ما أمسك بعواطف بنديكت الجامحة التي لم يستطع السيطرة عليها كان صوت إيلينا اليائس. هزّت إيلينا رأسها بوجهٍ شاحبٍ تمامًا. كانت قلقةً من أن يتورّط بنديكت في مشكلةٍ بسبب الاعتداء، لكن بنديكت الذي فقد عقله اعتبر تعبيرها قلقًا على إيدن.
انفجر غضبه أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
“اللّعنة.”
سحب بنديكت يده التي كانت موجّهةً نحو إيدن، وأمسك بيد إيلينا بعنف. إن لم يخرج ذاك الوغد طوعًا، فسيغادران هما المكان.
خطا بنديكت خطواتٍ ثقيلةٍ مُمسكًا بيد إيلينا، يمشي دون هدف. كان رأسه قد غمره وهجٌ جعل ذهنه أبيضٌ تمامًا، غير قادر على التّفكير في شيء.
“بنديكت! لـ لحظة، توقّف قليلاً.”
كان يمشي دون وجهةٍ معيّنة، فتوقّف فجأةً عند سماع صوت إيلينا الحادّ من خلفه. كان المكان مُظلمًا مع اختفاء المصابيح. بين الاثنين اللّذين ابتعدا كثيرًا عن قاعة الرقص الصاخبة، ساد الصمت فقط.
“هاه، هاه.”
كانت إيلينا التي تلهث مُتعبةً تمامًا. كان مكياجها الجميل ملطّخًا بالدموع، وشعرها المصفّف بعنايةٍ مشعثًّا من محاولة مواكبة خطوات بنديكت الواسعة. كان كعبا قدميها المجروحان من الرّكض بالكعب يؤلمانها.
“لماذا فعلتَ ذلك؟”
وجّهت إيلينا نظرةً حزينةً نحو بنديكت. تشوّه حاجبا بنديكت من نبرتها الحادّة كأنّها تلومه على ما فعله بإيدن.
“وأنتِ ماذا كنتِ تفعلين؟”
“ماذا فعلتُ أنا؟”
“آه، كنتِ تستمتعين بلقاءٍ سريٍّ مع إيدن على الشّرفة؟”
“ماذا؟”
فتحت إيلينا فمها مذهولةً من التُّهمة السخيفة. فجأة، وقع نظر بنديكت على السترة الموضوعة على كتفي إيلينا. في الوقت نفسه، تذكّر إيدن بدون سُترةٍ بقميصٍ فقط. غمرته غيرةٌ جامحةٌ من صدره إلى قمّة رأسه.
ووش-!
سحب بنديكت السترة من كتفيها بعنفٍ ورماها على الأرض. كانت نظرته شرسة.
“لا، يبدو أنّكما كنتُما معًا قبل الوصول إلى المأدبة. رأيتُكما تدخلان القاعة معًا تحت مرافقته.”
“…هل أنتَ مَن يقول هذا الآن؟”
شعرت إيلينا بالذّهول. مَن الذي انتهكَ الوعد أولاً وظهر مع فيفيان دون كلمة؟ لم تستطع الضحك حتّى من سّخافة الموقف.
“أنتَ مَن انتهكَ الوعد أوّلاً.”
“مَـ …؟”
“كنتَ ستأتي إليّ، لكنّكَ مع فيفيان …”
لم تتمكّن من إكمال الكلام، فاختنق حلقها. لمعت دموعٌ في طرف عينيها.
لتتمكّن من الحضور إلى هذه المأدبة، اضطّرت إلى قبول مرافقة إيدن الذي رفضته بحدّةٍ سابقًا. بسببه هو الذي لم يظهر دون كلمة.
شعرت بالبؤس طوال الوقت، سواء عند تلقّي نظرات الشّفقة من إيدن أو لطفه الرسمي. والأكثر من ذلك عند تلقّي اعترافٍ مبنيٍّ على الخداع.
“كان أمرًا لا مفرّ منه. ظننتُ أنّكِ ستتفهّمين.”
دافع بنديكت عن نفسه. كان يشعر بالظّلم هو أيضًا. لم يشهد حادثة فيفيان بإرادته، كان ذلك صدفة.
“ما الذي يجب أن أتفهّمه؟ مجيئكَ إلى القصر مع فيفيان بدلاً منّي؟ إمساكُ يديها بلطف؟ أم تغيير قميصكَ في قصر وليّ العهد أمام الجميع؟”
رغم إقناع نفسها مرارًا وتكرارًا بأن هناك سببًا، لم تستطع كبح عواطفها عند رؤيته بخير. صبّت إيلينا كلّ المشاهد التي تخيّلتها في رأسها كسدٍّ منفجر.
“ها… كما توقّعت، أنتِ أيضًا …”
مسح بنديكت وجهه بحزن. فيفيان، فيفيان، فيفيان. لماذا يصرّ الجميع على ربطه بفيفيان؟ ليس لديه أيّ اهتمامٍ بفيفيان، ولا أيّ عاطفةٍ تخصّها. كانت إيلينا في النّهاية مثل الآخرين. ترك مذكّرةً يشرح فيها الوضع. شرح ما حدث بعد لقائها. ورغم ذلك، لم تصدّق في قرارة نفسها أنه لا يحبّ فيفيان.
«لنكن صريحين. عقدُنا هو أنني سأُبْرِّئُك فحسب، وليس أن أؤمن ببراءتك.»
تجدّد شعور الخيانة بأن حتى محاميته لم تؤمن به في السجن، والعجز من عدم جدوى التفسير مهما حاول.
“الجميع يثرثرون عن أمرٍ غير موجود. لا شيء بيني وبين فيفيان.”
“الأمر نفسه هنا. لا شيء بيني وبين الماكيز الشاب سبنسر-“
“كيف يكون هذا لا شيء، وأنتِ تتلقّين اعترافًا بالحبّ؟”
قال بنديكت بغضبٍ كأنّه يبصق كلماته، وشدّ قبضتيه. في الحقيقة، كان هو مَن أراد الاعتراف. انتظر هذا اليوم لأسابيع. لكنّ كلّ شيء أصبح فوضى، ورأى إيدن سبنسر يعترف لإيلينا أمامه.
“كيف… تقول مثل هذا…”
حاولت إيلينا عدم الرّمش لئلاّ تنزلق الدموع التي تهدّد بالنزول.
كان اعترافًا أُحاديًّا غير مرتبطٍ بإرادتها. ورغم ذلك، ها هو بنديكت يلومها. لكن هل له الحقّ في ذلك أصلاً؟ هو الذي نسيها تمامًا وكان مع فيفيان؟
ارتجفت جفنا إيلينا. إن أرختهما قليلاً، ستنهمر الدموع دون توقّف.
“قلتِ أنّنا يجب أن نبدو زوجين حقيقيّين خلال فترة العقد. لكن أيّ زوجةٍ في العالم تسمع من رجلٍ آخر أنه يحبّها؟”
كان صوته باردًا وهو يقاطعُها ويسأل.
مع التّوبيخ البارد، سالت دمعةٌ لم تستطع كبحها على خدّ إيلينا الشاحب. ابتلّت شفتاها الجافتان بالدموع. كبحت إيلينا بكاءها الذي يهدّد بالخروج ورتّبت أنفاسها.
“كلامكَ صحيح … نحن لسنا زوجين حقيقيين.”
“ما الذي ..؟”
“لم أعد أستطيع.”
تشقّق وجه بنديكت من صوتها الهادئ المكبوت. رفعت إيلينا جفنيها ببطءٍ ونظرت إليه.
“لقد انتهكتُ العقد.”
رتّبت إيلينا حلقها المختنق واجتهدت لئلاّ ترتجف نبرتها. كانت قد طوّرت عواطف كبيرةً جدًّا تجاه بنديكت، ولم تعد واثقةً من الحفاظ على العقد ببرودٍ كالسابق. العقد الذي أصبح يحمل شرطًا لن تستطيع الوفاء به أبدًا.
«لن يكون هناك أيّ مشاعر شخصيّةٍ بيننا. خاصّةً الحب، غير مسموحٍ أبدًا.»
تذكّرت نبرته الحازمة وهو يقول إن الحبّ ممنوع.
“انتهاك… العقد؟”
“لم أعد قادرةً على الوفاء بالعقد. لذا، دعنا نُنهيه هنا.”
خفق قلب بنديكت بعنفٍ من كلام إيلينا. لم يفهم المعنى فورًا. سأل فقط.
“ماذا …؟”
“سأُطلِّقُكَ كما أردت. لقد قلتَ ذلك لي عدّة مرّات.”
“أنا، متى. لم أفكّر في…”
ارتجفت نبرة بنديكت المتقطّعة من الارتباك. غاص صدره. شعر كأنّ الدّم يُسحب من جسده كلّه. تردّد صوت إيلينا القائل إنّها ستتركه في أذنيه.
نظرت إيلينا إلى بنديكت بعينين متعبتين. توقّعت موافقته دون تردّد، لكنّه يتردّد الآن. ذلك لم يغيّر شيئًا على أيّ حال. هزّت إيلينا رأسها بعد أن عقدت العزم.
“لا يهمّ. أنا… لم أعد أستطيع الاستمرار في العقد. أصبحت مواجهتكَ صعبةٌ الآن.”
“ماذا تقولين الآن.”
جمعت إيلينا آخر ما استطاعت من تماسكها، وأجابت بنديكت الذي يسأل بقلق.
“ينتهي العقد بسبب خطئي، لذا ليس هناك داعٍ لدفع التعويض لي. أعتذر لانتهاکي العقد.”
قبل إكمال كلامها، أدارت إيلينا ظهرها وخطت نحو الاتّجاه المعاكس كأنها تركض. كان بصرها مشوّشًا من الدّموع الصاعدة، لكنها لم تتوقّف. المهمّ الخروج من هنا بأسرع وقتٍ ممكن.
“……”
وقف بنديكت متخشّبًا كأن ساقيه مثبّتتان في الأرض، يحدّق في ظهر إيلينا البعيد. لم يستوعب أنّها غادرت. استغرق وقتًا لإدراك الواقع. فجأة، ضاق صدره وتقلّص بشكلٍ موجع.
“آآه”
أنّ بنديكت بألم. أمسك صدره بيدٍ واحدةٍ كأنّه لا يستطيع التّنفّس. لمس صندوق الخاتم الذي أعدّه لإيلينا بأطراف أصابعه الباردة. أصبح كلّ شيءٍ في حالةٍ من الفوضى. أين بدأ الخطأ بالضبط، انحدر نظر بنديكت بحزنٍ إلى الأسفل.
“……؟”
في تلك اللّحظة، وقع نظره على شيءٍ بارزٍ من جيب السترة التي رماها على الأرض بعنف.
التعليقات لهذا الفصل " 93"