بعد قليل، نظر بنديكت بحزنٍ إلى الوثيقة المكتملة تمامًا. شعر أن كلّ شيءٍ قد انتهى. مدّ يده نحو الصندوق ليضع الختم في خانة التوقيع أخيرًا.
“……!”
في تلك اللحظة، وقعت عيناه على حُليّة الزينة المحفوظة جيدًا في الصندوق. الشيء الوحيد المتبقّي بينه وبين إيلينا. الذي رمى به من النافذة بغباء، لكنها بحثت عنه وأعادته إليه. امتدّت يد بنديكت كأنها مسحورةٌ نحو الحُليّة بدلاً من الختم.
«فقط… من المؤسف أن أترك الأمر هكذا. فهذا يفيد كثيرًا، كما تعلم.»
أمسك الحُليّة بقوّةٍ في يده. في الوقت نفسه، لمعت عينا بنديكت بحزم.
تمزيق-.
مع صوتٍ عالٍ، مزّق بنديكت الوثيقة المكتملة إلى نصفين.
التعليقات لهذا الفصل " 95"