بعد أن طلبتُ بهدوءٍ من صوفي تعديل جدولي، توجّهتُ إلى مكتب بنديكت. بدا عليه الارتباك من اقتراحي المفاجئ.
“هل تريدين مني مرافقتكِ من متجر الفساتين لاحقًا؟”
“نعم، طرأ أمرٌ بسيط، لذا أعتقد أننا سنضطرّ لمغادرة المتجر والتوجّه إلى القصر اليوم.”
كان مزاجه متقلّبًا خلال الأيام القليلة الماضية، لكنه بدا اليوم متوتّرًا بعض الشيء. بدا متحمّسًا بشكلٍ غريب، وقلقًا أحيانًا. نقر على مكتبه، ثم بدت عليه الجديّة عندما أخبرتُه بالمشكلة.
“لا توجد مشاكل خطيرة، أليس كذلك؟”
“لا، أبدًا. في الواقع، يمكننا أن نستقلّ كلٌّ منا عربته الخاصّة ونتوجّه إلى القصر، لكن المتجر الذي فصّلتُ فيه فستاني هو الأكثر شُهرةً بين نبلاء الإمبراطورية.”
كانت صاحبة المتجر ثرثارة. حتى أن الأميرة كلير زاكرياس لمّحت إلى أنه إذا أرادت نشر أيّ شيءٍ في الأوساط الراقية، فعليها إخبار صاحبة المتجر.
إنّ إظهار علاقتي أنا وبنديكت الحميمة عند صاحبة متجر ملابسٍ يرتاده العديد من النبلاء سيكون وسيلةً فعّالةً للإعلان عن استمرار علاقتنا بقوّة.
عبس بنديكت للحظةٍ وجيزةٍ عند شرحي، ثمّ استرخى، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ ذات مغزى.
“هذا جيّد. سأمرّ عليكِ في الوقت المحدّد.”
أملتُ رأسي مستغربةً من ردّة فعله الغريبة. لم أفهم سبب ذلك التفاعل الجادّ والمهيب مع اقتراح أن يأتي لمرافقتي، لكن بما أنه وافق في النهاية على اقتراحي، لم يكن هناك ما يدعو للمزيد من التفكير. مع الأخذ في الاعتبار تعديلات الفستان، كان الوقت ضيّقًا للغاية. قرّرتُ عدم التفكير كثيرًا واكتفيتُ بهزّ كتفيّ.
“حسنًا، لِنُلقِّنهم درسًا حتى لا يعود اسم فيفيان يتردّد على ألسنة الناس بعد الآن.”
“حسنًا. أراكِ لاحقًا.”
تركتُ بينديكت، الذي أومأ برأسه، وغادرتُ المكتب. لقد كانت خطّةً مثاليةً بلا شك.
* * *
كان بنديكت في غاية السعادة وهو يتّجه إلى متجر الملابس في وسط المدينة. كان كلّ شيءٍ مثاليًا.
“صاحب السعادة، تبدو اليوم في أبهى حُلَّةٍ رأيتُها في حياتي!”
رأى فيكتور بنديكت بعد أن انتهى من تجهيزه للمأدبة، فأثنى عليه كثيرًا. حتى بنديكت نفسه رأى أنه يبدو متألّقًا اليوم. كان معطفه الأسود المطرّز بخيوطٍ ذهبيّةٍ وفضيّةٍ يلمع ببريقٍ ساحر، وبدلته المصمّمة بدقّةٍ أبرزت وسامته. كان شعر بنديكت مصفّفًا بعنايةٍ إلى الخلف، كاشفًا عن بشرته البيضاء الناصعة وملامحه الرقيقة.
“عيد ميلاد سعيد، إيلينا. آآه .. أنا ممتنٌّ لوجودكِ في هذه الحياة، إيلينا. همم.”
تمتم بنديكت ببعض كلمات التهنئة بصوتٍ خافت، كما لو كان يتدرّب، ثم تنحنح وهو يشعر بشيءٍ من الحرج. كانت هذه هي المرّة الأولى التي يعتبر فيها ذكرى ميلاد أحدهم، بما في ذلك ذكرى ميلاده هو، مناسبةً خاصة. وكان من المقرّر أن يكون هذا اليوم مميّزًا جدًا بالنسبة له أيضًا. تصبّب العرق من يديه، وكان يحمل باقةً كبيرةً من زهور الفريزيا، باقةً طلبها بنفسه.
“أحبّكِ، إيلينا.”
تمتم بهدوءٍ بأهمّ الكلمات التي أعدّها لهذا اليوم، ثم داعب برفقٍ الجيب الداخلي على صدره. كان بداخله الخاتم الذي أعدّه، بالإضافة إلى العقد الذي وقّعه أوّل مرّةٍ مع إيلينا. ربما يكون اليوم هو آخر يومٍ في ذلك العقد.
“هووه…”
على بُعد خطواتٍ من متجر الفساتين، أخذ نفسًا عميقًا وتفقّد أغراضه مرّةً أخرى. لم يكن ينقصه شيء. أخيرًا، كانت الخطوات الأخيرة إلى إيلينا.
في تلك اللحظة…
“أيّتها الحقيرة! مُوتي!”
“آآه !”
دوى عويلٌ وصراخٌ حادٌّ من الزقاق الخلفي.
رفع بنديكت رأسه لا إراديًا عند سماعه الصوت الحاد الذي حطّم صمت الزقاق الهادئ. كان ضجيجًا لا يمكن لأيّ جنديٍّ تجاهله. حتى وإن كان على وشك الإدلاء بأهمّ اعترافٍ في حياته.
“……!”
صعّبت الإضاءة الخافتة في الزقاق الرؤية، لكن شخصًا يرتدي رداءً كان يتعرّض لهجومٍ بخنجر. دون أن يفكّر في أيّ شيءٍ آخر، ركض بنديكت نحو الزقاق حيث كان الشجار يدور.
“أيتها المرأة الشريرة! أتظنين أنكِ ستعيشين حياةً رغيدةً في القصر؟”
مع صوت غرغرةٍ مُقشعرّة، تأرجح الخنجر الحادّ المرعب في الهواء بعنف. ردّ جسد بنديكت غريزيًا على الهجوم الخاطف.
طقطقة!
تشنّج وجه المهاجم عندما أوقف أحدهم الذراع التي تحمل الخنجر بيدٍ واحدة. عبس بنديكت قليلاً عندما تأكّد من هوية المهاجم. حتى من بعيد، جعلته نحافته لا يبدو كرجل، لكن عن قُرب، كان المُهاجِم امرأةً عجوزًا رثّة، هيئةٌ تُناقِض مُهاجِمًا.
“مـ من أنت؟ هل أنتَ متواطئٌ مع هذه المرأة الحقيرة؟”
صرخت العجوز بصوتٍ أجشّ متحشرج، وهي تُكافح للتخلّص من يد بنديكت. حدّق بنديكت في المرأة العجوز، وعيناها تلمعان ببريقٍ شيطاني. على غير المتوقع، جعلته طريقتها في حمل الخنجر تبدو كقاتلةٍ محترفةٍ تدرّبت بجدٍّ في شبابها، لكن جسدها كان ضئيلاً مقارنةً بوجهها الحاقد. كانت عجوزاً عادية، قادراً أيّ شخصٍ على إخضاعها بقبضة معصمٍ بسيطة.
“الأرشيدوق ريتشارد…؟”
انتفض بنديكت عند سماعه صوتاً من خلف كتفه والتفت. اتسعت عيناه حين رأى أخيراً وجه الشخص الذي هاجمته العجوز.
“صاحبة السمو؟”
كان الوجه الذي ظهر من تحت الرداء المنسدل هو وجه فيفيان. وبينما كان بنديكت مرتبكاً بعض الشيء من هذه الشخصية غير المتوقّعة، استغلّت العجوز الفجوة الصغيرة ولوت معصمها. انزلقت اليد التي تحمل الخنجر بلا رحمةٍ من قبضة بنديكت الضعيفة للحظة.
“آه.”
اخترق ألمٌ حادٌّ راحة يد بنديكت على الفور.
“موتي! أيّتها المرأة الطامعة التي لا تعرف حدودًا! بـ بسببكِ…!”
انقض الخنجر، الذي جرح يد بنديكت وانزلق منه، مرّةً أخرى. لوّحت العجوز بالخنجر بتهوّرٍ وعشوائية، نحوه ونحو فيفيان. دفع بنديكت فيفيان خلف ظهره بسرعة، واتّخذ وضعيةً دفاعية. بدلًا من استخدام ذراعه التي كانت تنزف دمًا أحمر من النصل، استخدم ذراعه الأخرى التي كانت تحمل باقة الزهور. كانت غريزةً طبيعيةً للجندي.
دويّ!
مع دويٍّ مكتوم، تناثرت أزهارٌ صفراء صغيرةٌ زاهيةٌ في الهواء. هذه المرّة، انتزع بنديكت، الذي لا يزال متوتّرًا، الخنجر من يد العجوز. صرخت العجوز، وذراعاها مقيّدتان بإحكامٍ في النهاية.
“ا-اتركني …!”
حمل بنديكت العجوز بين ذراعيه، ونظر حوله بسرعة. سرعان ما رأى صبيًّا يختلس النظر من الشارع، يراقب من بين الضجّة في الزقاق.
“أنتَ، هناك. اتصل بقوّات الأمن فورًا. لقد تعرّضت صاحبة السمو ولية العهد لهجوم—”
“لـ لا.”
أمسكت يدٌ شاحبةٌ مرتعشةٌ بذراع بنديكت. ضيّق بنديكت، الذي كان على وشك الاتصال بالشرطة وتسليم المرأة العجوز، عينيه بعبوس.
“تقولين لا؟ هذه جريمة قتلٍ واضحةٍ لأحد أفراد العائلة المالكة.”
“أ-أنا بخير… فقط دعها تذهب.”
“ما هذا بحق الجحيم…”
بدا بنديكت في حيرةٍ من أمره، لكن فيفيان هزّت رأسها بقوّة. إذا سُلِّمت المرأة العجوز للشرطة وبدأ التحقيق، فسيصبح الأمر حتمًا معروفًا للجميع، ويبدو أنها لم تكن ترغب في ذلك.
نظرت فيفيان إلى المرأة العجوز بعيونٍ باردةٍ وهمست بحزم.
“لا يمكنها فعل أيّ شيءٍ بعد الآن.”
“هل أنتِ جادّة؟”
حدّق بنديكت في فيفيان مذهولًا، فأومأت برأسها. كان ردّ فعلها غير مفهومٍ بتاتًا، لكن لم يكن بوسعه فعل شيء. كانت فيفيان، الضحية ووليّة العهد، تتصرّف بإصرارٍ شديد، لذا بدا من الغريب أن يتقدّم خطوةً أخرى. أخيرًا، أفلت بنديكت قبضته عن العجوز.
“آغه…!”
ركضت العجوز، وقد انتُزِع سلاحها منها، في الزقاق، وعيناها محمرّتان.
حدّق بنديكت في الزقاق الخالي حيث اختفت العجوز، وعيناه غائمتان. كانت باقة زهور الفريزيا التي أعدّها لإيلينا مُلقاةً على الأرض، وقد تمزّقت بشدّةٍ بفعل النصل.
“هذا…”
مسح بنديكت وجهه بيده الجافّة وأطلق تنهيدةً خافتة. ثم نظر إلى فيفيان.
رفعت فيفيان الرداء الذي كانت قد أنزلته عن رأسها، وأعربت عن امتنانها. كان وجهها شاحبًا، مصدومةً مما حدث للتوّ.
“ما الذي يجري بحق السماء؟ هل تعرفينها؟”
“لا.”
هزّت فيفيان رأسها نافيةً. عبس بنديكت. كان مجرّد حدس، لكن العجوز لم تكن تبدو من النوع الذي يرتكب سرقةً بسيطةً ضد غريب. علاوةً على ذلك، وبالنظر إلى الكلمات التي تمتمت بها أثناء مهاجمتها لفيفيان، فقد كانت تعرف هويّتها الحقيقية بوضوح.
التعليقات لهذا الفصل " 87"