كان بنديكت يوجّه نظره مرّةً تلو الأخرى نحو مدخل قاعة المأدبة. اقترب موعد إغلاق دخول المأدبة ولم تصل إيلينا بعد. بالتّأكيد، أرسل رسالةً إليها قبل أكثر من ساعةٍ عبر الطّفل إلى المتجر حيث كانت. حتى لو احتسبت وقت استدعاء عربةٍ جديدةٍ والقدوم إلى القصر، كان يجب أن تكون قد وصلت منذ زمن.
‘آمل ألّا يكون قد حدث شيءٌ ما.’
بينما كان بنديكت يلتفت مرّارًا ليتحقّق من الداخلين إلى القاعة، شدّ ياقة قميصه بقوّة وكأن عنقه غير مرتاح.
‘كان يجب ألّا أغيّره بعد كلّ هذا.’
القميص الضيق عند الكتفين والرّقبة لم يكن له.
«القميص ملطّخٌ بالدّم… هل أُحضِر لك قميصًا لتغييره؟»
قالت الخادمة التي كانت تعالج جراحه في قصر وليّ العهد قبل قليل، وهي تخفض حاجبيها أمام كمّ القميص الملطّخ بالدّماء. كان ينوي رفض العرض طبعًا، لكنه نظر إلى انعكاسه في النافذة الزجاجية، فرأى حالته السيئة جدًّا. كان نظيفًا تمامًا عندما ذهب إلى متجر الفساتين، لكنّه أصبح فجأةً ملطّخًا بالعرق والدّماء.
‘لا يمكنني أن أُحرِج إيلينا بهذا الشّكل.’
في النّهاية، طلب من الخادمة أن تُحضِر قميصًا جديدًا. على الأقل، لم يُرِد الاعتراف وهو يرتدي قميصًا قذرًا. كان اليوم يومًا مهمًّا بالنّسبة له.
“الأرشيدوق ريتشارد، يبدو أن الأرشيدوقة لم تأتِ بعد. هل تخلّفت عن الحضور ربما؟”
في تلك اللحظة التي كان فيها بنديكت قلقًا بسبب إيلينا، اقتربت فيفيان التي وصلت للتوّ إلى قاعة المأدبة نحوه. كانت تبدو هادئة كأنّ شيئًا لم يحدث في قصر وليّ العهد. تجهّم بنديكت وتراجع خطوةً إلى الخلف محيّيًا إيّاها بأدب.
“يبدو أنّ صاحب السموّ وليّ العهد لم يصل بعد أيضًا.”
كان يظنّ أنهما معًا. كان من الغريب أن لورنس لم يظهر في قاعة المأدبة حتى الآن. ابتسمت فيفيان قليلاً وأجابت.
“ذهب إلى قصر الإمبراطورة لأمرٍ عاجلٍ يتحدّث فيه مع جلالتها. يبدو أنّ الحديث قد طال.”
“فهمت.”
سواء جاء لورنس أم لا، لم يكن ذلك يعنيه أصلاً. أجاب بنديكت باختصار، ثمّ نظر مجدّدًا بحكم العادة نحو مدخل قاعة المأدبة. كان معظم المدعوّين قد وصلوا تقريبًا. عدا إيلينا… وشخصٌ آخر واحد.
ضاقت المسافة بين حاجبي بنديكت.
‘إيدن سبنسر أيضًا لم يصل بعد.’
بالمصادفة، الغائبان فقط هما إيلينا وإيدن. شعر بنديكت بقلقٍ غامض.
“كيف حال يدك؟”
“……!”
بينما كان منشغلاً بالمدخل، فاجأته فيفيان بإمساك يده المضمّدة فجأة، فارتجف جسد بنديكت. حاول التخلّص من يدها مفزوعًا. ألقت فيفيان نظرةً خاطفةً نحو مدخل القاعة، ثمّ شدّت قبضتها على يده وابتسمت بلطف.
“مهارة خادمتي جيّدةٌ جدًّا، أليس كذلك؟”
مع ابتسامة فيفيان، اهتزّت أجواء القاعة. شعر بنديكت غريزيًّا بشيءٍ غريب، فالتفت رأسه بسرعة.
“……!”
اتّسعت عينا بنديكت. في المكان الذي تجمّعت فيه أنظار النّبلاء، كانت إيلينا. تُمسِك يد إيدن سبنسر.
‘لماذا تظهر إيلينا مع ذلك الوغد؟’
تجهّم وجه بنديكت فجأةً بعنف. في الوقت نفسه، التقت عينيه بعيني إيلينا التي تنظر إليه. وفي تلك اللّحظة، لم يكن هو الوحيد الذي تجهّم. اهتزّت نظرة إيلينا نحوه.
‘لماذا…’
شحب وجه إيلينا من الصّدمة. لم تسمع التفاصيل، لكنها ظنّت أن شيئًا كبيرًا يهدّد الحياة حدث لبنديكت وفيفيان على الأقل. لكن الاثنين يبدوان بخيرٍ تمامًا. بل على العكس، يبدوان سعيدين جدًّا. كان بنديكت أكثر أناقةً من أيّ وقت، وفيفيان التي تمسك يده وتبتسم تبدو محبوبةً إلى حدٍّ يجعل أيّ أحدٍ يقع في حبّّها.
لذا، لا يبدوان كأنّهما في موقفٍ عاجلٍ يمنعه حتى من الاتصال بها وهي تنتظر وحدها في متجر الفساتين. غمرها شعورٌ بالخيانة.
“يا إلهي، يبدو أنّ الشّائعات صحيحة. علاقة الأرشيدوق والأرشيدوقة باردةٌ فعلاً؟”
“لهذا جاءا منفصلين إلى المأدبة.”
“لم ينسَ الأرشيدوق صاحبة السمو وليّة العهد بالتأكيد.”
“نعم، الأرشيدّوقة مجرّد بديلةٍ لا أكثر. في الحقيقة، كانت غير مناسبةٍ أصلاً لمنصب الأرشيدوقة.”
“سمعتُ أن الأرشيدوق ريتشارد نجح كثيرًا في الأعمال هذه المرّة. إن طلّقها، ربّما أُقدِّم ابنة أختي.”
كانت همسات النّبلاء تُسمَع بوضوحٍ مُفرِط. ارتجفت شفتا إيلينا المطبقتان. في النهاية، لم تتمكّن من خطو ثلاث خطواتٍ في المكان، فاهتزّ جسدها وترنّح.
“……!”
في الوقت نفسه، اهتزّت عينا بنديكت الذي كان يتبع إيلينا بشدّة. تحرّك جسده نحوها تلقائيًّا. لكنّ فيفيان اعترضت طريقه.
“بالمناسبة، سعادتك.”
اقتربت فيفيان من أمامه بطبيعيّةٍ وابتسمت. كان تصرّفها طبيعيًّا جدًّا، يبدو كمحادثةٍ عاديّةٍ في القاعة. لكنّه كان واضحًا أنه لمنع بنديكت من الركض نحو إيلينا.
في النهاية، دعم إيدن إيلينا المتعثّرة بدلاً من بنديكت المعترض طريقه. تجهّم وجه بنديكت. مدّت فيفيان يدها إلى ياقة قميصه.
“القميص يناسبكَ جيّدًا. إنه من تصميم مصمّم قصر وليّ العهد الحصريّ.”
“ابتعدي من فضلكِ.”
دفع بنديكت يد فيفيان بقوّةٍ دون كتم غضبه. بدت فيفيان كأنها قرّرت إعاقته طوال اليوم. بينما كان بنديكت محاصرًا بفيفيان رغمًا عنه، كانت إيلينا منحنية الخصر مسنودةً على إيدن.
“هل أنتِ بخير، إيلينا؟”
“….نعم.”
أومأت إيلينا برأسها. بمساعدة إيدن، استندت بالكاد إلى جدار القاعة. امتدّت نظرتها التي كانت نحو بنديكت نحو فيفيان. كانت فيفيان تلامس ياقة بنديكت بابتسامةٍ مُغرية. رغم تفكيرها أنه لا شيء، سمعت صوت شيءٍ يتحطّم في صدرها مرّة تلو الأخرى.
في تلك اللّحظة، سمعت أصوات خادماتٍ يمرّون في الرّدهة خلف الجدار بحماس.
“ماذا؟ ترك الأرشبدوق ريتشاد قميصه في قصر وليّ العهد؟ مستحيل!”
“لا، هذا صحيح. سألتُ بيكي عندما رأيتُها تحمل قميصًا كبيرًا قُرب غرفة صاحبة السموّ، فقالت إنه قميص الأرشيدوق بالتأكيد.”
“بعد كل تلك الضجّة بشان حبّهما، أصبحت الأرشيدوقة مثيرةً للشفقة.”
سواء كان حقيقيًّا أم لا، لم تعد إيلينا تتحمّل سماع الكلام اللّاذع عنها وعن بنديكت. شعرت باختناق. في النهاية، ركضت إيلينا خارج القاعة كأنها تهرب.
“ها، ها.”
خرجت إلى الشرفة المفتوحة المتّصلة بصالة القاعة، فاستطاعت التنفس أخيرًا، ثم انهارت جالسة. كانت تكرّر أن العلاقة مجرّد علاقةٍ تعاقديّة، وأن عليها تجاهل مثل هذه الهمسات، لكن الدموع سالت على خدّيها دون اعتبارٍ لأفكارها.
في تلك اللحظة، توقّفت خطواتٌ سريعةٌ تبعتها أمامها. سرعان ما مُدَّ منديلٌ حريريٌّ فاخرٌ أمام عينيها. بدلاً من أخذ المنديل، مسحت إيلينا دموعها بيدها. كان واضحًا أنّ مكياجها الجميل سيتلف، لكن ذلك لم يكن مُهِمًّا الآن.
“هااا…”
تناثر تنهّدٌ خفيفٌ فوق رأس إيلينا. ثمّ تبعه صوت توبيخٍ منخفض.
“بسبب بنديكت وصاحبة السمو وليّة العهد؟”
“ليس أمرًا يعني الماركيز الشاب.”
أدارت رأسها بعنادٍ إلى الجانب الآخر، فجثا أيدن على ركبةٍ واحدةٍ وجلس أمامها. التقى بنظرها، وكان وجهه يعبّر عن الإحباط.
“إنه يعنيني، إيلينا. أنا قلقٌ عليكِ.”
“أيّها الماركيز الشاب. أنتَ تتجاوز الحدود مرّةً تلو الأخرى.”
خرج ضحكٌ ساخرٌ من بين أسنان إيلينا. سرعان ما حدّقت عيناها الرطبة في إيدن.
“لأنّك شخص لا يمكن الوثوق به. كلّ تلك الأكاذيب التي قلتَها بعد أن وعودتَ بمساعدتي … لماذا فعلتَ ذلك أصلاً؟”
“تسألين الآن لماذا؟”
“نعم، أنتَ شخصٌ يفعل أيّ شيءٍ لأجل غايته. ألا تؤذِ الناس أيضًا إذا لزم الأمر؟ ماذا تريد منّي لتفعل كلّ هذا؟”
كانت إيلينا غاضبةً بشكلٍ غير معتادٍ وهي تصرخ. تدفّقت عواطفها المضطربة بسبب بنديكت نحو شخصٍ غير معني. خدعها أيدن بوقاحةٍ بابتسامته الطّيّبة، وربّما قتل البارون هايدن. غضبت من حفاظه على هدوئه الطبيعي إلى هذا الحد. بعد أن صبّت عليه كلامًا ناريًّا، جاء الرّد بصوتٍ بارد.
التعليقات لهذا الفصل " 91"