التقط بنديكت السترة دون وعيٍ كأنّه مسحور. عند رؤية الشكل البارز قليلاً من الجيب، شعر بإحساسٍ مشؤومٍ يحرق حلقه. ابتلع ريقه بصعوبة، فتحرّك حلقه بعنف.
أخيرًا، واجه الورقة المجعّدة كثيرًا في الجيب الداخلي. كانت الرسالة التي طلب تسليمها إلى صوفي.
“أيّها الوغد الصفيق اللعين!”
بصق بنديكت لعنةً غاضبة. تشوّه وجهه بعنفٍ بعد فهم كلّ الوضع. جعّد الورقة التي كتبها بيده بقوّة.
كلّ شيءٍ كان خدعةً من إيدن سبنسر. حتى قول إيلينا إنها انتهكت الوعد معه، وسبب اضطرارها لسوء فهم علاقته بفيفيان.
“إيلينا.”
شدّ بنديكت شفتيه بعزم. لم يعد يستطيع تحمّل التّأخر أكثر من ذلك. ركض نحو الاتجاه الذي اختفت فيه إيلينا فورًا.
كان الطقس باردًا جدًّا بعد غروب الشمس، لكن عرقًا سال على ظهر بنديكت وصدره. أدار رأسه يمينًا ويسارًا بجنونٍ بحثًا عن إيلينا.
“اللعنة.”
في النّهاية، وصل بنديكت إلى الشارع الرئيسي مرورًا بالقصر الواسع، فكشكش شعره بعنف. كان يجب أن تُرَى فورًا امرأةٌ ترتدي فستانًا كهذا. مهما بحث في الشارع بحماس، لم يجد حتى شعرةً من إيلينا. كيف تختفي بهذا الإتقان؟
“أيّها الأحمق.”
سبّ بنديكت نفسه لفقدانه إيلينا.
لم يستطع فعل شيءٍ عندما دارت إيلينا ظهرها بوجهٍ مجروح، وقف مكتوف الأيدي كأحمق. تخلّى عن البحث في الشارع وركض عائدًا إلى القصر.
“هاه، هاه، هل رأيتِ الأرشيدوقة بالصدفة؟”
“لـ لا… لم تأتِ السيدة إلى هنا.”
رمش السائق المنتظر في العربة عينيه أمام مظهر بنديكت المضطرب. ظهرت الخيبة واضحةً على وجه بنديكت بعد رّده. ركب العربة وأعطى أمرًا سريعًا.
“انطلق فورًا إلى المنزل في العاصمة. بسرعة!”
ارتبك السائق. كانت المأدبة قد بدأت للتوّ، وهما على وشك أن يعودا الآن؟ لكنه لم يستطع الاعتراض على أيّ حال، بدت حالة سيّده خطيرة، لذا شدّ بجامه وأسرع بالخيول.
“إيلينا، أرجوكِ …”
في العربة المنطلقة بسرعة، شدّ بنديكت قبضته من القلق. كان خارج النّافذة مظلمًا كقلبه. كان اللّيل حالكًا بعد مرور وقت العشاء بكثير. مجرّد تخيّل إيلينا تتجوّل في الشوارع في هذا الوقت أصابه بالجنون. صلّى بنديكت بقوّةٍ كي تكون إيلينا قد عادت إلى المنزل.
“السيّدة… لم تأتِ بعد. لكن سيدي، لماذا عدتَ وحدك…؟”
في المنزل الذي دخله بنديكت قافزًا من العربة تقريبًا، استقبلته صوفي المرتبكة فقط. شعرت صوفي، التي أرسلت إيلينا وحدها في عربة إيدن، بأن الأمور تسير بشكلٍ غريبٍ عند رؤية بنديكت يعود وحده بعد ساعات. كان مظهر بنديكت المغطّى بالعرق غير عاديّ.
“ألم تلتقي بالسيّدة في قاعة المأدبة؟ لقد انطلقت بالتأكيد من متجر الفساتين في عربة الماركيز الشاق سبنسر.”
“هذا …”
شعر بنديكت بالفظاعة وبتر كلامه بغموض.لم يستطع قول إنه التقاها لكنه فقدها ثانيةً بسبب خطئه. عضّ شفتيه معتقدًا أن كلّ شيءٍ كان خطؤه.
لكن قبل أن يشرح ذلك، أمسكت صوفي كتفيه بوجهٍ شاحب.
“لـ لا تقل لي أن الماركيز الشاب سبنسر قد فعل شيئًا بالأرشيدوقة …!”
عبس حاجبا بنديكت قليلاً. لم يقل شيئًا بعد، لكنّ خروج اسم إيدن فورًا من فم صوفي كان غريبًا. سألها بحدّة.
“ماذا تعنين بذلك؟”
“في الحقيقة…”
ما روته صوفي بعد ذلك بصوتٍ مرتجفٍ كان مُثيرًا للدهشة.
تعمّد تعطيل العشاء الذي دعيا إليه لورنس وفيفيان، ثم تصرّفه كأنه يساعد إيلينا، شراء رضاها بصمتٍ ماكرٍ وإجاباتٍ غامضة، وخداعها في حريق حديقة متاهة أوديلو بأنه أنقذها هو.
“كانت السيدة متردّدةً في ركوب عربته في متجر الفساتين … وأنا، أنا تدخّلتُ بدون داعٍ…!”
بكت صوفي فجأةً كأنّ كلّ شيءٍ خطؤها.
“إيدن سبنسر.”
حدّق بنديكت في الورقة التي وجدها في سترة إيدن وصرّ على أسنانه. كانت رسالته التي اعترضها أيدن.
مع شهادة الخادمة، أدرك بنفسه أن ذاك الوغد كان يخطّط منذ زمنٍ بعيدٍ لامتلاك إيلينا بخدعٍ متراكمة. بفضل إيدن سبنسر الذي سعى للتّفريق بينهما اليوم أيضًا، أساءت إيلينا فهمه تمامًا. وحتّى هو وقع في خدعته بجدّية.
شعر كأنّ جسده مغمورٌ بغضبٍ عارم.
“إن ظهرت إيلينا في المنزل أثناء غيابي، أمسكي بها في الحال.”
أكّد بنديكت على صوفي. رغم ارتباكها من الوضع المفاجئ، أومأت صوفي برأسها وشفتاها ترتجفان. تركها خلفه، وخرج من المنزل، بـخُطًى غاضبة.
بعد قليل.
كان المكان الذي وصل إليه بنديكت قصر ماركيز سبنسر. بدا أنّ إيدن قد عاد للتوّ من المأدبة. اندفع بنديكت بعنفٍ نحو إيدن الذي كان قد نزل للتوّ من العربة.
“أيّها الخبيث!”
أمسك بنديكت المهيب إيدن فورًا. رفع إيدن، ااذي رفعه بنديكت من ياقته تقريبًا في الهواء، شفتيه المتورّمتين من ضرب بنديكت في القصر بابتسامةٍ مشوّهة.
“ستستخدمُ قبضتكَ مجدّدًا؟ لمَ لا نتحدّث كمثقّفين؟ لا عجب أنك جنديّ.”
فقد بنديكت كلّ هدوئه. غضب من نبرته الواثقة المترفة.شدّ بنديكت على رقبة أيدن كأنّه يخنقه.
“إيدن سبنسر، هل كنتَ إنسانًا بهذا المستوى الوضيع؟”
تحرّكت عينا إيدن مع اشتداد الضغط على حلقه. ضحك بخفّةٍ وهو يرى الورقة المجعّدة في قبضة بنديكت.
“أوه، لقد اكتشفتَ أخيرًا. يا له من أمرٍ تافه.”
“هل تظاهرتَ بمساعدتنا منذ البداية بينما كنتَ تنوي هذا؟”
“إنها امرأةٌ جذّابة. ذكيةٌ وجميلة. وفوق ذلك، بدت لي وكأنها تشبهني، من نفس الفئة التي أنتمي إليها، وهي نوعي أيضًا.”
أغمض إيدن عينيه بحالمية. إيلينا التي راقبها في أعمال السّاعات كانت مختلفةً عن النّساء الأخريات حوله. كان لديها حسٌّ ماليٌّ قويٌّ بشكلٍ خاصّ. شعر بالإعجاب عندما أنقذت إقليم الأرشيدوق المنهار تمامًا. عندما تسلّلت إلى النقابة للحصول على مخطّطات، أو عندما ذهبت إلى منظّمة الحفل ودافعت عنها للحصول على دعوةٍ للحضور. شعر بتقاربٍ مع طريقتها في الحصول على ما تريد بأيّ وسيلة. …إلى حدّ الرّغبة في امتلاكها، مهما كلّف الأمر.
“إنها ليست شخصًا يمكن مقارنتها بأمثالك!”
ارتجفت نبرة بنديكت. بالمقابل، كان وجه أيدن واثقًا كالعادة.
“كِدتُ أحصل على إيلينا لو لم تتدخّل مرّةً تلو الأخرى. أنتَ تفتقر إلى الإحساس حقًا.”
“هل هذا كلامٌ ليُقال منك؟”
مع سخريته، شدّ بنديكت أكثر على حلقه. كان الهواء حولهما مرعبًا.
“ما السبب بالضبط؟”
“قلتُ لكَ من قبل، أحبُّ إيلينا.”
“كلّ ما فعلتَه هو التسبب بالأذى لإيلينا. هل هكذا تتعامل مع مَن تُحِبّ؟ هل هذه طريقتكَ في حبّ إيلينا؟”
“أليس طبيعيًّا امتلاك ما أرغب فيه حتى لو بتدميره؟ بعد أن تصبح لي، يمكنني معاملتها بلطفٍ بما فيه الكفاية.”
احتدّت عينا بنديكت بدهشة. كان كلام إيدن غير مفهومٍ بالنّسبة له. الرغبة في امتلاك الشخص الذي يحبّه بالخداع والأذى مدمّرةٌ وقبيحة. مجرّد تبريرٍ لفعلٍ لا يُغتَفر.
اشتدّت القوّة في قبضة بنديكت. خرج صوتٌ مضغوطٌ من بين أسنانه.
التعليقات لهذا الفصل " 94"