«إذا كان أساس الوعد خاطئًا، ألا يجب ألّا يُقطَع أبدًا؟»
«……»
اختفت ابتسامة إيدن فجأةً وهو يحدّق بي. بدا وكأنه فهم ما قصدتُه بهذه الجملة فقط.
«لقد وعدتُكَ أن أُنادي الماركيز إيدن لأنني ظننتُ أنكَ مَن أنقذني في حديقة أوديلو.»
«أنا آسفٌ لأني لم أُخبِرك الحقيقة. لم أقصد خداعكِ. أنا فقط…»
حاول إيدن جاهدًا شرح الموقف. لكنني لم أرغب في سماعه، فأوقفتُه. لم أرغب في الخوض في تفاصيل الأمر برمّته الآن. ظننتُ فقط أنه من الأفضل تجنّب التورّط معه أكثر.
«كفى. لم أكن أطلبُ اعتذارًا أو عُذرًا.»
«سأشرحُ كلّ شيء…»
«سيأتي بنديكت إلى هنا قريبًا ليصطحبني. لذا، إن لم يكن لديكَ أيّ عملٍ آخر، فغادِر الآن. آمل ألّا نلتقي مجدّدًا.»
كان لقاءً مُربِكًا بوضوح. تنهّدتُ وأنا أتذكّر الموقف.
‘ظننتُ أن الماركيز الشاب مدعوٌّ إلى المأدبة الخاصّة اليوم أيضًا.’
كنتُ آمل أن أتجنّب مقابلته في القصر. حدّقتُ مليًّا في باب متجر الملابس، الذي ظلّ مُغلقًا. مرّت عشرون دقيقةً منذ أن تحقّقتُ من الوقت سابقًا.
“أتساءل إن كان قد حدث مكروهٌ لبنديكت…”
بعد انتظارٍ طويل، طلبتُ أخيرًا من موظّفة متجر الملابس كوبًا آخر من الماء.
رنين…
في تلك اللحظة، انفتح باب متجر الملابس المزخرف، وأصدر الجرس الفضيّ المُعلَّق عليه صوتًا رقيقًا. التفتنا أنا وصوفي في الوقت نفسه عند سماع صوت الترحيب الذي كنا ننتظره.
“…..!”
في اللحظة التي فُتِح فيها الباب ورأيتُ وجه الشخص الذي دخل المتجر، انحنت كتفاي خيبةً. كان إيدن سبنسر مجدداً، شخصٌ لم أكن أرغب برؤيته في تلك اللحظة. لسببٍ ما، أدرتُ رأسي بعيداً، وشعرتُ بالكآبة أكثر.
“إيلينا! ها، ها…!”
نادى إيدن باسمي وهو يلهث، وبدا عليه التوتّر. لا أعرف لماذا، لكن نظراته، وهو يمسح المتجر بعينينه، بدت قلقةً للغاية. حاولتُ إخفاء خيبة أملي لعدم رؤية بنديكت أمامي، وأجبتُ ببرود.
“ما الأمر الآن، الماركيز الشاب سبنسر؟”
“كنتُ قلقاً عليكِ.”
عبستُ من الإجابة غير المتوقّعة. ما هذا الهراء الذي يحاول هذا الرجل إخباري به مجدّداً…
“ماذا تعني بقَلِق؟ لماذا يجب أن تقلق عليّ؟”
“بنديكت… لقد وصل إلى القصر قبل ساعة.”
“……!”
انفرجت شفتاي ارتباكًا دون أن أشعر.
“قبل ساعةٍ تقريباً… سمعتُ أنه وصل إلى القصر برفقة صاحبة السمو ولية العهد.”
رمشتُ. لم أستوعب تمامًا ما قاله إيدن. كان من المفترض أن يصل بنديكت إلى متجر الفساتين قبل ساعة ليصطحبني. لكن لماذا كان ذاهبًا إلى القصر، ومعه فيفيان أيضًا؟
تمتمتُ بذهول.
“لا أفهم”.
“كيف… كيف عرف الماركيز الشاب …”
“بعد أن التقيتُ بكِ في المتجر قبل قليل، توجّهتُ مباشرةً إلى قاعة الرقص. لكن عندما وصلتُ، لاحظتُ شيئًا غريبًا في جوّ القاعة.”
تردّد إيدن قبل أن يُخبرني بحقيقةٍ مزعجة.
“لا أعرف السبب، لكن بين الحضور الذين وصلوا قبل قليل… انتشرت شائعةٌ مفادها أن صاحبة السمو دخلت قصر وليّ العهد بين ذراعي بنديكت.”
“…..”
لُجِم لساني، وظللتُ أحدّق في وجه إيدن بذهول. كان يتوقّف بين الحين والآخر، وكأنه يشعر بالحرج من إخباري بهذه القصّة. لاحظ إيدن ردّة فعلي، ففرك وجهه بقلق.
“لكن … تذكّرتُ ما قلتيه عن انتظاركِ هنا لمرافقة بنديكت… حينها، كان واضحًا أنكِ لم تذهبي إلى القصر بعد.”
تجمّدت أطراف أصابعي. حتى صوفي، التي كانت مُطأطئة الرأس ومتيّقظةً بجانبي عند ظهور إيدن، رفعت رأسها بدهشةٍ من الخبر المُفاجِئ. بدت هي الأخرى مرتبكةً ومذهولة.
“جئتُ لأنني كنتُ قلقًا من أن تستمرّي في الانتظار وحدكِ. لم أسمع شيئًا من بنديكت أيضًا.”
“…..”
كانت كلمات إيدن صحيحة. لم يصل أيّ خبرٍ من بنديكت بعد. بدلًا من الرّد، أدرتُ رأسي ببطء. ثم رأيتُ انعكاسي في مرآةٍ كريستاليّةٍ كبيرةٍ على أحد جوانب متجر الملابس. كان الفستان في غاية الأناقة، وشعري ومكياجي في غاية الروعة. كان منظري في المرآة أجمل ما رأيتُ في حياتي، ممّا زاد من اكتئابي.
كمَن تعرّضت للخيانة من زوجها، بينما كانت في أشدّ تأنّقها وحماسها، مليئةً بالتوقّعات.
“إذا كنتِ ترغبين في حضور المأدبة، فعليكِ المغادرة الآن، إيلينا.”
تحدّث إليّ أيدن بحذر.
“…..لا توجد عربة.”
كانت هذه الكلمة الوحيدة التي استطعتُ نطقها، عاجزةً عن استيعاب ما يحدث. لم تكن هناك عربةٌ تُقِلُّني إلى القصر الآن. كان بنديكت قد قرّر بالفعل أن يأتي ليأخذني، لذا فقد أرسلتُ العربة التي استقللتُها. لم يكن هناك وقتٌ لطلب عربةٍ مستأجرةٍ الآن.
ثم عبس أيدن بوجهٍ يُبدّد كل هذه المخاوف.
“ما المشكلة؟ خُذي عربتي.”
“……”
حدّقتُ في إيدن بعيونٍ متردّدة. تذكّرتُ كيف حدّقتُ به للتوّ وقلتُ بحدّةٍ إنني آمل ألّا نلتقي مجدّداً، فشعرتُ بخجلٍ لا يُطاق في هذا الموقف. اقتربت مني صوفي، وهي تتململ في هذا الموقف غير المتوقع، وهمست.
“سيدتي، من فضلكِ افعلي ما يقوله الماركيز الشاب سبنسر. عليكِ حضور الحفل على أيّ حال. لا بدّ أن شيئًا ما قد طرأ للأرشيدوق ومرّ بظرفٍ غير متوقّع، ولكن ستسمعين شرحاً حالما نصل إلى القصر.”
“هيا، إيلينا.”
مدّ إيدن يده المغطّاة بقفازٍ أبيض نحوي، يحثّني على المضيّ قُدُماً. أخيراً وضعتُ يدي الباردة بيده. وبأدبٍ جَمّ، رافقني إيدن إلى عربته. صعدتُ إليها مترنّحة، تبعني إيدن وجلس قُبالتي.
شقّت العربة طريقها بسلاسةٍ عبر الأزقّة المزدحمة.
وبينما كنّا نقود إلى القصر، بقيتُ صامتة، أحدّق من النافذة. كان إيدن عادةً أوّل مَن يتكلّم، لكن هذه المرّة، لم يحاول التحدّث.
لماذا ذهب بنديكت إلى القصر مع فيفيان؟ هل كان الأمر عاجلاً جدًا لدرجة أنه لم يخبرني؟ أم كان مُهمًّا جدًا لدرجة أنه نسي أنني أنتظره عند المتجر؟ مهما حاولتُ تجاهل الأمر، ظلّ سلوك بنديكت الغريب مؤخّرًا وقصة فيكتور عن حبّه الأوّل يطاردانني.
‘لا، هذا غير معقول.’
هززتُ رأسي بقوّة. لا بد من وجود ظرفٍ قاهر. حاولتُ فهم بنديكت، لكنني لم أستطع منع نفسي من الشعور بالضيق.
“على أيّ حال، ذلك الـبنديكت، لم يفكر حتى في إخبار زوجته التي تنتظره وحدها.”
اخترقت كلمات إيدن المتمتمة قلبي. كانت الرحلة إلى القصر طويلةً جدًا.
بعد قليل.
عند وصولي إلى القصر، واجهتُ موقّفًا لا يُمكن تصديقه.
التعليقات لهذا الفصل " 90"